; المال الطائفي.. والجوائز الأدبية (1 من 1) | مجلة المجتمع

العنوان المال الطائفي.. والجوائز الأدبية (1 من 1)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1956

نشر في الصفحة 56

السبت 11-يونيو-2011

● تجعل من يسعون للحصول عليها أداة طيعة في يد صاحب الجائزة

● يتغاضون عما يمارسه من فكر تعصبي ضد المسلمين وخدمة للمؤسسة الاستعمارية الصليبية

في سياق سيطرة المال الطائفي الذي يخدم التعصب، وإذلال الأغلبية المسلمة الساحقة في مصر، وحرمانها من التعبير عن دينها وعقيدتها، وفرض شروطه على دستورها وقوانينها وتعليمها وإعلامها وثقافتها ، يأتي الاتجاه إلى تخصيص جوائز أدبية تمنح من المال الطائفي المتعصب للفائزين الذين تقرر لجنة الفحص أن أعمالهم تستحق الجوائز على تعدد مستوياتها.

وبالتأكيد، فالجوائز الطائفية لم ولن تمنح لأعمال تتبنى التصور الإنساني الإسلامي، ولكنها تمنح للأعمال التي تتبنى أي تصور مختلف، وخاصة إذا كان يتبنى التصور الطائفي المتمرد الذي يرى نفسه صاحب مصر، وأنه مضطهد، وأنه يعاني من التعصب الإسلامي.. وقد يحظى هذا النوع الذي يتبنى التصور الطائفي المتمرد بالمستوى الأعلى من الجوائز وبلا ريب فإن الحصول على جوائز المال الطائفي المتعصب ستجعل من يحصلون عليها أو يسعون إلى الحصول عليها أداة طيعة في يد صاحب الجائزة، أو على الأقل يتغاضون عما يمارسه من فكر تعصبي، أو ممارسات تعصبية ضد دينهم الإسلامي أو ضد المسلمين أو خدمة للمؤسسة الاستعمارية الصليبية، وسأقدم نموذجا فاز بالجائزة الكبرى التي يقدمها الملياردير الطائفي المتعصب، ويتدفق على الاشتراك فيها أعداد غفيرة من الأدباء وغيرهم.

●  الرواية النموذج

رواية طبعت في الفترة الماضية القريبة بدار نشر عربية مقرها بيروت ولندن تشرف عليها سيدة مارونية شديدة التعصب ومعظم ما تنشره من مطبوعات يصب في تشويه الإسلام أو معاداته، والرواية لكاتب يتردد اسمه في المجال الثقافي الحكومي ولست معنيا بذكر اسمه ولا اسم روايته ولا اسم دار النشر، ولكن الذي يعنيني الفكرة والموضوع والفن.. ولن أتحدث هنا من منظور نقدي أدبي صرف، فهذا له مجال آخر، ولكني سأقدم نصوصا مقتبسة من الرواية تكشف عن توظيف الأدب لخدمة الأيديولوجيا .

بإيجاز، تتناول الرواية قصة شخص مسيحي تعرض لاضطهاد في عمله بسبب عقيدته، وفي الشركة التي يعمل بها ويملكها مسيحي آخر ، قام زملاؤه بتهديده بصور مختلفة، ولم يجد مفرا من الهروب من أسيوط ومعه زوجه وابنه إلى القاهرة ومنها استطاع الهجرة بمفرده إلى دولة كبري، ومنها كان يرسل إلى زوجه وابنه مبلغاً شهرياً من المال ليعيشا منه، ولأنه هاجر في ظروف غامضة ولم يفصح عن مكانه أو عنوانه في الدولة التي هاجر إليها، فإنه جعل فنانة معتزلة تحجبت ذات جذور صعيدية واسطة بينه وبين زوجه وابنه في توصيل المبلغ الشهري. من خلال السياق الروائي نتعرف على السيرة الذاتية لشخصيات الرواية كل شخصية تحكي الأحداث من وجهة نظرها على غرار الطريقة السردية التي قدمها نجيب محفوظ في روايته الشهيرة ثرثرة على النيل، وسايره في هذه الطريقة عدد من الروائيين فيما بعد.

● الصورة الكاملة

يفترض فنيا أن يقدم الكاتب نماذج تقدم الفكرة من جميع الجهات، بحيث تكون الصورة كاملة أو شبه متكاملة .. ولكن الأمر هنا في هذه الرواية مختلف، فمعظم الشخصيات تتبنى النظرة الطائفية أو الرافضة للإسلام، أو تراه في صورة غير حقيقية لا تتفق وطبيعة الإسلام الحقيقية التي يعرفها العلماء والمتخصصون، والصورة الروائية تمثل الفهم المنقوص، أو التدين المغشوش، أو الدعاية الرخيصة التي تشهر بالإسلام والمسلمين، بينما القارئ للرواية لا يستطيع أن يمنع نفسه من التعاطف مع الطائفة المقهورة المضطهدة من المسلمين القساة الغلاظ الذين لا يراعون ذمة ولا يحترمون إنسانية !! نختار فيما يلي من سطور، بعض المقتبسات من الرواية لنرى رؤيتها لما حولها وللإسلام والمسلمين مع تعليقات سريعة وخاطفة، تهدف في النهاية إلى بيان كيف يعمل المال الطائفي في الترويج للكتابات التي تخدم هدفه الطائفي المتمرد. وتروج للكتاب الذين يتبنون هذا الهدف بالتبعية. يقول «ماجد» الشخصية الأولى في الرواية وهو طالب مسيحي في كلية الهندسة جامعة القاهرة، وكان يذهب إلى الفنانة المعتزلة مهرة لاستلام المبلغ الشهري الذي يعيش عليه مع والدته بعد أن هاجر والده إلى الخارج توقف أمامي أول أتوبيس كانت اللافتة المعلقة على جانبه بجوار رقمه وبيان الأماكن التي يذهب إليها، تجرح العين: الإسلام هو الحل، كل الأتوبيسات مغطاة بهذا الكلام مكتوب على شكل إعلان، قد تتغير الألوان، وشكل الخط ولكن الجملة واحدة، لا أعرف من المعلن من الذي يدفع قيمة الإعلان؟ جهة؟ مصلحة؟ إنسان؟ حتى تصبح كل الأتوبيسات مغطاة بهذا الكلام؟ أي إسلام؟ وأي حل؟ (ص٨-٩)

●  شعار يجرح العين

هل هذا ممكن أو معقول كل الأتوبيسات تحمل الشعار الذي يجرح العين الإسلام هو الحل؟ ولماذا يجرح العين يا ماجد ؟ أليس تطبيق الإسلام العدل والإحسان وإيتاء ذي القربي والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ضمانة للمسلم أو غير المسلم كي يعيش في أمان ومساواة؟ ويقول «ماجد» نظرت حولي ذقون ولحي أينما أدرت وجهي جلابيب بيضاء بدلا من البدلات التي كانت أنيقة في زمن مضى وانقضى ولم يعد له وجود ... (ص (۹)

وما الذي يضيرك يا «ماجد» من اللحي والذقون والجلابيب البيضاء؟ وهل حقا صارت الدنيا هكذا ؟ إنك تكذب يا «ماجد» لتشوه صورة الواقع بما يخدم فكرتك التي تكرس اضطهاد المسلمين للنصارى ويقول «ماجد» عن النقاب والنقاب يحوّل المرأة إلى خيمة من السواد ذيل الخيمة يجرجر على الأرض وراء المنقبة فيثير الغبار في الصيف ويحرك أوراق الشجر الجافة والذابلة على الأرض في الخريف، أما في الشتاء فيختلط بالوحل وطين البرك الذي تركته الأمطار، لا أحب أن أربط بين الربيع والخيام السوداء، إنها ضد فكرة الربيع أصلا» (ص (۹).

لو أنك يا «ماجد» رأيت الصعيد أيام ولد أبوك لرأيت النساء قبل أن يعلم الناس بأمر الجماعات الإسلامية يلبسن «الملس» أو «الكرك» وهو قماش أسود فيه كرمشات تتغطى به المرأة عند خروجها من قمة الرأس إلى القدمين، وتترك المرأة منه فتحة ضيقة عند العينين لترى به الطريق وكلما كان الملس كبيرا ومتعدد الطبقات دل على مستوى المرأة الاجتماعي، وفي حينه لم يتكلم أحد مستنكرا أو مستهجنا هذا اللباس، ما الذي يزعج بعض الناس اليوم من النقاب؟

يقول ماجد عبود، عن اسمه ماجد عبود، لم أنطق الاسم ثلاثيا : لأن ذلك يحدد كثيرا من الدلالات لمن يستمعون إليه، الاسم الثنائي حيادي ويمكن أن يطلق على أي إنسان..» (ص ۲۳)

يعلم «ماجد» أن النصارى يتخذون الآن أسماء إنجيلية بدلا من الأسماء المصرية التي كانت شائعة، وحجتهم في ذلك إثبات الولاء لوطنهم الذي احتله المسلمون العرب البدو الغزاة. ويتوهم أن ذكر اسمه ثنائياً دون أن يشير إلى هويته الدينية، سيحميه من أذى المسلمين وتعصبهم واضطهادهم الظالم هل يضطهد المسلمون «ساويرس» يا «ماجد»، أم جعلوه مليارديرا، وأتاحوا له فرصة الزحف ليتولى ترتيبا متقدما بين مليارديرات العالم؟!

يتحدث «ماجد» عن لحم الخنزير الذي لم يذقه منذ فترة طويلة مع بقية اللحوم بسبب الفقر:

قالت أمي: إن بعض فقراء المسلمين يشترونه لرخص ثمنه، بعد ارتفاع أسعار اللحوم الأخرى برغم أن قرآنهم يحرمه تحريما صريحا » (ص (٢٥).

ويقول «ماجد» وهو عند العمارة التي تسكن فيها الفنانة المعتزلة ألقيت على «المجذوب الحارس: سعيدة يا شيخ رد علي متضاحكا: سعيدة عليكم ورحمة الله وبركاته يا مقدس يا صغير (ص (۳۸).

أليس هذا اعترافا بتسامح الشعب المصري يا «ماجد»؟ «المجذوب» يرد بمزاح حميم لا غضاضة فيه، ولا أثر لادعاءات المتمردين الطائفيين التي يرددونها عن الاضطهاد والتعصب.

(*) أستاذ الأدب والنقد

الرابط المختصر :