; المؤتمر الدولي السلام وسلام الأمر الواقع | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمر الدولي السلام وسلام الأمر الواقع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

مشاهدات 57

نشر في العدد 844

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

الفكرة: مولدها وتطورها

  • من الممكن القول إن فكرة المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط طُرحت بشكلها الحالي -أول ما طرحت- على لسان بريجنيف عام ۱۹۸۱ في المؤتمر ٢٦ للحزب الشيوعي السوفيتي. غير أن بإمكاننا القول إن لهذه الفكرة- لا شك- جذورها التاريخية، فقرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ لسنة ١٩٤٨ أشار إلى لجنة دولية للتوفيق والمصالحة في المنطقة بين العرب وإسرائيل، وتتكون اللجنة حسب القرار من ٣ دول: فرنسا، والولايات المتحدة، وتركيا. ثم صدر قرار مجلس الأمن ۳۳۸ لسنة ١٩٧٣ والداعم مفاوضات بين الأطراف المعنية تحت الإشراف الدولي الملائم بهدف سلام عادل، ولذلك وبناءً عليه عقد مؤتمر جنيف ۱۹۷۳.
  • ومن الجدير بالذكر في هذا المجال أن نشير إلى البيان الأميركي- السوفيتي الذي صدر 1/10/1977 والذي يؤكد على المفاوضات بين الأطراف في إطار مؤتمر جنيف. وفي 7/8/1981 أطلق ولي العهد السعودي المبادئ الثمانية التي عرفت بـ«مشروع فهد» ثم عرفت فيما بعد بـ«المشروع العربي للسلام» بعد تبنيها في مؤتمر فاس 9/9/1982. ومن الجدير بالذكر أن المشروع العربي للسلام لا يخرج عن إطار التسوية السلمية للصراع وكذلك الإشراف الدولي. وجاء بريجنيف في ۱۹۸۱/۲/۲۳ في المؤتمر ٢٦ الشيوعي السوفيتي وفي معرض حديثه عن الشرق الأوسط أدان كامب ديفيد التي هدفها -كما قال- «شق صف العرب» بتسوية سلمية شاملة تحت إشراف دولي، ومشاركة كافة أطراف الجلسة يومها، عقد الكنيست الإسرائيلي جلسته الشهيرة ووافق بأكثرية كبيرة على قرار ينص على الأمور التالية:

1- رفض المشروع السعودي للسلام.

2- رفض إعلان البندقية للمجموعة الأوروبية والذي ينص على السلام الدولي.

3- إعلان الالتزام باتفاقات كامب ديفيد.

4- إعلان القدس «عاصمة أبدية لإسرائيل».

الموقف الأميركي من الفكرة

  • تظهر الولايات المتحدة قبولًا حذرًا للفكرة يصب في الأساس على السوفييت من جني الثمار لانعقاد المؤتمر الدولي في حال انعقاده. ويبدو المنظور الأميركي للمؤتمر الدولي لا يعدو كونه مدخلًا لمفاوضات ثنائية بين الأردن وإسرائيل من جهة وسوريا وإسرائيل من جهة أخرى وإسرائيل في الختام. ولقد أوضح وزير خارجية الولايات المتحدة شولتز أكثر من مرة موقف بلاده مفصلًا من هذه القضية، والذي يؤكد على التالي:

- هناك تفاهم بين الولايات المتحدة والملك حسين بشأن بدء مفاوضة بين إسرائيل والأردن برعاية مؤتمر دولي.

- يضم الوفد الأردني ممثلين فلسطينيين.

- إن المشتركين في المؤتمر هم الأعضاء الدائمون الخمسة في مجلس الأمن وأقطار المجابهة في الشرق الأوسط، وهي إسرائيل والأردن وسوريا ولبنان.

- يوجه الأمين العام للأمم المتحدة الدعوة إلى أقطار المجابهة في المؤتمر ويوجه الدعوة أيضًا إلى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجال الأمن.

- تجري المفاوضات بموجب القرارين ٢٤٢ و٣٣٨ اللذين يعتبران بإسرائيل وحقها في التواجد ضمن حدود آمنة.

- لن تشترك في المؤتمر إلا الدول المعترفة بالقرارين ٢٤٢ و٢٣٨.

- تعقد المفاوضات على شكل مؤتمرات إقليمية على أساس جغرافي، الأردن وإسرائيل- إسرائيل وسوريا- إسرائيل ولبنان.

- إن الولايات المتحدة ملتزمة بإجراء مفاوضات مباشرة بين الأطراف.

- إذا حاول المؤتمر أو إذا حاولت الدول الكبرى فرض حل معين فإن الولايات المتحدة ستنسحب من المؤتمر.

- يحق لكل جانب إثارة أي موضوع خلال المفاوضات.

- لن تحدد المفاوضات بموعد زمني لإنهائها.

هذا هو الموقف الأميركي في العموم من المؤتمر الدولي.

الموقف السوفيتي وتقلباته

  • طبعًا فكرة المؤتمر الدولي من الأساس فكرة سوفيتية كما أسلفنا. وكان

موقف السوفييت حين أعلن في البداية عنها أكثر قربًا من الموقف الفلسطيني، غير أن قدوم غورباتشوف في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ومجيء شيفرد نادزه في وزارة الخارجية السوفيتية قد أعاد ترتيب الأولويات في سياسة السوفييت في منطقة الشرق الأوسط. يبدو أن غورباتشوف يركز كثيرًا على التفاهم مع الولايات المتحدة في مجال نزع وضبط السلاح النووي، ويبدو أنه مستعد لبعض التنازلات في «سياسات الأقاليم» ومنها إقليم الشرق الأوسط بمقابل تحقيق تقدم في مجال نزع وضبط السلاح النووي مع الولايات المتحدة. ويبدو أن هذا الأمر انعكس على موقف السوفييت من المؤتمر الدولي، في البداية كان السوفييت يصرون على أن يمثل المنظمة الفلسطينية وفد مستقل، لكن يبدو أن هذا الإصرار قد طرأ عليه بعض التعديل؛ فالاتحاد السوفيتي- كما يفصح عن ذلك تصريحات وزير خارجيته- لا يصر على أن تشارك منظمة التحرير الفلسطينية بوفد مستقل في المؤتمر الدولي، بل يعتبر المسؤولون السوفييت أنه يمكن تمثيل الفلسطينيين في المؤتمر الدولي عن طريق وفد أردني فلسطيني مشترك.

ويبدو أن السوفييت حريصون على أن يدرج موضوع المؤتمر الدولي -أكثر من الأميركان- في جدول أعمال القمة المقبلة بين ريغان وغورباتشوف التي ستعقد في واشنطن 7/12/1987.

الموقف الفلسطيني

  • يرحب الموقف الفلسطيني بصيغة المؤتمر الدولي، فلقد صرح بذلك رئيس المنظمة ياسر عرفات، وفي نفس الوقت اتخذت الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني موقفا إيجابيًّا وترحيبًا من صيغة المؤتمر الدولي. إلا أن تصريحات عرفات بعد مؤتمر قمة عمان تؤشر إلى مشكلات تواجه التمثيل الفلسطيني في المؤتمر الدولي، ويبدو أن عرفات -في الآونة الأخيرة- بدأ يتعرض لضغوط دولية وعربية في شأن هذه النقطة؛ إذ إنه يؤكد في كل مناسبة حق الفلسطينيين بوفد مستقل، ولكن يبدو أن أطرافًا دولية وعربية لا تحبذ ذلك مما دفعه إلى التصريح في بغداد الأسبوع الفائت المراسل «فرانس برس» من أنه: «دون مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى قدم المساواة مع بقية المشاركين لن يكون هناك مؤتمر دولي للسلام».

الموقف العربي

  • في العموم هناك ترحيب رسمي في الوطن العربي بفكرة المؤتمر الدولي، وتتفاوت المواقف في التفاصيل الثانوية، الأردن يرحب ولبنان كذلك، لكن يبدو أن سوريا -رغم قبولها بالفكرة- تتميز عن باقي الدول العربية بمواقف لا تخلو من حدة، ويبدو أيضًا أن سوريا تفضل التريث في موضوع المؤتمر بغية توقع تغير على ميزان القوى في المنطقة ربما يعطيها موقفًا تفاوضيًّا أفضل..

بعض المراقبين يتوقعون «تسخينًا حادًّا» بين سوريا وإسرائيل ربما يعقبه جهود حثيثة لعقد المؤتمر الدولي.

الموقف الإسرائيلي

  • الموقف الإسرائيلي من فكرة المؤتمر الدولي يتسم بالتعنت والقوة، ويبدو أن مذكرة شولتز سالفة الذكر تلخص لنا الموقف الإسرائيلي من المؤتمر الدولي. وأما الخلاف المزعوم بين شامير وبيريز حول الموضوع، فلا يبدو أنه يؤثر على جوهر الموقف الإسرائيلي الذي يتطابق مع الموقف الأميركي كما تبدَّى في مذكرة شولتز.

ملاحظات:

1- إن من يقرأ في تاريخ الممارسات الإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة وفي عموم التعامل الإسرائيلي- العربي يدرك أن لإسرائيل مفهومها المحدد المشروط للسلام، فهي كثيًرا ما تعرض السلام وتدعو إليه، لكن سلام الأمر الواقع بكل ما يمثله من اعتداء وظلم وبغي.

أولًا: إسرائيل تعتبر وجودها كدولة يهودية صهيونية ليس موضوع نقاش ولا يمكن أن يدخل قاعة المفاوضات، وأن على العرب بالتالي أن يعترفوا بهذا الوجود وجودًا شرعيًّا وقانونيًّا.

ثانيًا: إسرائيل ترفض عودة الفلسطينيين أو أي جزء منهم إلى أرضهم في فلسطين تنفيذًا لقرار الأمم المتحدة الصادر في ديسمبر ١٩٤٨. لقد عبر عن ذلك كل من ابن جوريون (1957) وجولدا مائير (1960) وأشكول (١٩٦٧) وبيغن (1980) وغيرهم من رؤساء الوزارات الإسرائيلية عن رفضهم لعودة أي فلسطيني لأرضه.

ثالثًا: إسرائيل ترفض أي تعديل جذري في حدودها مع الدول العربية مناقضة بذلك قرار الأمم المتحدة المتعلق بالتقسيم ١٩٤٧.

رابعًا: إسرائيل ترفض مجرد الحديث حول القدس، إذ إنها تعتبر القدس عاصمتها الأبدية كما أفصح عن ذلك قرار الكنيست. وإسرائيل لا تفوت فرصة إلا وتطالب بإنهاء المقاطعة العربية الاقتصادية.

2- إسرائيل إذن تريد سلامًا يقوم على الأمر الواقع الذي فرضته القوة المسلحة ورفضته قرارات الأمم المتحدة. ولذا نقول إن عروض السلام هذه هي عروض غير جادة لأنها تفصل السلام عن القضايا الرئيسية التي بسببها لا يوجد سلام، والتي ببقائها لن يكون سلام، وتأتي في طليعتها وجود إسرائيل وما نتج عن هذا الوجود غير الشرعي من قضايا وتعقيدات.

إن الدعوة للمؤتمر الدولي للسلام وتجاهل قضايا التوتر الأساسية والقفز من فوقها وعدم الاستعداد لبحثها هي مهزلة وسخرية بالعدل والسلام.

3- إن موقف الدول الكبرى (الولايات المتحدة- الاتحاد السوفيتي) من المؤتمر الدولي مرتبط بمصالح تلك الدول وباستراتيجيتها الكونية، والتي لا تقيم وزنًا لحق أو تنظر بعطف لقضية إنسانية كقضية الشعب الفلسطيني، ولقد تطور موقف هذه الدول الكبرى من موضوع المؤتمر الدولي وفق أنسقة التطور التي تعيشها علاقتهما ببعض وليس علاقتهما بأصحاب القضية.

4- إن تهافت الدول العربية على مباركة الفكرة والحشد لها والتمهيد الإعلامي والسياسي في سبيلها مقابل التعنت الإسرائيلي الظاهري، لدليل على عجز عربي شامل، وخاصة أن البحث حتى الآن لم يتجاوز الشكليات ولم يتوغل في مضمون المؤتمر أو يتعرض لجدول أعماله.

5- ينبغي أن تحافظ منظمة التحرير الفلسطينية -وقد تحملت المسؤولية التاريخية- على استقلال القرار، وعدم القبول بأية صورة من الصور أو صيغة من الصيغ تفرط بحق الشعب المسلم في فلسطين في العودة لأراضيه واستعادة كافة حقوقه.

الرابط المختصر :