; المؤتمر الخامس لحزب المؤتمر الشعبي اليمني يعتمد استمرار صيغة التوازنات السياسية | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمر الخامس لحزب المؤتمر الشعبي اليمني يعتمد استمرار صيغة التوازنات السياسية

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 11-يوليو-1995

* المؤتمر الشعبي دخل مرحلة جديدة وهامة من تاريخه سيواجه فيها بتحديات كبرى

اختتمت في اليمن الأسبوع قبل الماضي أعمال المؤتمر العام الخامس لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس اليمني علِي عبد الله صالح، ويعد الحزب الأول من حيث امتلاكه للأغلبية داخل مجلس النواب. ومنذ انتهاء الحرب اليمنية -في العام الماضي- صار حزب المؤتمر هو الحزب الأكبر بعد اندحار الحزب الاشتراكي اليمني وهزيمته وخروجه من السلطة وتحوله إلى حزب معارض منهوك القوى.

وتعود فكرة تأسيس المؤتمر الشعبي العام إلى أواسط السبعينيات، عندما أقنع الناصريون الرئيس السابق إبراهيم الحمدي بإعلان ميثاق وطني على غرار ميثاق عبد الناصر، ليكون منهجًا فكريًّا وسياسيًّا للدولة، لكن تطورات الأحداث السياسية في اليمن في تلك الفترة جعلت الفكرة تتراجع بعدما نشب صراع دموي بين الدولة اليمنية في صنعاء وعدد من الأحزاب اليسارية. 

ولعل من أهم الأسباب التي كانت تدفع «صنعاء» للبحث عن إطار سياسي لنظامها امتلاك النظام الماركسي في عدن -آنذاك- لحزب قوي تستمد الدولة وقياداتها شرعيتها ووجودها منه، بينما كان النظام الحاكم في «الشمال» يفتقد الحزب الحاكم ويحرم الحزبية في دستوره.

الميثاق الوطني

في بداية الثمانينات أعادت بعض التيارات الليبرالية طرح فكرة إعلان ميثاق وطني على الرئيس الجديد -آنذاك- علِي صالح، فتم تشكيل لجنة للحوار الوطني انتهت بعد حوالي العامين إلى إعلان ميثاق وطني وتشكيل تنظيم سياسي رسمي بالمؤتمر الشعبي العام وتولى الرئيس اليمني زعامته منذ ذلك الوقت من عام ١٩٨٢م. 

جاء «الميثاق الوطني» وثيقة فكرية تحمل بصمات واضحة للتيار الإسلامي الذي تمكن ممثلوه وأنصارهم داخل لجنة الحوار من تضمين الميثاق روحًا إسلامية قوية، كما شكلوا التيار الأهم داخل المؤتمر الذي ضم ممثلين من كل التيارات السياسية العاملة في اليمن، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من اللامنتمين إلى أي حزب، وأغراهم وجود قيادة الدولة في قمة المؤتمر على الانضمام إليه.

ورغم تواجد كافة التيارات السياسية داخل المؤتمر، إلا أن السلطة الحقيقية ظلت بيد الرئيس علِي صالح ورجاله، الأمر الذي مكنهم من ضبط حركة التنافس السياسي بما لا يضر بالتوجهات الرسمية للمؤتمر.

وعندما أعلنت حرية الأحزاب في اليمن خرج كثيرون من عباءة المؤتمر فالإسلاميون شكلوا لهم حزب «الإصلاح» بعد أن وجدوا أن التحالف بين «المؤتمر» والاشتراكي صار هو خيار المؤتمر في تلك الفترة، كما عاد كثيرون إلى أحزابهم الأصلية. لكن المؤتمر ظل يضم الآلاف من المتعاطفين مع كل الأحزاب الموجودة على الساحة بما فيها الاشتراكي والناصريون وقد اعتبر «المؤتمر» أن صيغته الفضفاضة التي تضم أخلاطًا شتى من المدارس الفكرية والسياسية ميزة له في الساحة اليمنية، لكن الواضح أن المؤتمر لم يكن يستطيع أن يكون حزبًا ذا هوية محددة تتناقض مع منطلقاته الأصلية.

ميزة التعامل مع الواقع

وليس سرًّا أن قيادة المؤتمر الشعبي تتعامل مع التيارات السياسية أو أنصارها داخل المؤتمر بواقعية شديدة، وتعمل جاهدة على ضبط التوازن فيما بينها ولاسيما في الهيئات القيادية، ولعل هذا التعامل الواقعي هو الذي جنب حزب المؤتمر من ملاقاة مصير التنظيمات السياسية الرسمية التي أقامها الحكام العرب في الستينيات والسبعينيات، إضافة إلى وجود تعددية حزبية وحرية صحافة عكست صراعًا فكريًّا وسياسيًّا كان ينفخ الروح في المؤتمر.

وعلى أنه ينبغي التنبيه على أن شخصية الرئيس علي عبد الله صالح، المشهود له بالمهارة في إقامة التوازنات والمرونة السياسية في التعامل مع «الجميع» تلعب دورًا أساسيًّا -ربما يكون الوحيد- في لملمة الحزب والحفاظ على قوامه الواحد في وسط تعددي سياسي ساخن.

الطريق إلى المؤتمر

تأخر انعقاد المؤتمر الخامس لحزب المؤتمر طويلًا بسبب ما شهدته اليمن من أحداث وتطورات سياسية غير معهودة منذ إعلان توحيد شطري اليمن، حيث كان آخر مؤتمر للحزب قد انعقد في عام ١٩٨٨م.

ومنذ انتهاء الحرب، ظل موعد المؤتمر مطروحًا في كل مناسبة، ولاسيما بعدما عقد الإسلاميون مؤتمرهم الأول في سبتمبر الماضي بنجاح مشهود، الأمر الذي كان يسبب إحراجًا لحزب المؤتمر في عجزه عن عقد مؤتمر له، رغم إمكانياته المادية الهائلة ووجود رئيس الدولة في زعامته.

ويكاد المراقبون والمهتمون يجمعون على أن أهم تحدٍّ كان ينتظر حزب المؤتمر هو قدرته على التحول إلى حزب حقيقي تظهر فيها كل الولاءات والمدارس في بوتقة واحدة.

لكن نتائج المؤتمر الخامس أظهرت أن الحزب سيظل تلك المظلة التي ينضوي تحتها «الجميع» طالما ارتضوا الانتماء إليه.

وهو ما ظهر -واضحًا- في نتائج انتخابات اللجنة الدائمة «المركزية» للمؤتمر، والتي عكست توازنًا سياسيًّا ومناطقيًّا، كما يتوقع أن ينعكس ذلك على اللجنة العامة «المكتب السياسي»، حيث وافق المؤتمرون على زيادة عدد أعضاء اللجنتين مرتين لكل منهما، بعد أن كانت اللجنة التحضيرية قد قلصت كثيرًا من العدد، واعتبر المتابعون أن تلك الزيادة هدفت إلى إتاحة الفرصة إلى ضم أكبر عدد ممكن من الشخصيات والفعاليات السياسية والاجتماعية المؤثرة والتي يشكل استبعادها حرجًا واضحًا، أما المفاجأة التي لم يتوقعها أحد، فقد تمثلت بانتخاب د. عبد الكريم الإرياني -وزير الخارجية- أمينًا عامًا للمؤتمر الشعبي، والذي تنص لائحة الحزب على تفريغه للعمل التنظيمي.

وقد اختلفت وجهات التفسير لذلك الانتخاب ولاسيما بعد أن صار شبه مؤكد تخلي د. الإرياني عن حقيبة وزارة الخارجية، لكن أقوى الآراء تلك التي تقول إن وجود د. الإرياني، في الأمانة العامة يهدف إلى تفعيل دور الحزب في الفترة القادمة على المستوى الشعبي في موازاة التيار الإسلامي الناشط، استعدادًا للانتخابات النيابية بعد عامين، أو في حالة صدور قرار بحل مجلس النواب، وإجراء انتخابات مبكرة، وربما يتفهم هذا التحليل مع الانتقادات الكثيرة التي يوجهها أعضاء المؤتمر أنفسهم لحزبهم بسبب جموده وتقيده بالرسميات في نشاطه وعجزه عن ممارسة دور الحزب الحقيقي في التحرك بين القطاعات الشعبية، مكتفيًا بالاعتماد على دعم الرئيس له.

وطالما بقي المؤتمر يعتمد صيغة التوازنات السياسية فاحتمالات حدوث تغيير حقيقي تظل ضعيفة، ولو كان على رأسه شخصية ذات ماض حزبي قديم مثل د. الإرياني الذي كان أحد مؤسسي حركة «القوميين العرب» التي عرفت فيما بعد باسم «الحزب الاشتراكي اليمني».

ولعله من العجلة أن يسارع أحد بالحكم على مستقبل حزب كالمؤتمر الشعبي له خصوصياته المعروفة وسلبياته الكبيرة لكن الواضح أن المؤتمر الشعبي العام قد دخل مرحلة جديدة وهامة من تاريخه، قد يواجه فيها تحديات كبرى ولاسيما في النواحي التنظيمية، ثم إن هناك توقعات قوية بأن المؤتمر يسير باتجاه أن يحكم مستقبلًا منفردًا بالسلطة، بعد أن انتهت مرحلة الائتلاف مع الاشتراكيين ثم الإسلاميين، وهو أمر سوف تظهر حقيقته بعد شهور قليلة بانتهاء مدة الائتلاف الثنائي بين المؤتمر والإصلاح في أكتوبر القادم، ويصير المؤتمر في حل من البقاء داخل الائتلاف، وعندئذ سيكون المؤتمر قد اختار طريقًا غير سهل في تجربته السياسية، حيث يحكم لوحده للمرة الأولى، وسيواجه -كذلك- معارضة غير هينة.

الرابط المختصر :