العنوان المبادرة الرومانية سمسرة بغير عمولة
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 785
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
لا تزال رومانيا منذ استلام نيقولاي شاوشيسكو سدة الرئاسة فيها منذ
أوائل السبعينيات تمارس دور الوسيط في محاولات تسوية ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط عن
طريق المفاوضات السلمية.
وفي الآونة الأخيرة أصبحت بوخارست محطة سياسية مهمة لدي كثير من
المسؤولين العرب والأجانب كان من أبرزهم ياسر عرفات الذي زارها هذا العام مرتين، ومن
المتوقع أن يزورها قبل نهاية العام كل من حسني مبارك وحافظ أسد وربما رئيس وزراء العدو
شيمون بيريز.
وفي الأسبوع الماضي التقى الرئيسُ الروماني خليلَ الوزير «أبو جهاد»
وأجرى معه محادثات اقترن الحديث عنها بما سمي بمبادرة رومانية جديدة تدعو لعقد مؤتمر
دولي بشأن الشرق الأوسط تحت رعاية الأمم المتحدة. والجدير بالذكر أن جهود شاوشيسكو
السابقة كانت تسمى «وساطة» فما هو الجديد في الدور الروماني؟ ولماذا يقوم بهذا الدور؟
- البحث عن مخرج!
زار ياسر عرفات بوخارست بمناسبة الاحتفالات التي أقيمت يوم ٢٣ أغسطس وأجرى محادثات
مكثفة مع شاوشيسكو أشار لفحواها رئيس البعثة الدبلوماسية لمنظمة التحرير في رومانيا
عزت أبو الرب عندما أوضح أن زيارة عرفات تمت «لبحث كيفية إيجاد مخرج وصيغ للوصول إلى
عقد المؤتمر الدولي.. فالسوفييت موافقون على المؤتمر وموقفهم إيجابي ومعروف، كما أن
الأميركيين لا يرفضون الصيغة تلك ويوافقون على مؤتمر دولي مشروط ولذا فالبحث يجري عن
مخرج من خلال صيغ معينة!».
وقد نسبت الوطن (18/9/86) لمصادر دبلوماسية أن شاوشيسكو بعث برسائل
إلى حكومات كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة والأردن والكيان الصهيوني تضمنت
فحوى المحادثات التي أجراها مع ياسر عرفات.
وأضافت المصادر إن شاوشيسكو قال إن عرفات أعرب عن استعداده -في حالة
تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر الدولي باشتراك المنظمة- أن يعقد سلسلة من الاجتماعات مع
الوفد الإسرائيلي المشارك بصورة مباشرة لإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية!».
وبغض النظر عن مدى صحة أو دقة ما قالته هذه المصادر، إلا أنه يلقي
ضوءًا على ما أسمته بعض المصادر الإعلامية مبادرة رومانية جديدة والتي تتلخص في محاولة
إيجاد مخرج من خلال صيغ معينة لتتوافق مع الشروط الأميركية والصهيونية لعقد المؤتمر
الدولي!
أي إن الدور الجديد ليس مبادرة وإنما استمرارًا لدور الوساطة الذي
تلعبه رومانيا بشأن أزمة الشرق الأوسط.
وهذا الدور بدأ يتشكل في ألمانيا منذ تعثر المحادثات الأردنية الفلسطينية
في فبراير الماضي وفي شهر يونيو الماضي تم الكشف عن المبادرة، الدور الجديد وهو:
1- تبني الدعوة لعقد مؤتمر دولي لتسوية أزمة الشرق الأوسط.
2- الدعوة للاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها إقامة
دولة مستقلة باتحاد كونفدرالي مع الأردن!
3- الاعتراف بالكيان الصهيوني.
4- إنهاء اللجوء إلى السلاح لحل الخلافات!
5- الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 67.
6- قيام تنسيق بين سوريا والأردن والمنظمة لعقد المؤتمر الدولي.
- سوابق
ومن له متابعة لمجريات الأحداث في المنطقة يدرك بكل بساطة أن جوهر
المشروع الروماني هو تقريب الطرف العربي وإقناعه بما هو معروض عليه من قبل الكيان الصهيوني
والولايات المتحدة الأميركية.
وتتضح هذه الحقيقة من خلال استعراض جولات الوساطة الرومانية في أزمة
الشرق الأوسط. فالرئيس الروماني شاوشيسكو كان له دور فاعل في كامب ديفيد من خلال إقناع
السادات بالتفاوض مع العدو مباشرة والتعهد له بإقناع الأردن بالانضمام إليه وبعد عجز
كامب ديفيد عن التقدم انتقلت الوساطة الرومانية إلى العلاقة الأردنية – الفلسطينية
ومن قبل ذلك كان للدور الروماني أثناء حصار بيروت دور فاعل في إقناع ياسر عرفات لقبول
التعهدات الأميركية بحماية المخيمات الفلسطينية وفتح حوار مع المنظمة مقابل إجراءات
الخروج من بيروت!
ومع طرح مبادرة ريغان والخيار الأردني في المفهوم الصهيوني نشط الرئيس
الروماني في اتصالاته بدول المنطقة وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق الأردني- الفلسطيني.
وقد ذكرت مصادر مطلعة أن شاوشيسكو حاول إقناع عرفات بورقة العمل الأردنية التي قدمها
الملك حسين لياسر عرفات والتي رفضتها القيادة الفلسطينية في اجتماعات الكويت الشهيرة
في أبريل 83!
وبعد إخفاق آلية اتفاق عمان في فبرابر الماضي أخذ الرئيس الروماني
يبحث عن دور جديد أشرنا إليه آنفا. وهكذا يتضح أن الدور الروماني أقرب ما يكون إلى
مهنة السمسرة في التجارة والعقارات، ولكن ما هي العمولة التي يتلقاها شاوشيسكو لقاء
هذه المهنة؟!
- قناعة
بادئ ذي بدء لابد أن نؤكد على القناعة بأن رومانيا في ضوء علاقاتها
ووزنها الدولي لا يمكن أن تكون صاحبة مبادرة فاعلة فيما يتعلق بتسوية أزمة الشرق الأوسط.
فقد ثبت حتى الآن أن الولايات المتحدة الأميركية بالرغم من انحيازها الكامل للعدو الصهيوني
هي الدولة الوحيدة التي انصاعت مختلف الأطراف لمبادراتها حول الشرق الأوسط. حتى الاتحاد
السوفيتي ثاني أكبر قوة في العالم لم يكتب لأي من مبادراته الحياة، ولا يتوقع لها النجاح
أو التأثير في المنطقة ما لم تحظ بالموافقة الأميركية. ونحن هنا نصف واقعًا فقط حيث
إننا نؤمن إيمانًا قاطعًا بأن فلسطين قضية إسلامية لا يمكن تحريرها إلا بمبادرة المسلمين
جميعًا برفع راية الجهاد في سبيل الله.
وبناء عليه فإن أية قوة دولية غير القوى الكبرى لا يمكن لدورها أن
يكوث فاعلًا أو مؤثرًا ما لم يكن مرتبطًا بمبادرة لإحدى القوتين العظميين أو لدولة
الكيان الصهيوني! وفي هذا المجال يمكن الاستئناس بعبارة للنيوزويك (27/12/85) تقول:
«الرؤساء الأميركيون بدءًا من ريتشارد نيكسون وانتهاء برونالد ريغان، يحبون الطريقة
التي يواجه بها الرئيس الروماني نيقولاي شاوشيسكو موسكو ونجاحه فيها». وتضيف إلى ذلك
أن رومانيا هي الدولة الأوروبية الاشتراكية الوحيدة التي أبقت على علاقاتها الدبلوماسية
مع دولة الكيان الصهيوني بعد عدوان عام 1967!
- بدون عمولة!
قد يقال بأن شاوشيسكو سياسي ماهر يتقن التعامل مع القوى الدولية
بتوازن ويعمل على أن تتبوأ بلاده مكانة دولية مرموقة، وقد يقال بأن رومانيا لها مصالح
اقتصادية وتجارية في العالم العربي وقد يقال غير ذلك. لكن يلاحظ أن مصالح رومانيا أو
لنقل علاقاتها التجارية مع مختلف الدول العربية ظلت على وتيرة واحدة تتلاءم إلى حد
ما مع معطيات الوضع الاقتصادي الروماني.
وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن «السمسرة» الرومانية في الشرق الأوسط
يبدو أنها تتم بنشاط، ولكن بدون عمولة واضحة. ترى ما هي الدوافع وراء الدور الروماني؟
ربما تكون هناك دوافع مخفية قد تكون على شكل روابط يهودية حميمة كما هو حال بعض الزعماء
السياسيين في أوروبا وأميركا وبعض الدول العربية. وسواء كانت هناك مثل هذه الروابط
أم لا فالمحصلة واحدة وهي أن الدور الروماني يصب في خانة تقريب العرب من وجهات النظر
الصهيونية والأميركية لتسوية النزاع في الشرق الأوسط.