العنوان شخصية الحمار في الفكر والأدب (٥) لوحات حية للريف المصري
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011
مشاهدات 73
نشر في العدد 1973
نشر في الصفحة 44
السبت 15-أكتوبر-2011
- توفيق الحكيم قدم لنا نفسه بعملية «بوح ذاتي» بصراحة لا تعرف المواربة من خلال «الجحش»
- أشد ما في الكتاب حدة رأي الحكيم في المرأة والتي يرى أنها تقع عليها مسؤولية تخلف الريف وقذارته
- على الرغم من الصور المعتمة التي رسمها الحكيم للريف.. تظهر له لوحات مستشرفة إلى ريف أنظف وآفاق أعلى
- عن طريق هذا التأمل الذاتي نرى الحكيم إنسانًا متغيرًا غير اجتماعي.. وفي شخصيته غموض يشعر بسلطان المال
- من خلال «الجحش» والريف والناس استطاع الحكيم أن يضع أغراسًا من القيم والحكمة برع في زرعها دون افتعال
تناولنا في العدد الماضي الصور الذهنية وانطباعات توفيق الحكيم عن بؤس الإنسان المصري وخصوصًا إنسان القرية، من خلال معايشته له، وقد عرضنا صورتين لهذا البؤس والشقاء، وفي هذا العدد نستكمل باقي الصور .
- صورة نساء الريف، تلك الصورة المقززة، وهن يطللن من خلف الأبواب برؤوس معفرة من دخان الأفران، وهن يخفين أسفل وجوههن بطرحهن السوداء.. حتى الفتيات الجميلات منهن كن يظهرن من فوق الأسطح وقد تلطخت أكفهن بروث البهائم. (ص ٦٦).
- وفي أسلوب ساخر مر يتحدث الحكيم عن قذارة الفلاحين حينما يرى بعضهم «يهرش» جسده هرشًا متصلًا.
- حتى الحب وهو -أسمى العواطف الإنسانية- لا وجود له في الريف، أما الذي يوجد في الريف فهو الحب الغريزي البهيمي.. هو «حب الحيوان» أو «حب العبيد» شيء مباشر وضيع زهيد، يأتي ويذهب فلا يخلف أثرًا غير الأثر المادي البيولوجي الذي يخلفه عادة بين طائفة القرود، أما ذلك الحب الذي يأتي فيفتح العيون والنفوس على ألوان من الحسن ودروب من الإحساسات الرفيعة، ولا يذهب حتى يترك صاحبه وقد تكون تكوينًا جديدًا، وسما على نفسه سموًا ملحوظًا، ذلك الحب الذي كان دائمًا خير مدرسة للمشاعر البشرية العليا.. ذلك الحب الذي كان دائما النبع الذي انبثق منه الفن والجمال لا يمكن أن يوجد الآن في هذه البقاع لأن وجوده معناه أن الإنسان الأعلى قد وجد، وهذا ما لا نستطيع أن ننعت به هذه المخلوقات المسكينة. (ص ۱۱۱)
وأمام هذا الضيق، وأمام كل هذه المسوخ في البشر والأرض والبيوت يبدي الحكيم أساه، بل يأسه.. «إنه الريف القذر الذي أعرفه دائمًا، ولا فائدة ترجى منه ولا شيء اليوم غير الأسف والحسرة والمرارة» (ص ٦٦)
بوح ذاتي
- وفي صراحة وعمق، قام الحكيم بعملية «بوح ذاتي»، قدم لنا فيها الحكيم نفسه بصراحة لا تعرف المواربة من خلال «الجحش» الذي اشتراه وأطلق عليه اسم «الفيلسوف»، ذلك الجحش الذي خرج إلى الحياة منذ يومين، فانصرف عن زجاجة اللبن إلى مرآة الخزائن يتأمل نفسه...».
أنا كذلك انصرفت منذ عهود الصبا عن مباهج الحياة التي تغري الشبان والفتيات إلى تلك المرأة حتى أرى فيها نفسي.. على أنه تأمل هو أبعد ما يكون عن تأمل «نرسيس» لنفسه في مياه الغدران.. لم يكن تأمل الزهو والامتنان، بل تأمل الباحث الحيران.. إني من أشد الناس تنقيبا في أنحاء نفسي؛ لأني أعتقد أن الطبيعة لم تسح علي، فلم تمنعني لمعانًا وبريقًا. (ص ١٥٠).
ومن خلال هذا التأمل الذاتي العميق نرى الحكيم:
- إنسانًا متغيرًا: لا يقدس إلا الفكر.. هذا النور اللامع في قمة هرم أي أركان أربعة الجمال والخير والحق والحرية. (ص ١٤٨).
- إنسانا غير اجتماعي: لذلك اختلف الناس في أمره، فهو عند بعضهم بسيط ساذج، وعند الآخرين ماهر مكار؛ لذلك تعود أن يعيش بلا أصدقاء؛ لأنه كما يرى نفسه أرضا قاحلة جرداء، كلها صخور وأحجار لا يمكن أن يأنس إليها الآدميون. (ص ١٤٩ - ١٥٠).
- وفي شخصيته غموض جعله يجنح إلى التأمل الطويل منذ الصغر. (ص١٥٠)
- وهو يشعر بسلطان المال، ويدرك أن المال قدير - أحيانًا - على تقرير مصير الأشياء، حتى في مسائل الأدب والفكر والفن.. نعم، ولم لا؟ ألم تلوح إحدى دور الموسيقى في لندن لـ «بيتهوفن» بمبلغ خمسين جنيهًا لما وضع السيمفونية التاسعة؟.. إن لم يكن الفنان محتاجًا إلى المال ليعيش فهو محتاج إليه أحيانًا لينتج، فالفنان إذا لم يتفجر ينبوع نفسه لغير شيء فلابد من طرقه بفأس من ذهب.. إنها طبيعة غريبة لا علاقة لها بالطمع ولا الجشع، ولا بالرغبة في الترف. (ص (٤٠).
- وأحد ما في الكتاب وأشده وأعنفه هو رأي الحكيم في المرأة، حتى إنه يرى أنه تقع عليها مسؤولية تخلف الريف وقذارته لأنها عجزت عن أن تكون «سيدة».. والسيدة في نظره هي تلك التي ورثت شخصية سيدات الأشراف، ففهمت كيف تكون نافعة مفيدة للإنسانية أينما حلت فعلة تخلف الريف المصري هي المرأة.. ويوم تتخلص المرأة المصرية من روح الجواري البيض، وتتقمص روح السيدات تعال انظر عندئذ إلى الريف المصري والفلاح المصري. (ص ۱۰۳)
والحكيم مؤمن كل الإيمان بأن بلادنا كلها تنقلب انقلابًا عظيمًا عجيبًا لو خرجت المرأة من «الحريم الروحي»، ونبذت ما علق بها من آثار الجواري، وبلغت مرتبة السيدة التي تخلق شيئا، وتحمي شيئا. (ص ١١٥).
- ومن خلال الجحش والريف والناس استطاع الحكيم أن يضع أغراسًا من القيم والحكمة برع في زرعها دون افتعال ومنها:
- الحب الرفيع لا يظهر مطلقًا في جو العبودية، ولا ينبت إلا في أرض الحرية الروحية (ص ۱۱۱)
- القيم الإنسانية العليا من جمال وخير وحق وحرية هي قيم ثابتة خالدة لا يمكن أن تموت. (ص ١٤٨).
- الكاتب الحقيقي ليس ذلك الذي يرصف في لغته جملًا فخمة وعبارات جميلة، إنما هو ذلك الذي يخلق عالمًا زاخرًا بالأشخاص التي تحيا وتسعى وتشعر، دون أن يحتاج في إنشاء هذا العالم إلى غير قلمه وحده دون الانتماء إلى مسرح وممثلين ولو أن قلمه احتاج إلى تمثيل ما أنتج، ولما سمي كاتبًا.
مفاتيح المشاعر البشرية: الكاتب الحقيقي هو دائمًا كل لا جزء.. بل إن طبقات الكتاب تختلف باختلاف قدرتهم على هذه الكلية وهذا التمام، فالكتاب العظام في نظر الحكيم هم أولئك الذين منحتهم السماء كل مفاتيح المشاعر البشرية، فهم قديرون على الإبكاء والإضحاك والارتفاع بالمشاعر والأفكار إلى قمم الخيال والشعر والتصوف والهبوط بها إلى أرض الواقع والطبيعة الدنيا.(ص ١٥٦)
- أسلوب الحكيم أسلوب واضح مرسل، وهو أسلوب معبر قادر في الحوار، وهو من ناحية أخرى يلتزم الواقعية اللغوية الفنية فيجري على ألسنة الشخصيات ما يتناسب مع مستواها الاجتماعي والعقلي والثقافي، باستثناء ذلك الحوار الرومانسي الذي تخيله الحكيم بين البطل «الفلاح مهدي»، والبطلة «الفلاحة أمينة».
صور معتمة: وعلى الرغم من الصور المعتمة المقززة التي رسمها الحكيم للريف في مناحيه المختلفة، تند بين الحين والحين لوحات تفنن الحكيم في رسمها، وكأنها حديث الروح المتطلع، وأحلام اليقظة المستشرفة إلى ريف أنظف وآفاق أعلى: «وسرنا لحظة صامتين.. نتأمل الحقول والنبات والمياه الجارية في القنوات.. وقد اتخذت في ضوء القمر ألوانًا وأشكالًا جديدة.. وسكن حولنا كل شيء.. فالنسيم كان أرق من أن يثير شيئًا، ومع ذلك فقد كنا نرى الكائنات من حولنا كأنها ساكنة وغير ساكنة، كأن هنالك أنفاسًا خفية تنبعث في الأشياء شبه رقصات لاعبة عابثة لا ندركها بحواسنا الظاهرة، وخيل إلينا أن آذاننا تسمع ضحكات خافتة تتصاعد من كل شيء، ولكنها ضحكات كالهمسات.. لكأن الكائنات تغتسل في ضوء القمر. (ص ٩٤).
وفي وصف الصحراء يقول الحكيم: «وانطرحت فوق مقعد طويل أتأمل الصحراء الممتدة أمامي كأنها البحر، وأرى ضوء القمر يلاعب رمالها المتموجة، فيخيل إلى أنها الأموال، وأغمضت عيني لأخادع نفسي فأتصور أني مستلق على مقعدي فوق ظهر الباخرة إلى أوروبا الجميلة» (ص ١٤٦).
وحينما يفيض شعوره، ويملأ وجدانه بالسعادة أو الضيق لا يجد معبرًا إلا بالصورة الأسرة، والكلمة الشاعرة:
«هكذا كان شأني في المسكن الخاص بين أولئك الخدم، وقد لبثت على هذه الحال زمنًا.. اختمرت فيه داخل نفسي جراثيم الثورة الكبرى على هذا النظام، فبيت النية ذات ليلة علي خلع نير هؤلاء الذين يسمون أنفسهم خدمًا لي» (ص ۱۳۳).