العنوان الليل زائل والإصباح قادم
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 39
السبت 19-سبتمبر-2009
هل وقع عليك ظلم؟ هل ذقت طعم الطغيان؟ هل تعرضت للطيش والفجور والإجرام؟ هل تعاملت مع الجهل والعنف والوحشية؟ هل عشت زمن الأباطرة والسلاطين والبغاة؟ هل رأيت الليل في رائعة النهار؟ هل رأيت الإنسان الذئب الذي يلغ في الدماء؟ إذا لم تكن ترى ذلك فاحمد الله واشكره على نعمة الأمن والاستقرار، فأنت في نعمة تستحق الحمد وفي هناء يستأهل الشكر.
وإن كنت قد بليت بهذا الطغيان ووقع عليك المصاب، فصبرًا فأنت في جهاد من أجل بلدك ومبدئك وطهرك، فأنت تزيح الظلام عن أمتك وتطلع الفجر لبلدك وترسم الطريق لجيلك، أنت أنت فلا تهن ولا تحزن والله معك والحق في ركابك، والأمة تحيطك بالحب وتدعو لك بالفلاح وعلى الظالم بالوبال.
ألا أيها الظَالمُ المستبدُ *** حَبيبُ الظَّلام، عَدوُ الحياةْ
سَخرْتَ بِأنَاتِ شَعْب ضَعِيفِ *** وَكَفُـك مـخـضــوبـَة مـــن دمـــاهْ
وَسِرْتَ تُشَوَه سحْر الوجودِ *** وتبذر شوكَ الأسى في رُباه
رُويْدَك! لا يخدعنك الرّبيعُ *** وصحوُ الفَضاءِ وضوءُ الصباحْ
ففي الأُفُق الرّحْب هولُ الظَّلام *** وقصف الرُعودِ وعَصْفُ الرِّياحُ
حَذارِ! فَتَحْتَ الرَمَادِ اللهيبُ *** ومَن يَبْذُر الشَّوكَ يَجْنِ الجراح
وها هي الأمة العربية اليوم تعيش في ذلها إلا من رحم ربك في ظلام الطواغيت الذين لا يرحمون الشعوب ولا يرحمون فيهم إلا ولا ذمة، وكأننا رجعنا في عهدنا الحاضر إلى الزمن الغابر أو إلى العصور الجاهلية والفظائع الوحشية من التعذيب وهتك الحرمات وسفح الأموال وضياع المقدرات، زمن ما قبل العدالة والقانون واكتشاف حقوق الإنسان، زمن ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الضياع، زمن سيادة المنحرفين وضياع جهد العاملين ومطاردة الأحرار النابهين، زمن يعيش العالم غير المسلم في أمن وسلام وعدالة ووئام، ونعيش نحن في هول وشقاق وانحدار، ولي فيه الظلم وشعر الناس فيه بالأمان والطمأنينة والوئام، وذهب فيه الطغاة إلى غير رجعة إلا بقية عندنا تفعل ما تشاء وتنهش في اللحوم وتمتص الدماء، ولا رأي سديد، ولا عمل مجيد.
ذهبت طغاة الناس غير بقية *** في كل فج ما تزال ذئابا
ملأى بطونهم دما من بعد ما *** أكلوا ثمار الأرض والأعشابا
فتخوفوا آراءهم من قبل أن *** تتخوفوا الأظفار والأنيابا
أولى بعمران الممالك إن خلت *** منها العواطف أن تبيت خرابا
فلئن كان «نيرون» قد أحرق روما فهؤلاء يحرقون الأمة بالجهل وسوء الحكم وضياع المقدرات وتولية الفاسدين.
إن الدكتاتوريات عندنا تشبه بالتمام والكمال دكتاتوريات «نيرون» الذي حرق روما، وظل ينظر إليها مبتهجًا معجبًا بمنظر الحريق الذي أتى عليها، والناس بين قتيل وجريح وفار وكذلك الأمة اليوم في حريق للطاقات وضياع للقيم والمقدرات، والغريب أنهم معجبون بما يفعلون مثل إعجاب «نيرون» الذي كان يجلس في شرفة قصره وهو في قمة استمتاعه بهذا الحريق الهائل قائلًا:
أنا «نيرون» الجبار، أقتل من أشاء وأملك ما أريد، وأقطع الأعناق وأسفك الدماء، ولا يجرؤ أحد على إشهار سيفه في وجهي، فالأرض التي أحكمها لا تغيب عنها الشمس والناس جميعا يخضعون لمشيئتي، لأنني سيف حاد يقصم ظهورهم قصمًا، ونار هائلة تحرق أجسادهم حرقًا، أنا «نيرون» الجبار، أنا «نيرون» الجبار!!
ويذكر أن الحريق قد استمر ستة أيام أتى فيها على روما؛ حيث امتدت النيران إلى الحوانيت والمحلات والمناطق التجارية، وأحدث هلعًا ورعبًا بين الأطفال والنساء، فأخذوا يحاولون الهرب من ألسنة اللهب التي حاصرتهم من كل جانب.. ولما كانت نتائج هذا الحريق مدمرة، فقد بحث «نيرون» عن من يلصق التهمة فيه، فلم يجد سوى المسيحيين وادعى أنهم كانوا يكرهون روما، فأنزل بهم عقوبات بربرية، وكانت هذه بداية اضطهاد الرومان للمسيحيين الأوائل!! تمامًا اليوم عندما يلصق بالمعارضين والمصلحين كل مصيبة.
ظل «نيرون» على هذه الحال من الظلم، فقد قتل حتى أقرب الناس إليه، وجميع من يشك أنه قد يهدد سلطته!!
وفي فترة انشغال «نيرون بالألعاب الأولمبية في اليونان، بدأت الثورة تقوم في روما، والتف الناس حول «فيندكس» وهو أحد زعماء فرنسا.. واستجاب له الجيش الروماني وأبدى استعداده للإطاحة بـ «نيرون»، وقام بجمع القوات المسلحة وتقدم إلى روما باتجاه قصر «نيرون».
وأعلم أن الثورة قد قامت في روما وأن عليه الرجوع، رجع واجتمع بكبار وزرائه لكن الوقت كان قد فات، فقد جاءه رسول في اليوم التالي يخبره أن «فيندكس» أعلن نفسه سيدا على بلاد الغال «فرنسا»، وخضعت له الكثير من المقاطعات الرومانية، فشردت حواس «نيرون» وأصابه غضب شديد، وأدرك أن هلاكه آت لا محالة، وأخذ يردد: لقد حل بي الهلاك!!
ولم يجد من ينفذ أوامره حتى خدمه تخلوا عنه وهربوا، وكذلك بقية الجنود، فقد ذهبوا لينضموا إلى «فيندكس»، هكذا بقي وحده ونهبت قصوره ولم يبق له مكان آمن يذهب إليه، فاختبأ في بيت أحد خدمه، وكان يهذي طوال الوقت فنصحه خدمه بأن يموت موت الشجعان ويقتل نفسه، لكنه لم يستطع، بعدها سمع أصوات حوافر خيول «فيندكس»، فأخذ يتوسل إلى أحد خدمه لقتله، فأمسك الخنجر وطعنه طعنة الموت القاضية، وبمجرد سماع خبر موت «نيرون» ساد السرور والابتهاج من قبل عامة الناس، وهللوا لمجيء الإمبراطور الجديد، هكذا انتهت حياة الطاغية «نيرون» الذي لم تسلم حتى الجمادات من شره وفجوره.
أين الأسرة والتيجان أسألها *** عن الملوك الطغاة المستبدينا
الرافعين على الأشلاء دورهم *** المالئين دمًا تلك الميادينـا
جنت على ملكهم أسلاب غيرهم *** فهل تذكر هذا المستغلونا
والحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل