; المؤتمر الذي انتهى قبل أن يبدأ ! | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمر الذي انتهى قبل أن يبدأ !

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1976

مشاهدات 84

نشر في العدد 302

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 01-يونيو-1976

منذ سبع سنوات برز إلى الوجود اسم هذا المؤتمر.. مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية.

وقد عقد ست مرات ولم تهتم به الأوساط كما اهتمت به هذه المرة.. ولم تثر فترة انعقاده من الحديث والسؤال عنه مثلما أثارت في هذه المرة.. لماذا؟

لأنه عقد في تركيا.

لأنه عقد في إستانبول بالذات.. وما تعني إستانبول؟

على أرضها كان تحقيق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».. ودخل محمد الفاتح ليرفع راية الإسلام على هذه الأرض المباركة.. ثم شهدت عصر القوة والسلطان حتى تآمر عليها الأعداء من يهود ونصارى وفئات أخر.. فتم إسقاط آخر معقل من معاقل الخلافة الإسلامية بانتهاء السلطان المجاهد عبد الحميد الثاني.

ولأن المؤتمر يعقد على أرض إستانبول فإن ثمة أهمية لذلك.. قد لا تبدو لمن لا يتابعون الأمور.. ولكنه يعني الكثير لمن يعرفون حقيقة تركيا الحاضرة بعد خمسين عامًا من التمزق والضياع والشرود والردة!

الشيء الجديد:

أما لماذا غيرت تركيا سياستها ودخلت في مؤتمر إسلامي ودعت -هي- إليه.. إن نص الدستور يقوم على «اللادينية».. إنها العلمانية المعتمدة.. فلماذا وكيف فكرت في أن تدخل إلى جو غير الجو الذي ينص عليه دستورها؟

إن تركيا ظلت حافظة للإسلام ومدافعة عنه، وشعبها لم يتخل عن إسلامه ولم يغير اتجاهه ناحية السقوط، ولكن الثورة المتمردة التي جنحت بالسفينة جاءت من ناحية يعرفها الشعب المسلم.. وعرف طريقها.. وإنما سكت لأن الإرهاب والقهر وسياسة الكبت والتعذيب كانت شريعة في يد الذين أطاحوا بالخلافة وسعوا نحو الغرب وبجنون.. أرادوا تغيير معالم تركيًا المسلمة.. ولكنهم لم يفلحوا وقد سقط العتاه، وكان عصمت إينونو آخر اسم لمع في عنفوان القوة ثم هوى. وجاء رتل من أصحاب المناصب.. ولكن إرادتهم وإن كانت عاتية إلا أنها لم تبلغ من القلوب المؤمنة ما تريد.. وبالتالي عاد الشعب يصرخ بالتكبير وظل يبدأ حديثه ببسم الله.. واليوم وبعد ثلاثة أعوام فقط من تأسيس حزب السلامة.. يشعر الأتراك أنهم يروحون عن قلوبهم بقراءة آيات الله جهارًا ويبسملون، ولا تسعهم الدنيا وهم يرددونها.

إنهم يسمعون خطبة الجمعة باللغة العربية أولًا، ويدخلون مدارس تحفیظ القرآن الكريم.. ويتخرجون من معاهد الإمامة والخطابة.. إنهم يشعرون بجو جديد ومولد نهار جديد. 

ماذا عن المؤتمر؟

نعم ماذا عن المؤتمر الذي انعقد بين هؤلاء الناس؟ إنك لن تجد رابطًا بين الشعب المنتظر لهذه الأمنية.. وللمؤتمر نفسه.. لأنه يعيش في عالم آخر.. فيوم الافتتاح كانت فرقة مهتار تعزف الألحان القديمة بلباسها العثماني القديم.. وكان الشعب يملأ الميدان وأرتال سيارات الوزراء تتوافد على المكان.. وسمح للصحفيين والمراسلين والمصورين أن يدخلوا القاعة يوم الافتتاح ثم يذهبون إلى فنادقهم ليجدوا بانتظارهم جدولًا طويلًا يغطي أيام المؤتمر جميعها.. يشغل وقت الصحف من أول نهاره حتى آخر ليله!

فالرحلات والزيارات والسهرات تملأ الجداول.. وما على الصحفي أو الضيف المدعو إلا أن يتأمل إستانبول ويعرف فساد السلاطين وما كانوا يتمتعون به، ويعرف أيضًا جمال البسفور وشهرة تركيا ببحرها، أو يزور مدنها الجميلة ثم ماذا.. ثم يقرأ في اليوم الأخير.. ما صدرت من قرارات وتوصيات، ولن تجد نسخة باللغة العربية؛ لأن ما طبع منها يعد على أصابع اليد..

أما النسخ المتوفرة فباللغات الأخرى!

وحتى في الزيارات يتعمدون أخذك إلى قصر «توب كابي» أو القصر الذي بناه السلطان محمد الفاتح ليكون منطلقًا للفتوحات، وما كانت الرايات تخرج إلا منه.. لتنطلق إلى بلاد أوربا.. تحررها من نير الطغاة.. يأخذوك إلى هناك ليقولوا لك: هذا مكان الجواري.. وهذا فاصل بينهم وبين الخصيان.. وهذا مكان نساء السلطان.. ولو تأملت لما وجدت لهذا القول من صحة، فالتصميم لا يدل على ذلك.. فضلًا عن ذلك لو رجعت إلى كتب التاريخ التي يجهلها الدليل أو المبلغ له هذا التفسير.

لن يستطيع دخول قصر بيلر بيه لأن السلطان عبد الحميد قد سجن فيه، ولأن الناس يعرفون أن السلطان عبد الحميد كان رجلًا.. وأنه عاش هنا مدللًا على مدى فظاعة المتمردين!

لن تزور قصر يلدز المشهور.. لأن نصفه حول إلى أكاديمية عسكرية، ونصفه الآخر ينزل فيه أتاتورك.. ومن بعده إلى اليوم من حكام تركيا.. مع ضيوفهم! ولن تزور أيضًا القصر المعروف: «ضلمة بقجة» لأنه المكان الذي أقام فيه أتاتورك بعد أن طرد الخليفة منه.. ولأن أتاتورك كان يعلق على جدران القصر صورًا نسائية عارية!

إنهم يعرفون كيف يجعلونك تتأفف وتضيق بالسلاطين من خلال كلام محفوظ، ولا بد أن ينهار البنيان عليهم! وإن الله نعم يمهل ولا يهمل!

نعم إن وقت المؤتمر يجب أن تكون بعيدًا عنه.

لكن هل حقق المؤتمر غايته..

  • يتفاءل قوم من الذين حضروا سابق المؤتمرات وكتبوا عنها.. وحفظوا توصياتها.. ويدللون على مدى فائدتها وأن وراءها خيرًا كثيرًا.

ولم تخرج قراراته وتوصياته على ما قرر من قبل الحكومات وما يصدر عنها أثناء زيارات وفود رسمية أو غير ذلك. 

  • والذين يقولون: إنه كان كسبًا للقضية الفلسطينية أيضًا يغرقون في التفاؤل.. ولم أر في بياناتهم ما يزيد على ما تحفظه عن ظهر قلب.. لأن سياسة الحل للقضية الفلسطينية يجب أن تبقى بين أيدي المتاجرين بها.. وهم لا يريدون لها أن تحل؛ لأن سياستهم تعتمد عليها في الورقة الرابحة في ميدانهم..

وأقول: لم يحققوا بكلامهم شيئًا.. فأقل ما كان يجب فعله أن تقطع تركيا علاقاتها بإسرائيل. وفي سؤال لوزير الخارجية حول هذا الموضوع، قال: إن حاكما عربيًّا لم يرد أن تنفذ هذه السياسة.

من صالح تركيا العلمانية أن تبقى كما هي.. وقد وجدت لها سندًا في شخص هذا الذي يبيع الأمة ويشتريها.. لكل طامع.. وقد صرح باسمه علانية!!

  • عن أريتريا وقضيتها.. كان ينتظر أن تجد لها مكانًا.. ولأن الدولة الصديقة التي تربطها علاقات بدول المؤتمر.. يزعجها أن تسمع خبرًا عن أريتريا.. تشجب فيه دول المؤتمر سياستها فقد خسرت أريتريا لتربح الدولة الصديقة وما أنصف القوم ضبة!
  • وأما ماركوس فقد عرف أصدقاءه فأرسل وفده المؤلف من سفرائه الأربعة في طهران والجزائر وجدة وتركيا، وكلهم نصارى، ليحضروا المؤتمر ويدافعوا عن قضيتهم المهانة والتي يثيرها مسلمو الفلبين.. كما عزز الوفد بوفد إعلامي يجلس إليك ليقول لك خبرًا مفاده.. إن المسلمين يكذبون عليكم.. إنهم يتمتعون بحقوق وواجبات، وليس ما ينشر عليكم بصحيح!!
  • وفي فندق شيراتون.. تجد هذا الخليط الدنيء الممتزج من وكالات الأنباء ومن صحفيي دول المؤتمر.. وتجد مندوب الصحافة الإسرائيلية يناقش هذا ويناقش ذاك.. نعم الصحفي الإسرائيلي.. ويفخر ويقولها باعتزاز!!

أي شيء يبقى للإسلام غير الاسم الذي یستترون خلفه. 

كل ما في المؤتمر يرفضه الإسلام.. فهم باسمه يتكلمون، ولكنهم يحاربونه في المؤتمر.. يتحدثون عن قضاياهم.. وإذا ما خلوا إلى خارجه خلوا إلى شياطينهم. 

  • الخمور دائرة يكرع منها من يشاء.
  • الرقص والملاهي الليلية.
  • لم أر رجلًا يفكر في المسجد أو في الصلاة إلا من رحم الله. 
  • لم أسمع صوتًا إسلاميًّا يدعو إلى نصرة قضايا المسلمين صراحة. 

إنك تفهم كل شيء إلا أن يقال إنه مؤتمر إسلامي.. إنه المؤتمر الذي لم تعرف له وجهًا من قفا.. فأين اتجهت وجدته قفا!

إنه كما عبرنا عنه عندما كنا هناك: «إنه انتهى قبل أن يبدأ». وقد قال قائل:

ولكن تركيا ربحت فيه نصرة قضيتها في قبرص!

قلنا: ولكنها سجلته على الورق وانفض سامر القوم والنصرة تكون يوم الشدة.. وإذا جاءت يكون الامتحان!

وأخيرًا:

على أننا أخيرًا نقول: إن ما تركه هذا المؤتمر في قلوب الشعوب لهو جد صغير، ولكن الأثر في قلوب الشعب التركي المسلم.. فإنه يشتعل حماسًا ويطير فرحًا، ولن تجلس إلى قوم إلا حدثوك عن الأمل الذي ينتظر تركيا بعد أن دعت إلى مؤتمر إسلامي.. إن الحديث عن الإسلام كان جريمة.. واليوم يعقد المؤتمر على أرضهم .. إنهم يقولون لك:

برغم كل ما يقال عن فساد المؤتمرين وعن جو المؤتمر وما حصل، فإننا نقول: إن الذي يده في النار غير الذي يضع يده في الماء.

وقد عشنا نصف قرن في سجن، واليوم وقد فتح لنا في جدار السجن نوافذ نرى منها النور، فإننا نأمل أن تصبح أبواب نخرج منها إلى عالم فسيح.. إلى عالم الإسلام.

إن تركيا تشهد تحولًا تاريخيًّا.. إنها تتكلم عن الإسلام بفرح وشوق وحماس، وأنها لأشد فرحًا من الأعرابي الذي ضلت ناقته وهو في الصحراء ثم وجدها! ويكفيك أن تعرف أن في تركيا الآن ٥٠ ألف مسجد.. فكم عدد المصلين؟

وإذا عرفت أيضًا أن أكثر من يصلي من الشباب.. وإذا عرفت أيضًا أن مدارس تحفیظ القرآن تنشط في تعليمه.. ومدارس الأئمة والخطباء.

إن إسلامًا في تركيا يتحرك.. إن ميلادًا جديدًا للشعب التركي المسلم يتم الآن.. إنه يفرض وجوده.. ولا بد أن «يتفجر الإيمان ويفيض فيضه المكنون».

الرابط المختصر :