العنوان الماسونية في بريطانيا.. «السيد الأعظم» يتحدى!
الكاتب إبراهيم درويش
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 71
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 07-أبريل-1998
▪ طقوس غريبة يؤديها العضو الجديد في أجواء مشحونة بالخوف والإرهاب
▪ كيف تغلغلت الماسونية بين الطبقات الحاكمة؟ وكيف تمددت من بريطانيا إلى الولايات المتحدة ثم إلى العالم؟
▪ عقاب الخارج: قطع الحنجرة وقص اللسان وخلع القلب ورمي الأحشاء للطيور الجارحة
عادت الماسونية لتتصدر العناوين البارزة في الأخبار البريطانية بعد اشتعال الأزمة الأخيرة الشهر الماضي بين وزارة الداخلية و«السيد الأعظم»، مايكل هيغام- مسؤول «المحفل الماسوني الموحد» لبريطانيا- على خلفية علاقة الماسونية بعدد من الفضائح في دوائر الشرطة التي تنتشر فيها الماسونية.
وقد تمحورت الأزمة حول ضرورة الكشف عن مجموعة من الأسماء التي لها علاقة بهذه الفضائح، الأمر الذي اعتبرته الماسونية البريطانية تدخلًا في شؤونها الداخلية والخاصة وكاد الأمر يقود إلى تشريع قانوني يجبر قادة الماسونية في بريطانيا على الكشف عن أسماء أعضاء الماسونية جميعًا والبالغ عددهم أكثر من ٦٠٠ ألف شخص في البلاد.
وجاء اعتراض المحفل الماسوني الموحد الذي يتخذ من شارع ديوك ستريت وسط لندن مركزًا له، على طلب وزير الداخلية البريطاني جاك سترو واللجنة المختارة للشؤون الداخلية بزعم أن للحركة أو المنظمة الحق في الحفاظ على أسرارها مع التأكيد على أنها ليست جمعية سرية تعمل تحت الأرض، وهو ما حاولت الحركة الماسونية التركيز عليه منذ انتعاشها في بريطانيا في أواخر القرن السابع عشر والثامن عشر.
وقد فتح موضوع الخلاف هذا ملف الماسونية في بريطانيا مرة أخرى، فهذه الحركة السرية التي تعود في جذورها إلى «البنائين الأحرار» الذين طوروا شعائر ومحافل خاصة بهم تبعدهم عن محافل العمال العاديين تدعي أنها تعود في جذورها إلى سيدنا آدم عليه السلام.
وقد أصدر كتاب الماسونية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر مجموعة من الكتب والدراسات عن الحركة أظهروا فيها أن لها تاريخًا متواصلًا ودائمًا، بل يرى بعض كتاب الماسونية أن الحركة تعود في جذورها إلى حركة «دوردز» الغولية التي كانت منتشرة في العصور القديمة في بريطانيا وإيرلندا قبل وصول النصرانية إلى الجزر البريطانية، كما يرى بعض الكُتاب أنها تعود في جذورها إلى حركة يهودية انتشرت في فلسطين بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني بعد الميلاد تدعى «إيسينيز»، فيما ذهبت بعض الكتب الماسونية إلى محاولة تجذير الماسونية في الأديان المصرية القديمة، وتأكيد مجيئها كخليط من أفكار الفرعون أخناتون وإيزيس.
وتنسب بعض الدراسات الماسونية إلى الثورة الفرنسية وتقول إن الماسونيين كانوا يخططون عام ۱۷۸۹م للإطاحة بالملكية الفرنسية، ولكن المؤرخين الماسونيين المحدثين يتناولون هذه الدراسات بشيء من الشك ويؤكدون عودة الماسونية كطقوس واعتقادات إلى نحو ثلاثة قرون.
كل عام يشهد صدور كتب عن الماسونية، إما على يد الماسونيين أنفسهم أو يصدرها مهتمون بالكشف عن أسرار الماسونية وعلاقاتها بالواقع السياسي لبلادهم، إذ تقدر بعض المصادر البحثية أن مجموع ما صدر عن الماسونية منذ الخمسينيات حتى اليوم يربو على ٥٠ ألف بحث ودراسة.
ونتيجة لهذا الكم الهائل من الدراسات فمن الصعب تحديد جذور الماسونية وتاريخها الحقيقي وادعاءات أعضائها عن تجذر الماسونية في تاريخ العصور القديمة، ومما لاشك فيه أن الماسونية أخذت كثيرًا من الاعتقادات الدينية السابقة لا سيما «القابالاه» اليهودية والهندوسية والفلسفة اليونانية، وبعض المعتقدات النصرانية، على الرغم من أن العديد من المصادر النصرانية البريطانية أظهرت نوعًا من الشك حول جدلية العلاقة بين الماسونية والنصرانية، فالحركة والشعائر التي ظهرت على يد الصناع المهرة الذين حاولوا إخفاء سر صنعتهم تطورت بشكل كبير في إطارها البحثي، ولذا فإن الكم الكبير من هذه الدراسات يزيد من تعقيد الصورة لا سيما أن معظم هذه الدراسات مكتوب من قبل ماسونيين، يريدون نشر فكرتهم.
ويمكن تلخيص الحركة الماسونية بمجموعة من الأساسيات القائمة على اعتبارات تنبؤية تقول إن الماسونية حركة تقوم على ثلاث درجات درجة الهاوي، ودرجة العضو، ودرجة السيد الأعظم.
وتؤمن الماسونية بمحفل واحد موحد يجمع ثنايا هذه الدرجات ضمن طقوس معينة، كما تؤمن الحركة بتاريخ أسطوري يعود في أصله إلى مائة مخطوطة تحتوي «التعاليم القديمة» يرجع تاريخ أقدمها إلى عام ۱۳۹۰م وتقوم العلاقة بين الأعضاء على أساس الخيرية وأهم من ذلك يُطلب من الشخص العضو السرية الكاملة حول نشاطاته داخل المحفل، وتهدد الحركة كل عضو من أعضاء الدرجات الثلاث بأنواع من العقوبات تبدأ من قطع اللسان، إلى نزع القلب من الجسد، وحرق المتهم إذا كان عضوًا في الدرجة العليا في الماسونية.
وتدخل الماسونية في حيثياتها عددًا من الطقوس والرموز التي تشير إلى سر الحرفة بالإضافة للتقسيم الهيكلي للعضوية، وقد أشار الباحث الكسندر بياتيغورسكي في كتابه الصادر العام الماضي عن دار «هارفيل» بريس في لندن تحت عنوان من يخاف من الماسونيين الأحرار «ظاهرة الماسونية»، أشار إلى هذه الظواهر الطقسية وعلاقتها باللباس والطقوس الغامضة التي تحيط بالجمعية التي تعتبر -كما يقول الباحث- من أقدم الجمعيات في العالم، بالإضافة لطقوس التعميد التي تتم في محافل الماسونية والهيكلية التنظيمية التي تنظم مكاتب الماسونية ولباسهم الذي يعطي صورة عن هيكلية الجمعية.
ويعتقد الباحث بياتيغورسكي أن جذور الظاهرة الماسونية تعود إلى قرون مضت، وجاءت لتأكيد الصورة التي ظهرت بها الجمعية في العصور الوسطى، ويعتقد بياتيغورسكي أن الماسونيين يعتبرون «الأحجار» للصورة الأولى للماسونية، وكانت مكونة من مجموعة من النبلاء والتجار الذين أقاموا محافل لأتباعهم، وكنتيجة لعمليات تعرف اليوم بـ«اختراع التقاليد»، فإن الماسونيين اخترعوا ولفقوا أمثولة وأمجادًا لهم، وأجدادًا ماسونيين يعودون إلى الملك سليمان، وأن نخبة من الماسونيين قد ظهروا منذ عهد سليمان- عليه السلام- وبنائه للمعبد، ومن أجل هذا فإن المحفل الماسوني يحتفل دائمًا في شكله وتركيبه بالمعبد الذي بناه سليمان عليه السلام في العصور القديمة.
ولأن هذه الأمجاد تشير إلى العلاقة بالملك النبي سليمان عليه السلام في المعتقدات الغربية فإنه منذ تلك الحادثة أقامت الماسونية علاقة مع الملكية عمومًا، إذ إن علاقتها مع الملكية البريطانية مثلًا تعود إلى القرن السابع عشر، وما زال «دوق كنت» راعيًا للماسونية في بريطانيا.
ونظرًا لعلاقة الماسونية بالملكية فإنها تنسب إليها غالبًا سواء كان ذلك حقيقة أم كذبًا كل الشخصيات البارزة في المجتمع، فحسب الموسوعة الماسونية التي صدرت باللغة العربية في الستينيات نسب إلى الماسونية عدد كبير من السياسيين العرب والشخصيات البارزة في العالم العربي وضمن هذا الإطار فقد كان الموسيقي موتسارت ماسونيًا، كما كان كاتب الروايات البوليسية أرثر کونان دويل ماسونيًا أيضًا.
ومن هنا يمكن فهم الماسونية على أنها مزاوجة بين الأساطير القديمة التي بنتها الحركة عن نفسها وبين الحرف التقليدية التي ارتبطت بأعضائها وهي بناء البنايات الباذخة ذات النمط القوطي في بريطانيا، وقد تطورت هذه المبادئ المزيج إلى ما صار يعرف في تاريخ الماسونية «التعليمات القديمة»، كما مر وتنزع معظم الدراسات عن الماسونية إلى الحديث عن منعطف ما في القرن السابع عشر، وهو المنعطف الذي طورت فيه الماسونية نوعًا من النوادي التي ارتبطت بالأشراف والنبلاء والتي صارت تعرف بالمحفل الأعظم.
ويعتقد أن أول محفل بني في بريطانيا يعود إلى عام ۱۷۱۷م وكان السكرتير الأول أو الكاتب الأول في البرلمان البريطاني ويليام كاوبري ماسونيًا، وفي عام ۱۷۲۳م نجحت الماسونية في جلب أول فرد من أفراد الملكية البريطانية، حينما صار فيردريك أمير ويلز أول راع ملكي لها، وهو ما قدم للحركة علاقات جيدة مع الملكية منذ ذلك اليوم وحتى الآن، حيث تعتبر الملكية راعية للماسونية البريطانية.
وحسب ستيفن نايت- مؤلف كتاب الأخوة- فإن عدد المحافل الماسونية في بريطانيا ارتفع في نهاية القرن الثامن عشر من ٣٢٠ محفلًا إلى ۹۰۰۳ محافل الآن منها أكثر من ٩٠٠ محفل خارج بريطانيا تابعة للماسونية يتركز معظمها في دول الكومنولث.
ويعتقد أن البرلمان البريطاني يضم محفلين على الأقل، واحد منهما هو محفل الترحيب الجديد الذي أنشئ في عام ١٩٢٩م من قبل أمير ويلز السابق إدوارد الثامن دوق ويندسور من أجل جذب النواب الجدد من حزب العمال، وذلك لاعتقاد المؤسسين أن هؤلاء تم استبعادهم من النظام الماسوني الموجود في مناطقهم الانتخابية، ويمكن أن يكونوا سببًا في إثارة العديد من المشكلات في البرلمان.
ويوجد في إسكتلندا محفل أعظم خاص بها مثلما يوجد محفل أعظم آخر خاص بإيرلندا في دبلن يقدم خدماته للأعضاء المنتشرين في إيرلندا في منطقتي الشمال والجنوب، وهناك محافل عظمى مستقلة في مختلف أنحاء العالم بينها ٥٠ محفلًا ذاتيًا في الولايات المتحدة، وأعداد أخرى في أوروبا.
ويعود انتشار الماسونية في الولايات المتحدة التي كانت بعض ولاياتها تابعة للتاج البريطاني إلى فترة متقدمة من القرن الثامن عشر، فقد تم تعميد الرئيس الأمريكي جورج واشنطن في الماسونية عام ١٧٥٢م، واليوم فإن ورقة النقد الأمريكية «الدولار» لا تظهر صورة الرئيس واشنطن فقط، وإنما تحمل العين التي ترى كل الأشياء والتي تعد شعار الماسونية.
وقد رفض جورج واشنطن أن يكون رئيس المحفل الأعظم للولايات المتحدة التي كانت متحدة حديثًا، ومن ثم كان لكل ولاية أمريكية محفلها الخاص، وأول محفل أعظم أنشئ في ولاية فرجينيا الأمريكية عام ١٧٥٣م، وقد تبع بعض الدول الطريقة البريطانية في نشر معتقدات الماسونية خارج البلاد فحسب نايت أنشأ بعض المحافل الأمريكية محافل لها في الصين قبل الحرب العالمية الثانية، كذلك نشرت المحافل الأمريكية المعتقدات الماسونية في كندا وأنشأت المحفل الكندي في عام ١٧٤٩م.
وقد بلغ عدد الماسونيين الذين وضعوا توقيعاتهم على ميثاق الاستقلال الأمريكي ثمانية بمن فيهم بنجامين فرانكلين، ومع أن نشاطات الفروع الماسونية خارج بريطانيا كانت عاملًا في نشر الحركة إلا أن المحفل الماسوني البريطاني كان الرائد الأول والناشط الأكبر في نشر تعاليم الحركة خارج بريطانيا، إذ تم تقديم الماسونية من خلال الدعاة الماسونيين البريطانيين والإيرلنديين والأسكتلنديين لأوروبا أو للأقاليم الأوروبية حسب تقسيمات الماسونية.
وكانت الماسونية في بداية دعوتها تتركز في الأوروبيين مع عدد قليل من الأمراء الهنود، ولكن بعد عام ١٨٦٠م فإن الماسونية تحركت في نشر معتقداتها بين الأعراق الأخرى، ففي مناطق جزر الهند الغربية «أمريكا الوسطى»، وشرق إفريقيا كانت هناك «محافل بيضاء» وأخرى «سوداء»، وتم استحداث الأمر نفسه في الولايات المتحدة، حيث اتحدت المحافل السوداء الأمريكية مع البيضاء بشكل تدريجي فيما بعد، ولأن الماسونية تعتقد أنها مرتبطة بالمؤسسة الحاكمة حسب الأسطورة التي نشأت منها، فإن تصرفاتها وعلاقتها بأفرادها تتباين من مكان إلى آخر، وتختلف من واقع زمني إلى غيره.
ففي القرن الثامن عشر لم تكن الماسونية منتشرة بشكل كبير على الأرض، إلا أن علاقتها مع الطبقة الأرستقراطية ورجال المجتمع والشخصيات البارزة أكدت وجودها، وساعدت علاقتها مع المؤسسات الحاكمة على استبعادها من الكثير من التشريعات والقوانين منذ عام ١٧٩٧م لا سيما فيما يتعلق بإنشاء الجمعيات السرية وتقديم قسم ولاء يختلف عن قسم الولاء الذي يقدمه المواطن العادي لوطنه وحكومته.
ومن هنا يفهم عدم انتشار الحركة الماسونية في أوساط الطبقات المتوسطة، ولكن تغيرات الحياة العامة في المجتمعات الصناعية عززت من موقف الماسونية التي بدأت تكبر مثل كرة الثلج، حيث أخذت تخاطب فئات جديدة أفرزتها الحركة الصناعية والحراك الاجتماعي، حيث تمددت الحركة، وتتركز الفئات التي تستهدفها الحركة الماسونية في مجال رجال الأعمال والمهن وأصحاب القرار السياسي وتضم في حيثياتها مدرسين ومحامين وقضاة ورجال دولة.
وباختصار تخاطب الحركة الماسونية كل الشخصيات ذات القدرة على اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية والشخصيات القيادية في مجتمعها، وتوجد الحركة الماسونية في الجيش، حيث ذكر نايت عددًا من الشخصيات العسكرية البريطانية التي كانت على علاقة مع الماسونية، وبالذات الجنرال السير رالف هون الذي عمل في أكثر من مكان كقانوني ومحام في أوغندا والشرق الأوسط وماليزيا وغيرها، وكانت رتبته الرسمية في المحفل الماسوني تعدل رتبة الراعي الملكي أو تزيد عليها.
أما عن علاقة الماسونية بالشرطة البريطانية أو سكوتلانديارد فتعود إلى القرن التاسع عشر، حيث بدأ النقاش حول الوجود الماسوني- كما يرى نایت- في عام ۱۸۷۷م حينما كان يوجد عدد من الماسونيين في دائرة المحققين التابعة لسكوتلانديارد التي أنشئت عام ١٨٤٢م.
ويعتقد نايت أن علاقة الماسونيين بالفساد في دوائر الشرطة تعود إلى عام ۱۸۷۲م، واستمرت حتى الآن مع فضيحة أخرى ظهرت عام ۱۹۷۷م، حينما أُلقي القبض على أحد الضباط الكبار في المؤسسة يدعى مودي في ذلك العام بتهم الفساد، ويعتبر النظام المصرفي أحد المراكز القوية التي تتواجد فيها الماسونية، وحسب التحقيقات التي أجراها نايت فقد أظهر أن عملية الترفيع في النظام المصرفي تعتمد على كون المرفع عضوا أ في الماسونية أو لا.
كذلك تتواجد الحركة الماسونية في قطاع الصناعة، ولا سيما في مجال صناعة الصلب والفحم، وفي الخطوط الحديدية البريطانية، وفي البريد، وفي مجال الطاقة الكهربائية، وحتى عمال الطوارئ والإطفاء لهم تمثيل جيد في الماسونية- كما يعتقد نايت- الذي يقول: إن التأثير الماسوني متواجد في قطاع الصناعة والأعمال، ويشمل هذا التأثير عمليات التعيين في المراكز والعقود التجارية والصناعية وعمليات الترفيع.
كما يعتبر التأثير الماسوني في مجال القضاء واضحًا جدًا، واستنادًا إلى مارتن شورت مؤلف كتاب في داخل الأخوة يشير الكاتب في دراسته عام ۱۹۸۸م إلى ۱۸ دائرة قضائية مختلفة التخصصات يمارس فيها الماسونيون حضورهم.
وحسب تقرير نشر في العام الماضي من قبل اللجنة المختارة للشؤون الداخلية في مجلس العموم البريطاني، فإن ثمة تواجدًا ماسونيًا في عدد من دوائر القضاء، وأشارت الدراسة إلى وجود عضو ماسوني بين ۳۹ قاض من قضاة محكمة الاستئناف، وماسوني واحد بين ٩٦ قاضيًا في المحاكم العليا، وله في دوائر القضاء في أوكسفورد وميدلاند و٦١ من ٦٤ في دوائر القضاء في منطقة شمال- شرق، ويعتقد شورت أن وجود هذه الأعداد له أثر كبير وصدمة خطيرة.
وكانت اللجنة المختارة للشؤون الداخلية السابقة قد أشارت في تقريرها إلى القسم الذي اعتبره شورت دليلًا على التبادل المصلحي والمنفعي بين الأعضاء الماسونيين والذي يقدم صورة عن خدمة أهداف الأخ العضو وحماية مصالحه وأغراضه، وفي هذا تعارض مع الولاء للدولة أو النظام القضائي والعدالة.
ولكن اللجنة البريطانية قالت إنه لا تعارض بين القسم الذي يقسمه العضو في الماسونية وذاك الذي يقسمه حينما يعين في مجال القضاء أو الشرطة، ولكنها أوصت بضرورة ذكر عضوية الشخص المعين في مجال من هذه المجالات بالماسونية لرفع الشك واللبس عنه.
وعادة ما توجه الحركة الماسونية دعوتها للرجال الذين يبلغون عمرًا متقدمًا أو في منتصف عمرهم، وتعتبر أدبيات الماسونية نفسها الحركة منظمة مفتوحة لكل الرجال من كل الأديان، ومع أن المرأة الماسونية الحرة موجودة، إلا أنها تعتبر جزءًا من قانون المحفل الأعظم الموحد ودستوره في لندن.
ويعتقد المحفل الموحد أن عضويته لا تنحصر في أعضاء البرلمان، ولكنه يضم أي شخص، ومثل النوادي الخاصة فإن المرشحين يمكن ترشيحهم أو اقتراح أسمائهم من قبل الأعضاء السابقين في المحفل الذين يزكون الأعضاء الجدد، وتتم مقابلتهم فيما بعد من قبل المسؤولين في المحفل.
ولعل الإشكالية الأخرى المطروحة دائمًا عن الماسونية هي إطارها الديني، ففي الوقت الذي تدعي أن إطارها يقوم على النصرانية ظاهريًا إلا أن أدبياتها تظهرها كخليط متأثر بعدد من الاعتقادات، وقد أثار كتاب الظلام الواضح الذي نشره والتون هانا عام ١٩٥٢م عاصفة من الجدل حيث حاول الكاتب هانا الإجابة عن السؤال الذي يتعلق بكون الماسونية دينًا خاصًا أم أنها معتقد قائم على النصرانية، وقد توصل الكاتب في كتابه إلى أنه لا علاقة بين الطرفين.
وقد حاول أحد القساوسة الماسونيين الرد على الكتاب السابق بكتاب آخر تحت عنوان النور الواضح وحاول رد تهمة التعارض بين الماسونية والنصرانية، وأثار هذا الموقف والجدل مزيدًا من شكوك العديد من الطوائف النصرانية البريطانية إذ بقيت هذه الطوائف تنظر إلى الماسونية القائمة على أنها نظام قديم طور مزيجه من الطقوس غير العادية والاعتقادات الطريفة التي كانت سببًا في إحداث جدل كبير في صفوف المؤسسة الدينية.
فقد اعتبرت كنيسة الروم الكاثوليك الماسونية مذهبًا «وثنيًا»، ومنعت أفراد طائفتها من الانضمام إليها، وهددتهم بالحرمان الديني في عام ۱۷۳۸م وجاء اعتراض الكاثوليكية الرومية على الماسونية من موقفها المعارض لمفهوم الماسونية الذي يعتقد أنه قادر على جمع الناس ضمن إطار واحد من خلال المفاهيم العامة للأديان المختلفة، ذلك أن الماسونية تعتمد في حفلات قبول الأعضاء عددًا من الصيغ مثل «يهوه»، و«الله»، و«التثليث المسيحي»، كما أن الكنيسة الإنجليزية وطائفة الميثوديست- عبرتا في الأعوام القليلة الماضية عن اهتمامات وتحفظات إزاء الماسونيين، وجاءت هذه التحفظات لعدم استخدام الماسونية اسم السيد المسيح في صلواتها وطقوسها.
ويؤمن أتباع الماسونية بما يسمى بالقيم الخلقية والروحية القائمة على الحب الأخوي تجاه الآخرين من الأعضاء، وتقدم هذه القيم للأعضاء الجدد من خلال ما تطلق عليه الماسونية الألعاب الأخلاقية، التي يتم تمثيلها من خلال الأزياء التقليدية القديمة وأدوات البنائين القدماء، وما يطلق عليه «أسرار الحرفة»، وهي تفاصيل الطقوس مع الرموز والإشارات التي يستخدمها الماسونيون للترحيب ببعضهم البعض، ومع أن المنظمات القديمة أنشئت من أجل خدمة الدين والمجتمع إلا أن الماسونيين لم ينشؤوا من أجل هدف كهذا.
وقد رفض السيد الأعظم للمحفل الماسوني الموحد البريطاني مايكل هيغام توضيح الرموز والإشارات الخاصة بالماسونيين أمام اللجنة المختارة في مجلس العموم للشؤون الداخلية أخيرًا، وأكد أن هذه الإشارات تستخدم في احتفالات وتجمعات رسمية.
وقال هيغام إن الماسوني لا يستطيع التعرف على أخيه الماسوني في الفضاء العام وبدلًا من ذلك فإن الاجتماعات الماسونية تضم عمل «المحفل الرسمي»، الذي يستمر ساعة ونصفًا ويتبعها عشاء تعارفي، ويتم تحضير الأعضاء الثلاثة طقوس تتعلق بمستوى الأعضاء الجدد وتضم العضو الجديد وصديق الحرفة، والسيد الماسوني.
ويعتقد الماسونيون أن الطقوس الغريبة التي يمر بها العضو لا تهدف إلى إهانة أي مرشح ولكنها من أجل تأكيد مبدأ التواضع والالتزام من قبل العضو قبل تقديمه إلى القسم والعهد على الطاعة والسرية والإخلاص، فكل عضو جديد مطلوب منه قبل أن يقدم القسم المذكور المرور بمجموعة من الطقوس الغريبة، إذ عليه أن يقدم نفسه خارج الأبواب المغلقة للمحفل مرتديًا فردة حذاء في قدم وخفًا في القدم الأخرى، رافعًا طرقي بنطاله في رجل ومبقيًا الطرف الآخر على حاله ولابسًا قميصًا له أكمام ومظهرًا جزءا من صدره ويغطي عينيه، وقبل دخول الأبواب التي فتحت له فإن حارس المحفل يلمسه بطرف معول (سيف مستقيم مستدق) ويضغطه بشكل خفيف على قلب العضو الجديد قبل أن يقدم قسمه للسيد الأعظم.
ويقسم العضو الجديد الذي يلقب به الهاوي على أنه إذا خرق القسم أو انتهكه فسيعتبر فردًا أقسم يمينًا كاذبة، ويمنع والحالة هذه من دخول المحفل أو مجتمع الرجال الذين شرفوا كلامهم وحافظوا على قسمهم.
ويعتقد بعض النقاد من أمثال الباحث مارتن شورت أن هذا القسم يدعو إلى المنفعة المتبادلة والمصلحية والتحيز، ويقول شورت في كتابه «في داخل الأخوة» أن هناك نقاطًا خمسًا يجب على سيد المحفل التشديد عليها ويؤكدها للمتقدم لعضوية المحفل، وهي «باليد في اليد أرحب بك أيها الأخ، قدم القدم أدعمك في كل شؤونك، وركبة لركبة تواضع يذكرني باحتياجاتك، صدر الصدر أسرارك المشروعة التي أمنتني عليها سأحتفظ بها مثل أسراري، واليد فوق الظهر سأحفظ شخصيتك في غيابك كما في حضورك».
وعادة ما يقدم القسم تقليديًا على دم متخثر من خلال مجموعة من التهديدات بالعقوبة مثل التهديد بقطع الحنجرة أو قص اللسان، ورمي الأحشاء للطيور الجارحة.
ومع أن الحركة الماسونية تقدم عددًا من الغطاءات الخيرية لأعمالها حيث تدعى كل عام جمع أكثر من ١٣ مليون جنيه إسترليني لصالح الأعمال الخيرية، إلا أن تأثيرها ملاحظ في الحياة العامة لاسيما في مجالي القضاء والشرطة وفي عدد من القطاعات التي تستخدم فيها الماسونية شبكاتها للتأثير على صناع القرار، ولأن الحركة تعتمد على السرية في العضوية وتقدم غطاء لتحركاتها فإن كل فصل من فصولها وكل حادث يتعلق بها يجعل الحركة عرضة للفحص والتدقيق، ويقدم صورة عن الأثر الذي تقوم به في المجتمع، ولكن أي بحث في الماسونية يتطلب دراسات أعمق، وكل بحث يكتب عن الحركة يدعي أنه بدأ فقط رحلة كشف أسرار الماسونية- الحركة التي تؤكد الأسرار مع ادعائها أنها حركة غير سرية.
▪ الصهيونية والماسونية.. علاقة وطيدة
العلاقة بين الصهيونية والماسونية علاقة وطيدة تمتد جذورها إلى نشأة الماسونية، فقد لعب اليهود دورًا رئيسيًا في تأسيسها والسيطرة على أنشطتها، وتطويعها لأهدافهم الشريرة على مر التاريخ، وصار من الصعوبة البالغة عند ذكر الماسونية تناسي الصهيونية، فهما صنوان ووجهان لعملة واحدة.
وتاريخ المحافل الماسونية وأنشطتها المتشعبة في العالم أجمع يكشف كيف استخدم اليهود الصهيونية هذه المحافل كرأس حربة ضد المجتمعات، وبخاصة الإسلامية، وهو ما تنبه إليه العديد من الدول فحظرت هذه المحافل ومنعتها من مزاولة أنشطتها، لكنها- أي الماسونية- ما لبثت أن تلونت كالحرباء، وبرزت داخل هذه المجتمعات -التي تحظرها- في أثواب أخرى وبأسماء مغايرة أكثر جاذبية في شعاراتها الإنسانية وخدماتها الاجتماعية، مخفية تحت ذلك كله مخططاتها الهدامة التي تنفذها بهدوء، نافثة سمومها القاتلة، وهو الأمر الذي يستوجب العمل الدائم على مواجهتها في أي شكل تظهر به وبأي لون تتعامل فيه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل