; اللفياثان الإسلامي.. الإسلام وتشكيل سلطة الدولة | مجلة المجتمع

العنوان اللفياثان الإسلامي.. الإسلام وتشكيل سلطة الدولة

الكاتب د. محمود المنير

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2019

مشاهدات 79

نشر في العدد 2138

نشر في الصفحة 54

الأحد 01-ديسمبر-2019

قراءة في كتاب

اللفياثان الإسلامي.. الإسلام وتشكيل سلطة الدولة

(*) «اللفياثان» كائن بحري خرافي له رأس تنين وجسد أفعى ورد ذكره مرات عدة في الكتاب المقدس، استعمله المؤلف هنا كعنوان للكتاب ليصوِّر سطوة وسيطرة المشروع الإسلامي كمنهج حياة في بعض دول العالم الإسلامي، مثل باكستان وماليزيا، ضمن عقد اجتماعي جديد، مشيراً إلى هيمنة الدين من خلال بناء ركائز النظام السياسي الحديث كهوية للدولة باسم أسلمة الدولة وتطبيق الشريعة.

كيف أمكن لدول ما بعد الاستعمار التي كانت علمانية أن تصبح وكيلة للأسلمة ومبشرة بدولة إسلامية حقيقية؟!

مدخل التحول هو التفاعلات داخل مؤسسات الحكم وتجاذبات العلاقة والتوازن والصراع داخل المجال

تم دمج الهوية الدينية بماليزيا وباكستان في أيديولوجيا الدولة من أجل إثراء عملية التنمية بالقيم الإسلامية

الأسلمة لم تكن متعلقة بالإسلام بقدر ما كانت متعلقة بالدولة وكانت إستراتيجية لتشكيل الدولة

الأسلمة خدمت هدف الدولة في الاستقرار المضمون بنجاح أكثر للسعي في تحقيق النمو الاقتصادي بماليزيا

لا يمكن التسليم التام بالنتائج التي خلص إليها الكاتب حول تجربة البلدين مع الأسلمة

عرض: محمود المنير 

بيانات الكتاب: 

المؤلف: سيد فالي رضا نصر.

ترجمة: خالد بن مهدي.

الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات.

الطبعة الأولى: 2016م.

عدد صفحات الكتاب: 287 صفحة من القطع الكبير.

هذا الكتاب بحث علمي اجتماعي بامتياز، يتناول فيه المؤلف قضية الأسلمة والسياسة وإقامة سلطة الدولة في باكستان وماليزيا، بالتركيز على حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان عام 1979م، ومهاتير محمد في ماليزيا عام 1980م، اللذين أعلنا أن الدولة سوف تصبح معهما أو مع حكمهما إسلامية، وأن الإسلام سوف يشكل «أساس الهوية الوطنية والقانون والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وأنها سوف تلهم كل صناعة للسياسات» في بلديهما.

وينطلق الكتاب من تحولات دولة ما بعد الاستعمار، وكيف أمكن إدراج الدين في مقتضى السياسة ليلبّي «حاجيات سلطة الدولة وتنميتها»، ويقارب الموضوع من خلال إسهام العلوم الاجتماعية ودراسات الدولة والثقافة والدين، وتتبع دقيق لمجريات الأمور في باكستان وماليزيا، مع تناول معمق لـلهند عندما كانت باكستان جزءاً منها.

محتويات الكتاب:

يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة أقسام: 

القسم الأول: يتناول فيه المؤلف تشكيل الدول الجديدة، وفيه فصلان؛ الأول: الميراث الاستعماري، ويتناول أصول الدولة وتكوينها المبكر في ماليزيا وباكستان، والتجربة الاستعمارية المؤسسة للدولة فيهما، والعلاقة بين الإسلام والمجتمع فيهما، أما الفصل الثاني؛ فيتناول طبيعة السياسة في الدولة منذ الاستقلال، والعوامل التي أدت إلى تطور الموقف بين الدولة والإسلام حتى فترة الثمانينيات من القرن العشرين.

القسم الثاني: يتناول فيه المؤلف فترة السبعينيات، حيث عانت الدولتان الاضطراب السياسي والتغيير الثقافي، وفيه فصلان؛ الأول يدور حول الأزمة التي واجهت الدولة العلمانية في ماليزيا وباكستان بين عامي 1969 و1980م، حيث قامت أعمال الشغب في ماليزيا، وسقوط نظام أيوب خان في باكستان، ويتناول الفصل الثاني بشكل موسع تحديات الفواعل والتنظيمات الإسلاموية في تلك الفترة.

القسم الثالث: يدور حول الأسلمة والتنمية واستعادة سلطة الدولة، وفيه فصلان؛ الأول يتناول ماليزيا بين عامي 1981 و1997م، ويركز على الأسلمة والتنمية الرأسمالية، والسياسات والغايات التي حكمتها، والثاني يتناول باكستان بين عامي 1977 و1997م، والأسلمة واستعادة سلطة الدولة، وتأثير تلك الإستراتيجيات على الدولة والمجتمع، والتنمية والاستقرار.

الأسئلة الكبرى

يطرح المؤلف في كتابه عدة تساؤلات محورية حول قضية الأسلمة، من أبرزها: 

- لماذا اختار هؤلاء القادة طريق «الأسلمة» لبلدانهم؟ وكيف أمكن لدول ما بعد الاستعمار التي كانت ذات مرة علمانية أن تصبح وكيلة للأسلمة والمبشّرة بدولة «إسلامية حقيقية»؟ 

- كيف أخذت الدولتان المذكورتان دور الناشطين الإسلامويين أو المجددين أو الأصوليين بأن عدّت نفسها «الحامية للإسلام والمدافعة عن مصالحه»؟

- كيف يمكن لدول ما بعد الاستعمار العلمانية أن تتحول إلى وكلاء للأسلمة؟ وبشكل أعم «كيف يمكن للثقافة والدين أن يلبيا حاجيات سلطة الدولة وتنميتها»؟

يركز الكتاب على دور العوامل الثقافية في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، والتأثير على قدرة الدولة نفسها، وكيف أنها تعود لتتوسل الثقافة مدخلاً للتأثير، وخاصة كيف تم استخدام الدين من أجل إعادة تأكيد أو تعزيز الشرعية لنظم الحكم وللدولة، وتمكينها من الضبط والسيطرة والتحكم في المجتمع، في مختلف الأبعاد، الأمنية والسياسية والاقتصادية، واتجاهات القوى الاجتماعية على المدى البعيد، بما يجعل تلك المهام أكثر سهولة ويسراً وأقل تكلفة.

ويرى الكاتب أن مدخل التحول هو التفاعلات داخل مؤسسات الحكم، وتجاذبات العلاقة والتوازن والصراع داخل المجال، والتداخل مع متطلبات التنمية والموارد وقوة الدولة. 

يقول الكاتب: «تُظهر حالتا ماليزيا وباكستان أن تأثير الثقافة والدين في تغيير المؤسسات والدول ومسارات التنمية أهم بكثير مما يفيده التعامل معها بوصفها جوانب من الهيكلية المؤسسية؛ باعتبارها قواعدَ وقيوداً وأشكالاً روتينية»، ومن ثم فإن الأسلمة كانت مؤشراً على صعود الدولة وليس تراجعها، وعلى قدرتها على ضبط عملية تحصيل الموارد وإعادة توزيعها، ومدى استقلاليتها عن الطبقات ومجموعات المصالح.

ويرى الكاتب أن الدولة لم تظهر في معظم العالم الإسلامي عند الاستقلال؛ وإنما تمت وراثتها عن الإدارات الاستعمارية؛ أجهزة الحكم وأيديولوجيات التحديث، ووجهات النظر حول الهندسة الاجتماعية والسيطرة السياسية، كما استمرت النخبة البيروقراطية التي استبطنت قيم الاستعمار تدير آليات الإدارات الاستعمارية في ممارسة السلطة بعد رحيل الاستعمار.

وورثت دول ما بعد الاستعمار أيضاً مجتمعات منقسمة، لم تكن السيطرة عليها سهلة من خلال الأيديولوجيا القومية، خصوصاً وأن النخب الحاكمة كانت أكثر اهتماماً بالهيمنة على المجتمع، بدلاً من تحقيق مصالحه، ومع انهيار العقد الاجتماعي بين الحكومات والشعوب في هذه الدول بسبب الإخفاق في تحقيق وعود التنمية؛ تعرضت الدول لتحدي الإسلاموية، فلجأت إلى الإسلام لتحتمي به وتتخذه واجهة لتحقيق ما فشلت فيه القومية، لكن معظم هذه الدول قد فشلت، لكن بعض الدول القليلة نجحت في تحقيق الهيمنة والنمو عبر تبني الأسلمة.

تفرد مسار الأسلمة

يرجع المؤلف تفرد المسار الخاص بماليزيا وباكستان عن الدول الإسلامية الأخرى التي تبنت الأسلمة إلى نقاط الضعف الخاصة بهياكل الدولة في البلدين؛ فهاتان الدولتان تصنفان ضمن تلك الدول التي تكونت حرفياً عند لحظة الولادة، المفتقرة إلى الاستمرارية في الزمن، متعددة الأعراق، وذات صلة قوية مع الاستعمار، والمفتقدة لآلية فعالة للحكم، دول ضعيفة، في مجتمعات متصدعة، ذات مؤسسات اجتماعية قوية، وسماسرة سلطة، مفتقرة للأدوات الأيديولوجية التي توافرت لغيرها متمثلة في القومية، مما جعلها عرضة بقوة للتحدي الإسلامي.

ومن ثمَّ اتبعت ماليزيا وباكستان، منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، طريقاً للتنمية مفارقاً لتجارب دول العالم الثالث الأخرى، فقد تم دمج الهوية الدينية في أيديولوجيا الدولة من أجل إثراء عملية التنمية بالقيم الإسلامية، كما قدم هذا المشروع صورة مختلفة جداً عن العلاقة بين الإسلام والسياسة في المجتمعات المسلمة، فحالة البلدين فريدة من نوعها من حيث درجة ابتعادها عن نموذج القومية السائد، لتستثمر الأيديولوجيا الإسلامية للدولة بنجاح؛ لإرساء الهيمنة والسعي في تحقيق أهدافها في النمو، لقد خلصت الدولة في البلدين إلى أنَّ الأيديولوجيا الإسلامية من شأنها أن تهيئ الوضع لهيمنة مكتملة أكثر، وبالتالي تخدم هدف النمو الاقتصادي.

ويرى الكاتب أن الأسلمة في ماليزيا وباكستان كانت قوية، إلا أنها لم تصل إلى مستوى «إعادة تشكيل الدولة»، وهكذا فقد بقيت الدولة في باكستان وماليزيا بعد الأسلمة تماماً كما كانت من قبل؛ حيث إن الأسلمة لم تكن متعلقة بالإسلام بقدر ما كانت متعلقة بالدولة، وكانت الأسلمة إستراتيجية لتشكيل الدولة، صحيح أن الأسلمة طبعت المجال العام، وأثّرت في تفاصيل الحياة، والتفكير والعمل، ولكن الأهم من كل ذلك هو «الجعل من مؤسسات الدولة ساحة للصراعات على السلطة»، وهكذا فإن الإسلام لم يعد المحور الرئيس للصراع بين الدولة والمجتمع، وإنما عجَّلَ ذلك بوقوع صراعات جديدة بين الفاعلين التابعين للدولة وزعمائها.

الأسلمة ودولة ما بعد الاستعمار

يرى الكاتب أنَّ الذي جعل الأسلمة جذابة للبلدين أنها سمحت للدول بإخضاع المعارضة السياسية وتوسيع نفوذ الدولة وقدرتها في الوقت ذاته؛ وعليه فقد أنتج التعامل مع الأسلمة دولاً أقوى، حيث تبيِّن حالتا البلدين أنَّ نطاق الأسلمة وطبيعتها قد تجاوزا إضفاء الشرعية على الدول المنهكة؛ فالأسلمة كانت مرتبطة بشكل أكثر مباشرة بالضرورات من ارتباطها بعملية تجميع الإيرادات وتحدي الشرعية، لقد كانت أحد مظاهر توسع سلطة الدولة ومشروعها للنمو والتنمية الاقتصادية، وعكست الأسلمة تأثير ضرورتين أخريين مرتبطتين؛ الهيمنة، والنمو الاقتصادي.

فلم يتطلب تبني الإسلام في البلدين تحولاً أساسياً في أيديولوجية للدولة؛ وإنما تطلب فقط توجهاً ثقافياً، إذ لم تغير الدول «الإسلامية» في البلدين منذ الثمانينيات شيئاً يذكر في بنيتها وعملية صنع السياسات والخصائص والأهداف والعلاقات الأساسية مع المجتمع التي مارسوها قبل الثمانينيات؛ وبالتالي فإنَّ الإسلاموية لم تقم بإعادة إنشاء الدولة، ولم تجر تغييرات على الأعمدة التي تحافظ على صرحها؛ وإنما قامت بمجرد تجميع دولة ما بعد الاستعمار الإسلامية.

ويشدد الكاتب على أنَّ الدولة في البلدين ولدت ضعيفة البنية؛ إذ كانت تفتقر إلى أيديولوجيا قومية قوية، وإلى دعم شعبي، كما واجهت مؤسسات سياسية قوية، وانقسامات اجتماعية لا يمكن تجاوزها، كانت إلى حد كبير استمراراً للنظام الاستعماري في الروح، وكذلك في الممارسة، فالمؤسسات السياسية والبنية الاجتماعية التي خلفها الاستعمار قد ضيقت سلطة الدولة وامتدادها.

وكانت البيروقراطية والقضاء والجيش والشرطة أموراً مهمة بالنسبة إلى الدولة، ولكنها ضمنت كذلك القصور الذاتي الاستعماري في دول ما بعد الاستقلال، كما أنَّ زعماء الدولة الذين تولوا السلطة في ماليزيا وباكستان كانوا من النخبة الإدارية والعسكرية للمؤسسة الاستعمارية، واستمرت أدوات الحكم غير المباشر في البلدين -المتمثلة في السلاطين والأمراء وزعماء القبائل ومالكي العقارات- في ممارسة سلطة كبيرة في الدول الجديدة؛ فالدولة لم ترث ماكينة الحكومة فحسب، وإنما ورثت وسائطها كذلك، لكن المصالح الوطنية -الكامنة في الدولة الأمة- حضت زعماء الدولة في البلدين على البحث عن علاقة مختلفة بين الدولة والاقتصاد، وبالتالي بين الدولة والمجتمع. 

حصاد الأسلمة بالبلدين

يرى الكاتب أنَّ الأسلمة في البلدين متعلقة بخصائص معينة للدولة التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية؛ فقد كانتا دولتين ضعيفتين لم يكن لهما تصور قبل لحظة الاستقلال، كما أنهما افتقرتا لأيديولوجيا قومية قوية وتماسك اجتماعي (ص249-253)، فكانت الأسلمة هي المرفأ الذي رست عليه سفينة الدولة في البلدين، كما أنَّ الأسلمة قد أعادت تحديد العلاقات بين الدولة والمجتمع في البلدين، وغيرت ميزان القوة بينهما، غير أنها بمرور الوقت أصبحت الأيديولوجيا المختارة لزعماء الدولة في البلدين، ولم تكن الأسلمة بقدر كبير تجديداً للدولة؛ إنما كانت أداة أتاحت لدولة ما بعد الاستعمار في البلدين الارتفاع فوق القيود التي كبلتها؛ فالأسلمة لم تكن متعلقة بالإسلام بقدر ما كانت متعلقة بالدولة.

وبغض النظر عن زخارفها الأيديولوجية والدينية، كانت الأسلمة إستراتيجية لتشكيل الدولة، وكانت أداة مفيدة في أيدي الزعماء في معالجة الأزمات التي واجهت الدولة في منعطف حرج، وفي تقوية الدولة وتوسيع امتدادها على حد سواء.

وخدمت الأسلمة هدف الدولة في الاستقرار المضمون بنجاح أكثر للسعي في تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية في ماليزيا، واستخدمت من أجل استعادة سلطة الدولة في باكستان.

نهاية عصر الأسلمة

يرى المؤلف أنَّ الأسلمة فشلت في ضمان حيوية طويلة المدى للدولة في البلدين، وكذلك في إنتاج قاعدة اجتماعية مستقرة لدعم هيمنة الدولة على المجتمع، وأثبتت أنها واهية؛ فقد فقدت قدرتها على تعزيز سلطة الدولة، وتراجعت قاعدتها الاجتماعية في باكستان، أما في ماليزيا، فقد برز تعارض أساسي بين العلمانية المتأصلة لدولة ما بعد الاستعمار، والأيديولوجيا الإسلامية بغرض فصل الدولة عن الإسلام.

قدم الكاتب مقاربة اجتماعية لدور الإسلام في إنشاء سلطة الدولة في تجربتي باكستان وماليزيا، حيث أكد حضور الإسلام كفاعل أساسي وبقوة في مسيرة الحكم في البلدين والتحولات التي شهدها، لكنه يرى أن عوامل الترجيح كانت سياسية واجتماعية في المقام الأول بحسب الكاتب.

لكن لا يمكن التسليم التام بالنتائج التي خلص إليها، والاستنتاجات التي تبناها حول تجربة البلدين مع الأسلمة، ولا الجزم اليقيني بانتهاء حقبة الأسلمة في البلدين -خصوصاً ماليزيا- مع الأزمة المالية الآسيوية؛ فما زال الوقت طويلاً لقبول مثل هذا التعميم.

لكن تظل البراهين التي قدمها الكاتب محل نظر، وتعتبر مدخلاً مهماً لفهم وتفسير التحولات التي تمت في البلدين بعد حقبة الاستعمار وحتى الآن، وكيفية تعاملها مع الإسلام، ودراسة آثارها ونتائجها على الواقع الاجتماعي والسياسي في البلدين.

الرابط المختصر :