العنوان اللهم بلغنا رمضان
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1817
نشر في الصفحة 29
السبت 30-أغسطس-2008
أقبلت نسائم رمضان، وارتفع دعاء المؤمنين وتضرعهم اللهم بلغنا رمضان... أملين ومؤملين أن يخفف رمضان من هجيراء الحياة وقسوة الأحداث، وتوالي النكسات.
وها نحن أيضا أيها القارئ الكريم نفزع إلى
نفحات رمضان لنستعد لقدومه، ونتهيأ لاستقباله بعيدا عن تناول الأحداث الكبرى التي مرت
وتمر بنا دون أن نغفلها أو نتغافل عنها، بل نأخذ من رمضان العدة والقوة كي تستمر بنا
الحياة، ونقاوم الظلم والقهر والطغيان والاستبداد، فقد علمنا رمضان على مدار التاريخ،
أن انتصارات المسلمين الكبرى كانت في هذا الشهر العظيم، شهر الصبر والجهاد، شهر النصر
والرحمات، شهر بدر الكبرى، وفتح مكة، وعين جالوت والعاشر من رمضان.
إننا في رمضان نتعلم أن القوة كلها بيد الله،
وأن النصر من عند الله، وأننا عندما نقر بفقرنا وذلنا وعجزنا بعد بذل كل طاقاتنا وتقديم
كل ما نستطيع يتفضل الله تعالى بإنزال نصره وتأييده.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران:123). ﴿ وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(الأنفال:17) ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(آل عمران:126).
يأتي رمضان هذا العام والمصريون مهمومون باستقبال
عام دراسي جديد يحمل في طياته أزمات للمدرسين وليس فقط للتلاميذ، ويأتي والجميع لم
يتعايش بعد مع كارثة قانون المرور الجديد الذي بدا فشله في حل أزمات المرور، وظهر كأنه
جاء لتكريس الجباية.. أو إن شئت قلت الرشوة، ولم تتعلم الحكومة أي درس وهربت إلى تشديد
العقوبات في محاولة لإخافة المجتمع، بينما كان تشديد سابق يفضي إلى فشل محقق لأنه ليس
بالعقوبات وحدها ينصلح الحال.
وكأننا لم يكفنا ما ألحقته بنا الحكومة. فإذا
بكارثة الحريق الذي لخص أزمة وطن الإهمال واللامبالاة واللا انتماء والفشل ودهمتنا
الكارثة لتبين عمق الأزمة في الانفصال التام بين قمة النظام وهرم السلطة. وبين عموم
الناس في البلاد الذين نقلت وسائل الإعلام تعليقاتهم الكارثية على الحريق. وهكذا طال
انتظار الجميع للانفجار الذي يغير الأحوال بعد أن تم إغلاق وتبديد بلاد الله كباكستان.
ما الذي دفعنا للحديث مرة أخرى عن همومنا التي
تريد الاستعانة برمضان لتخفيف وطأتها ووضع علاج لها؟!! فلنعد إلى رمضان.
ها هو قد أقبل رمضان شهر الصلاة والقرآن، والدعاء،
وصلة الأرحام.
الشهر الذي يجسد وحدة الأمة الإسلامية، كما
يقوي الروابط الأسرية اليوم نتطلع إلى السماء لنستقبل هلال رمضان بالبشر، والترحاب
وجعله الله U
هلال خير ورشد... اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام،
ربنا وربك الله آمنت بالله الذي خلقك....
ساعات قليلة سرعان ما تنقضي، ويبدأ برنامج
يومك أيها المسلم في الانضباط على وقع الأذان يكبر المؤذن في صلاة الفجر فتمسك عن الطعام
والشراب وكل المفطرات امتثالا لأمر الله تعالى لا يطلع على صومك إلا الله، فتتعود على
الإخلاص والمراقبة لله. ثم مع كل أذان تهرع إلى المسجد مع المئات والآلاف، لتقف خاشعا
في صفوف المصلين المتضرعين إلى الله تعالى، وتقضي بعضا من وقتك مع القرآن تاليا، ومتدبرا،
ومراجعا لما تحفظ من آيات الله تعالى.
فإذا ارتفع صوت المؤذن معلنا انتهاء يوم الصيام
عند غروب الشمس تجتمع الأسرة كلها حول مائدة الإفطار في مشهد لا يتكرر إلا في رمضان،
وغالبا ما تلتقي مع ذوي رحمك الذين انقطعت عنهم طوال العام فيرتفع صوت كل صائم بالقول:
اللهم لك صمت. وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله..
ويفطر الصائمون، ثم يقومون إلى صلاة المغرب قبل العودة إلى الموائد العامرة بما لذ
وطاب.
ها هو قد أقبل رمضان، وها أنت تبحث من الآن
عن إمام الصلاة التراويح والتهجد لتصطف وراءه في خشوع تستمع طوال الشهر إلى القرآن
العظيم كاملا، فتحلق مع الآيات البينات، وتسترجع ما قرأته من تفسير بالليل أو النهار
لتفهم مراد الله من خطاب القرآن، ثم تعزم على التطبيق والعمل بالقرآن العظيم، فهو كما
قال رسولنا العظيم القرآن حجة لك أو عليك.. وهنيئا لك إن كنت من أهل القرآن فتخصص لنفسك
ولأهلك وقتا للصلاة الهادئة بعيدا عن الزحام، ووقتا للاجتماع حول مائدة القرآن للتلاوة
والتدبر.
ها هو قد أقبل رمضان، وها أنت تفزع إلى الله
بالدعاء تحقيقا لعبوديتك لله وليس لمجرد الطلب، فأنت على يقين من قوله تعالى، ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:
186).
ترفع أكف الضراعة وأنت موقن بالإجابة، فلا
تقصر دعاءك لنفسك فقط، بل تذكر أمتك ووطنك، ومصر. والعرب والمسلمين، بل تذكر هذا العالم
البائس الذي كثر فيه الهرج والقتل وسفك الدماء، وساد فيه منطق الظلم والطغيان. وتتذكر
إخوانك الأسرى خلف الأسوار.
وعندما تجلس إلى مائدة الإفطار، أو السحور
أو تشرب ماء مثلجا، أو تأكل ما لذ وطاب إن وجدته فتذكر إخوانك الذين يعانون في ظلمات
السجون أو في قسوة الحصار في غزة والضفة وباقي فلسطين. أو في مخيمات اللاجئين والمشردين
في الصومال، والسودان أو الذين يعيشون تحت القصف في أفغانستان والعراق والصومال، وفي
كل مكان.
تذكر معاناة هؤلاء جميعا ولا تكتف بمجرد الدعاء
لهم بل قدم ما تستطيع من عون ودعم لهم عبر منظمات الإغاثة فرمضان شهر الإنفاق والجود
والكرم وعليك أن تقدم من زكاة مالك وصدقاتك إلى الفقراء من حولك في بلدك ومنطقتك كما
تقدم أيضا للبائسين والمحرومين في كل مكان، فالمسلمون أمة واحدة، ورحم واحد، وعندما
نعاني ألم الجوع في يوم شديد الحرارة في هذا الصيف، ونعاني شدة العطش، فإن ذلك يذكرنا
بالأكباد الجائعة، وبهؤلاء المحرومين الذين يعانون منذ أعوام وأعوام.
ها هو قد أقبل رمضان، نسأل الله أن يبلغنا
هذا الشهر العظيم ونحن في صحة.