; الماسوني «مون» يتحول إلى قضية سياسية في اليمن! | مجلة المجتمع

العنوان الماسوني «مون» يتحول إلى قضية سياسية في اليمن!

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 63

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

لا تزال قضية افتتاح فرع لجمعية الماسوني الكوري «مون» تتفاعل في الأوساط الشعبية والسياسية في اليمن، فيما يبدو ان هناك محاولات لإضفاء طابع سياسي على القضية وتحويلها إلى مواجهة سياسية بين الأحزاب اليمنية، وكانت صحيفة إسلامية قد نشرت في نوفمبر الماضي تقارير عن افتتاح فرع لجمعية جديدة أسسها «مون» في أغسطس الماضي تحت مسمى «اتحاد العائلة للسلام العالمي»، وتضمنت الأدبيات التي تم توزيعها قدحًا في الأنبياء ودعوة علنية للتنصير والإيمان بالمسيح المخلص، وقد أثارت عملية النشر ضجة واسعة في المجتمع اليمني، ولا سيما بعد أن تناولها خطباء المساجد بقوة.. كما تمت إثارتها في مجلس الوزراء ومجلس النواب بواسطة الأعضاء الإسلاميين الذين ضغطوا باتجاه فتح تحقيق قانوني فيما حدث!..

وقصة «مون» في اليمن قد تعود إلى سنوات مضت، فقد أقام مون علاقات متميزة مع مفتي اليمن الرسمي، والذي كان يشارك دوريًا في الاحتفالات الضخمة التي يقيمها «مون» في عدد من البلدان.. كما أن «ألمانيا» يعمل في اليمن منذ حوالي ١٥ سنة يعد من رجال مون الذين أسهموا في إقامة علاقات بين الجمعية المشبوهة وشخصيات يمنية معروفة!، ونظمت الجمعية رحلة جماعية الأربعين شخصية- من بينهم المفتي- إلى نيويورك عام ۱۹۹۱م لحضور ندوة فكرية، طرحت فيها كل الأفكار والآراء المعروفة عن «مون»! وكان يمكن للأمر أن يمر بهدوء في تلك الأيام التي شهدت فيها اليمن أكثر من أزمة سياسية واقتصادية، لكن شريط فيديو يصور الرحلة تسرب إلى أيدي المواطنين، وفيه ظهر عدد من الشخصيات المعروفة وهم يكيلون المدائح للبابا «مون»! وأفكاره وتطرف البعض وطالب بافتتاح فرع في صنعاء!!.

وقد أثار انتشار الشريط- آنذاك- ضجة كبيرة، ولا سيما أن غالبية المشاركين في الرحلة ينتمون إلى حزب «الحق» ذي الميول الشيعية، كما أن كلمات الإطراء والمديح صدرت عن شخصيات لها مكانتها ضمن إطار المرجعية التي تنتسب للمذهب الزيدي الهادوي في اليمن.

النساء والعائلة!:

كان للتتابع المتسارع للأحداث في اليمن دوره في نسيان الأمر، لكن الأحداث الأخيرة كشفت أن جمعية «مون» سارعت للاستجابة للنداء الداعي إلى فتح فرع لها في اليمن، حيث تقدمت إحدى المنظمات التابعة للجمعية بطلب الممارسة العمل الإنساني المساعدة اليمنيين في المجالات الصحية والتعليمية وشؤون المرأة تحت مسمى «اتحاد النساء للسلام العالمي»، وتم السماح للمنظمة بالعمل عبر اتفاقية رسمية حظرت عليها ممارسة أي عمل له أبعاد سياسية أو دينية!، وطوال عامين ونصف ظلت المنظمة المذكورة تمارس نشاطها «الإنساني» دون أن تثير انتباه أحد، ملتزمة بروح اتفاقية السماح لها بالعمل داخل اليمن.

وفي السادس من نوفمبر الماضي تم في فندق «دار الحمد»- الذي كان أحد قصور الأئمة- تدشين فرع المنظمة جديدة باسم «اتحاد العائلة للسلام العالمي» في احتفال دعي إليه مجموعات مختارة من النساء اليمنيات العاملات في المجال الاجتماعي والسياسي.. وقد تبنت منظمة «اتحاد النساء» حفل الغداء واحتفال التدشين ووجهت الدعوات باسمها!.

 وعلى غير طريقة المنظمة في التعامل بحذر.. تم في الاحتفال توزيع نشرة إيضاحية تضم عددًا من الخطب والمقالات للبابا «مون» وكبار رجال جمعيته... وتضمنت مجمل أفكارهم الخطيئة التي تعاني منها البشرية وتسببت في نشر الانحلال الجنسي في الأرض نتيجة «جريمة الزنا» التي حدثت في الجنة- في بدء الخليقة- بين إبليس وحواء ثم بين حواء وأدم! ثم تناقلت البشرية خطيئة ما حدث وحمل الناس كلهم بذور الشر، لأنهم مخلوقون بفعل جريمة الزنا بين آدم وحواء! وورثوا دماء فاسدة من أبويهما اللذين كانا مثالًا للحب الفاسد والحياة الفاسدة وأورثا ذريتهما دمًا فاسدًا!!.

وبالطبع، فقد آثار نشر حقائق ما جرى ضجة عنيفة في اليمن! وتحركت الأجهزة الرسمية للتحقيق في الأمر، وتأكد لها أن ما حدث كان بغير أي مشروعية قانونية، وأن منظمة «اتحاد النساء» هي المسؤولة عما جرى!.

وفي ذروة المواقف المضادة لتأسيس جمعية «مون»، شكل مجلس النواب اليمني لجنة خاصة للتحقيق في الحقائق حول ما نشر عن الجمعية... كما كلف مجلس الوزراء الجهات الأمنية بالبحث والتقصي وتقديم تقرير عن الأنشطة غير المشروعة في البلاد.. وتضمن التصريح الصحفي للحكومة موقفًا رافضًا لأي نشاط مشبوه ومؤكدًا أن ما حدث كان دون علم الجهات الرسمية ودون أي مشروعية قانونية، وفي مقابل مواقف الرفض الشعبية والرسمية تجاه تأسيس فرع النشاط «مون» المشبوه... فقد ظهرت مواقف- علنية وسرية- حاولت إعطاء القضية بعدًا سياسيًا ليس ببعيد عن أجواء المكايدات والخلافات السياسية التي يشهدها الشارع السياسي اليمني بخصوص الانتخابات النيابية القادمة.

وكان الموقف الغريب الأول، هو لقطة صحفية قصيرة للصحيفة الناطقة باسم حزب المؤتمر الشعبي العام، وتضمنت إشارة نقد حادة ضد الذين أثاروا قضية جمعية «مون»، وبالطبع فإن المقصود بالإشارة هو التجمع اليمني للإصلاح والصحيفة الناطقة التي تولت قيادة الحملة الصحفية ضد إنشاء المنظمة المشبوهة!! لكن الأكثر غرابة هو اتهام الصحيفة للإسلاميين بأنهم وراء موضوع افتتاح فرع منظمة مون وهم الذين أحضروا إلى اليمن.

وفي السياق نفسه تم توزيع منشور سري ضد تجمع «الإصلاح» ورموزه يحمل اتهامات لهم بأنهم أثاروا قضية «مون» لدواع وأهداف سياسية والإساءة إلى بعض الرموز الدينية المعروفة في اليمن!، ويبدو أن المنشور السري صدر عن جهة على علاقة بأسماء علمية معروفة في اليمن على علاقة بجمعية «مون» ونشاطها منذ سنوات طويلة، وقد استاءت تلك الجهات من ورود أسمائها عرضا عند الحديث عن جمعية «مون»، الأمر الذي جعلها تظن أنها مستهدفة أيضًا ولذلك استنفرت كل قواتها التفجير معركة سياسية وصحفية من باب أن خير وسيلة للدفاع الهجوم.

وهناك رأي آخر في تفسير هذه المواقف الغريبة، وهو أن اليمن كانت تشهد توجها سياسيًا لتقوية التيار المنسوب تاريخيًا للزيدية الهادوية ليواجه تيار الإصلاح الإسلامي؛ وبحيث ينشأ صراع جديد في اليمن بين طرفين يرفعان لافتات دينية! ومثل هذا التوجه يبدو أنه أصيب بضربة إجهاضية مبكرة لكون جمعية «مون» الماسونية على علاقة قديمة بقيادات التيار الأول، وظهرت قياداته في الشريط المذكور سلفًا وهي تمتدح «مون» وأفكاره وتعدها البديل للتعصب الموجود في الديانات الثلاث المشهورة، بل وتدعوه لفتح فرع للجمعية في اليمن.

 وهكذا، وفيما تواصل لجان رسمية ونيابية التحقيق في ملابسات ما حدث، فإن الحادث نفسه فجر مماحكات سياسية يخشى أن تلقي بآثارها السلبية على محاولات التصدي لتيار «مون» الموجود في اليمن تحت لافتات المساعدة الإنسانية! لكن هناك آمال كبيرة في أن تكون القرارات المتوقعة قوية وحاسمة في منع نشاط المنظمات المشبوهة...وخاصة أن الوسط الشعبي صار معبأ ضد الجمعية، ونجحت التحركات الشعبية في دفع الجهات المعنية إلى تشكيل لجان تقصي الحقائق!.

 وباستثناء ما ذكرناه من تعليقات سريعة ومنشورات سرية، وتصريحات رسمية محدودة، فلا تزال الصحافة غير الإسلامية، وهي تشكل معظم الإصدارات الصحفية معرضة عن تناول القضية أو الإشارة إليها.. وهو أمر مثير للاستغراب من صحافة تحرص- عادة- على نشر كل شيء مهما بلغت تفاهته!.

 

الرابط المختصر :