; اتفاقية سيناء والموقف العربي.. التجربة المرة للتـأييد المطلق للحــكام | مجلة المجتمع

العنوان اتفاقية سيناء والموقف العربي.. التجربة المرة للتـأييد المطلق للحــكام

الكاتب مشاري البداح

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1975

مشاهدات 69

نشر في العدد 270

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 14-أكتوبر-1975

اتفاقية سيناء والموقف العربي التجربة المرة.. للتـأييد المطلق للحــكام يحتار الإنسان في تحليل وتعليل التصرفات وردود الفعل العربية في الساحة السياسية، فالمتتبع لتطورات الأمور السياسية وأساليبها على الساحة المصرية، لا يندهش ولا يفاجــأ للصيغة السياسية التي وصلت إليها اتفاقية ســـيناء. ونحن في هذه المجلة الملتزمة بالمنهــج الإسلامي الواضح، أدركنا منذ البدايــــة، النهاية الخطيرة التي سوف تصل إليها هذه الاتفاقية، وحذرنا من الانتكاسة المدمرة التي سوف تجرها على الأمة العربية والإسلامية، لذلك فإننا لم نفاجأ بالصيغة السياسية التي حبكت بها اتفاقية سيناء، إذ إن المنهــج أو العقليــة التي سيطرت على المحادثـــات السياســـية بين الجانب المصري والجانب الأمريكي، كانت كلها تدل على أن هذه النتيجة حادثة لا محالة. فلماذا تتظاهــر بعــض الدول العربية وعامة الشـعوب العربيــة بالمفاجأة لما حدث على الساحة المصرية؟! ألم يكن ذلك متوقعًا لكل ذي عقل؟ الإنسان ذو التفكير السليم والمنهــج الفكري الواضح، النابع من عقيدة هـــذه الأمة، يدرك تمام الإدراك بأن مجريات الأمور السياسية في العالم العربي أجمع، لا تحدث اعتباطًا، ولا تسـير وفق تفكير ومنهج مستقل، بل تؤثر فيها قوى وتيارات عالميـــة ذات مصالح ونفوذ كبيرين، وهذه في الحقيقة محنة الأمة العربية - الإسـلامية التي ما زالــت تعيش فيها منذ تدهور وسقوط الدولــة العثمانية، ومن ثم زوال الخلافة الإسلامية. فمنذ ذلك التاريخ -بل قبل ذلـــك- وأعداء هذه الأمة يخطـطون في السر والعلن لتغيير واقع هذه الأمة البائسـة. وقد تعاون في هذه المهمة اليهود والنصارى والشيوعيون، إذ إن الإســلام والأمــة الإسـلامية هي العدو المشترك بالنسبة لهذا الثالوث. ●والحقيقة أن جمــيع الأحــداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تبلورت في العالم العربي - الإســلامي هي من صنع هذا الثالوث، ونتيجةً لتخطيطــه المسبق في إفناء هذه الأمة. ●ولا عجب أن نقرأ اليــــوم في بعض التحاليل التاريخية والسياسية، أن جميـع الثورات والانقلابات والأحداث السياسية التي وقعت في الســـاحة العربيــة، خــلال الخمس والعشرين سنة الماضية، كانـــت بتخطيط واتفاق مسبق مع واحدة أو أكثر من القوى الكبرى. ولأول وهلة نعجب كيف تخطط أمريكا مثلًا لإحداث انقلاب في بلــد عربي، وضعه السياسي الســـابق موال لإنجلترا. أو أن تشارك إنجلترا -كمثل آخر- في دفع بلد عربي إلى أحضـــان الشيوعيـــة. ولكن لو توفرت لنا الرؤية السياسية الواضحة، النابعة مرة أخرى من عقيدة وفكر هذه الأمة، لأدركنا أن اليهودية والنصرانية والشيوعية تشترك في عدائها لنا، وأنــه مهما اختلفت مناهج وأساليب هذه القوى الثلاث، فإنها تشترك في العمل على إضعافنا وإفنائنا، وهم في ذلك يتناوبون علينا حسب الظروف، ومتطلبات الأوضاع السياســـية والاجتماعية والاقتصاديــة . ●نعود مرة أخرى للحديث عن اتفاقية سيناء، ولست الآن بصدد تحليل هـــذه الاتفاقية، وإبراز مكامن الخطورة فيــها. ولكنني أتوجه الى اخواننا المصربين بنصيحة صادرة من القلب، بحكم ما نكنه من محبــة وتقدير عظيمين لهذا الشعب المسلم.. فأقول لإخواننا المصريين لماذا نتسرع في الحكم والوقوف مع هذه الاتفاقية ونتائجها السلبية والإيجابية؟ فهل هنــاك من يدعــي من إخواننا في مصر بأنه شـــارك في أي مرحلة من مراحل صياغة هذه الاتفاقيـــة وبأي قدر أو مستوى؟ الجواب طبعًــا لا، لأن هذه الاتفاقية صيغت تحت ستــار كثيف من السرية بين الحكومــة المصرية والحكومة الأمريكية، وهي لا تخــرج عن كونها اجتهادًا من الحكومة المصرية فــي ظروف غير مواتية. وهل نستطيع القول بأن الحكومة المصرية مثلًا معصومــة من الخطأ؟؟ وهل نستطيع أن نتجاهل الظروف السياسية والعســكرية والاقتصاديـــة والاجتماعية المحيطة بالحكومة المصــرية؟ طبعًا الجواب أيضًا لا. فاتفاقية سيناء هي إذًا نتيجة لاجتهاد ذاتي من قبل الحكومة المصرية، اتخذته وفق تصوراتها ورؤياهــا السياسية. والحق يقال إن الشعب المصري بصورة خاصة والشعب العربي بصورة عامة، لــم يستشارا في هذه الاتفاقية قبل توقيعهــا، وحتى مجلس الشـعب المصري، لا يستطيع أحد أن يفترض بأنه أبدى رأيه الحــر الصريح في هذه الاتفاقية قبل توقيعها، بل إنه اطلع على ما تم بعد أن قطعت المباحثات شوطًا كبيرًا لا رجعة فيه. اتفاقية سيناء هي اجتهاد ذاتي من قبل الحكومة المصرية، وعليه فلا ينبغي لأي فرد في الأمــة أن يتحمس في تأييد الاتفاقية، بل المطلوب الآن هو إما قول الحــق أو الصمت. إما الاندفاع العاطفي وإما النعرات الإقليمية، فيجب أن لا تسيطر على تصرفاتنا وانفعالاتنا. فالأمر الأهم الآن من اتفاقية سيناء ونتائجها، هو وحدة الصــف والمنهج العربيين، فليس هناك أهـــم -بالنسبة لليهود وجميع أعداء هذه الأمة- من إحداث الخلاف والفتنة بين صفـــوف العرب، فوحدة الصف والمنهج العربــيين الآن كفيلة بالتغلب على النتائج الســلبية لاتفاقية سيناء. ●وبالنسبة لإخواننا المصريين لا نملك إلا أن نذكرهم بالماضي القريب، يوم أن كان الشعب المصري يمر في محنته الكبرى، ويوم كانت غالبية الشعب المصري فاقدة الحرية والإرادة، ومــع ذلك كانت تصفق وتؤيد كل حدث سیاسي أو غير سياسي، يقع في الساحة المصرية. فلما أن انجلى الكابوس الرهيب وتنفس الشعب المصري الصعداء، وهبـــت عليه بعض نسمات الحرية، طفق ينتقد ويلعن تلك الفترة الطويلة من عمره، التي أفناها في دمار بلاده والبلاد العربية. وصــار الجميع يتبرؤون من جميع أحداثها، ويجب هنا أن ندرك أن ما حدث في تلك الفترة من أحداث سيئة، غيرت مجرى الحياة، ليس في مصر فحسب، بل في الأمة العربية والإسلامية ككل، نتحمل نحن كشعوب جزءًا كبيرًا جــدًا من مسؤوليتها. فكما تكونوا يولى عليكم، وإن فرعون في التاريخ المصري القديم استخف قومه فأطاعوه. فلو أن شعبه كان واعـــيًا ومدركــًا مسؤوليته، وفارضًا إرادته ومحكمًا عقله، لما تمکن فرعون بادیء ذي بدء من الاستخفاف بقومه. ●فبسبب غياب الوعي والإرادة عــن غالبية الشعوب العربية، بما فيها الشـــعب المصري، حدثت تلك الأحداث المدمرة في تلك الفترة، والشعب هو مرآة حكومـته، وكــل حكومة معرضة للخطأ أو الزلل، بحكم فطرة الإنسان ومقدرته المحدودة، وعدم إدراكه للغيب الذي هو من أمر اللـه، ولكن الشعب الواعي الصريح، يعين حكومته على تلمــس جادة الصواب، وتجنب الزلل. وهذا لا يتأتى إلا إذا توفرت في الشعب صفات الوعي والرؤية الواضحة، والشجاعة في الحــق. فلنأخذ درسًـــا من الماضــي ولنتعظ من تجاربنا السابقة، ولنتصف بصفة المؤمــن الذي لا يلدغ من جحر مرتين، ويجب أن لا نتصرف كالقطعان، نعطل أفكارنا ونطمــس وعينا، ونندفع وراء عواطفنا فيما يتعلق بمجريات الأمور السياسية في منطقتنــا. فالظروف الحالية العسيرة التي تمر بها أمتنا، تتطلب منا أكثر من أي وقت مضــى الرؤية والحكمة، ومعالجة الأوضاع بفـكر عميق، قبل أن نتسرع ونصدر أحكامنا عليها. ولندرك تمامًا أن صراعنا مع اليهــود صراع دائم، ما دامت الحيــاة على هــذه الأرض، ولا يتصور مسلم وجود قوة على وجه الأرض، تستطيع إنهاء الصراع بيننــا وبين اليهود، فهذا هو قدرنا كتبه اللـه علينا إلى أن تقوم الساعة، وإن شــئتم فاقرؤوا قول اللـه تعالى: ◘ ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ...﴾ (الأعراف: 167). ◘ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ﴾ (المائدة: 82). أو اقرؤوا حديث الرسول -صلى اللـه عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود.. حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم ورائي یهودي، فتعال فاقتله». واللـه بيده ملكوت كل شيء، وهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، وهو الذي يورث الأرض لمن يشاء من عبـــاده، والعاقبة للمتقـــين.
الرابط المختصر :