العنوان المبادرة المطلوبة من الفلسطينيين
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
مشاهدات 67
نشر في العدد 691
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
أثناء احتفالات الجزائر بعيدها الوطني في الأسبوع الماضي لم يحضر ياسر عرفات تلك الاحتفالات؛ لأن الدعوة لم توجه إليه باعتباره رئيسًا لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائدًا عامًّالقوات الثورة الفلسطينية.
ولما كانت الدعوة موجهة لفصائل حركة المقاومة، فقد توجه مندوبون عن هذه الفصائل لغرض مزدوج هو حضور هذه الاحتفالات من جهة، وعقد لقاء بينهم برعاية الجزائر وعدن من جهة أخرى في محاولة أخيرة للمصالحة بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.
ولما كان «التحالف الوطني» قد حدد موقفه نهائيًّا مع سوريا وضد ياسر عرفات واللجنة المركزية لفتح فإنه لم يشارك في اللقاء الذي تم في الجزائر بين عدد من قياديي فتح وعدد آخرمن قياديي «التحالف الديمقراطي».
وإذا كان «التحالف الديمقراطي» الذي يضم الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية يتفق من حيث المبدأ على ضرورة التخلص من «اليمين الفلسطيني» على حد تعبيرهم المتمثل في ياسر عرفات واللجنة المركزية لحركة فتح إلا أنهم يرون أن يتم ذلك من خلال «الأطر الشرعية» داخل منظمة التحرير، وعلى الأخص من خلال المجلس الوطني الفلسطيني.
وإذا كان موقف التحالف الديمقراطي متذبذبًا ومتناقضًا أحيانًا بالنسبة لانعقاد المجلس الوطني أو الموقف من عرفات وضرورة التخلص منه أو التحالف معه، فذلك لأنهم يعلمون أن التخلص من عرفات ومن «فتح» تحديدًا هو الخطوة الأولى للتخلص منهم بعد ذلك.
وهكذا يأتي التردد والتناقض أحيانًا: ففي اجتماعاتهم مع التحالف الوطني يؤكدون على التقائهم على أرضية واحدة ويضعون المخططات المشتركة للخلاص من عرفات ونهجه، ثم يعقدون مع عرفات ورجاله اتفاق عدن وتتخلخل العلاقة بينهم وبين التحالف الوطني الذي أخذ يتآكل بعد أن انزوى نمر صالح في بيته وبدأ قدري يراجع نفسه وانتقل ربحي عوض إلى تونس بينما يحاول أبو موسى إيجاد القاعدة الآمنة له في بيروت الغربية، ويعود عدد من رموز الانشقاق إلى الكويت بتصور جديد ومسلك جديد.
مواجهة ساخنة:
ولذلك كانت المواجهة ساخنة في لقاء الجزائر مؤخرًا بين حركة فتح ممثلة في «أبو جهاد، أبو الهول، أبو ماهر» وبين التحالف الديمقراطي حين أصرت فتح على تحديد موعد انعقاد المجلس الوطني بينما طلب التحالف الديمقراطي التأجيل لمدة «١٥» يومًا، مما اعتبرته فتح مناورة جديدة فانفض الاجتماع على غير اتفاق وبينما كان «مساعدية» ممثل الجزائر يستعد لإصدار بيان بتأييد عقد المؤتمر في الجزائر لم يصدر هذا البيان وعاد ممثلو فتح إلى تونس لحضور اجتماع اللجنة المركزية التي قيل إنها اتخذت قرارًا حاسمًا بعقد المجلس الوطني في شهر تشرين ثانٍ «نوفمبر» الحالي وأن فتح تملك النصاب القانوني لعقد المجلس بزيادة ثلاثة عشر عضوًا عن الحد الأدنى لهذا النصاب .
أما لماذا لم تقرر الجزائر استقبال المؤتمر فذلك يرجع إلى الضغط الشديد الذي تمارسه سوريا والذي بلغ قمته بزيارة أسد إلى الجزائر مؤخرًا؛ ولذلك أعلنت الجزائر عن شرط اتفاق الفرقاء المعنيين قبل انعقاد المؤتمر؛ وحيث إن الاتفاق مستحيل؛ لأن الطرف السوري ومعه بالطبع التحالف الوطني قد حدد موقفه نهائيًّا من ضرورة استبعاد ياسر عرفات قبل عقد المجلس الوطني وليس من خلاله، فإن انعقاد المجلس في الجزائر أصبح في حكم المستحيل ما لم تحدث مفاجأت ليست في الحسبان.
نصيحة واينبرجر:
والولايات المتحدة لا تريد لهذا المجلس أن ينعقد، ليس لأنها تساند المنشقين، بل لأن قرارها ألا تكون هناك منظمة تحرير حتى ولو جلست على طاولة المفاوضات مع اليهود.
ما تريده الولايات المتحدة هو أن تنتهي القضية الفلسطينية بلا فلسطين؛ ولذلك تضغط الولايات المتحدة أيضًا على الأردن الذي أعلن مؤخرًا عن استعداده لاستضافة المؤتمر الفلسطيني، ومن المعلومات التي تسربت بهذا الخصوص أن واينبرجر لدى لقائه بالملك حسين مؤخرًا قال له: «لدي معلومات بعدم عقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر؛ فلماذا تعقده أنت في عمان»؟!
وهذه إشارة إلى دور أمريكا في عرقلة انعقاد المجلس الوطني، ولكن ما دامت الغاية من انعقاد المجلس الوطني تثبيت قيادة ياسر عرفات ونهجه الساعي إلى الحلول السلمية؛ فلماذا تعرقل الولايات المتحدة انعقاد هذا المجلس؟ إن المعنى الوحيد لذلك هو شطب فلسطين وشعبها من الخارطة السياسية للشرق الأوسط.
اللقاء المصري الأردني:
ولعل اللقاء المصري الأردني من العوامل التي دفعت عرفات لمزيد من الحركة قبل أن يخرج عن دائرة الفعل نهائيًّا، ذلك أن هذا اللقاء المصري الأردني يعتبر عامل قوة بالنسبة لعرفات وعامل ضعف في آن واحد. فهو عامل قوة باعتباره محورًا جديدًا يمكن أن يشكل جبهة مساندة لعرفات ونهجه وهو عامل ضعف حين يتولى حل القضية بمعزل عن منظمة التحرير الفلسطينية.
وحتى الآن لا تزعم مصر ولا تزعم الأردن أنها تتجاهل منظمة التحرير فكل منهما يصر على إشراك منظمة التحرير في الحل ثم كان طلب مبارك من الفلسطينيين أن يخرجوا بمبادرة جديدة قبل فوات الأوان.
القرار الحاسم:
والفلسطينيون يشعرون أن الوقت يمر بسرعة وأن أطرافًا كثيرة تحاول الإمساك بزمام القضية الفلسطينية بعد انتزاعه من أيدي أصحابها أو فليبادر الفلسطينيون إلى قرار حاسم!!
فما هو هذا القرار الحاسم المطلوب من الفلسطينيين؟ إنه ليس بالقطع قرار العودة إلى السرية، فالعودة إلى السرية لا يحتاج إلى قرار معلن، ثم إن العيون التي بهرتها أضواء الكاميرات يصعب عليها أن تعود مرة اخرى للعمل في الظلام سيما وأنها تعتقد بأن خروجها من العمل السري إلى العمل العلني كان مرحلة متقدمة ومكاسب سياسية كانت نتاج دماء غزيرة نزفها الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة.
تبقى حكومة المنفى التي طالب بها السادات في وقت سابق، والشعب الفلسطيني لا ينسى شبح حكومة عموم فلسطين التي ولدت ميتة وكانت منظمة التحرير بديًلا عنها، فكيف تتحول منظمة التحرير إلى حكومة وهي لا تملك شبرًا من الأرض تمارس عليه سيادتها؟ ثم أن قرار إنشاء الحكومة المؤقتة أو حكومة المنفى لا يصدر إلا عن المجلس الوطني الفلسطيني.
عرفات يصر على عقد هذا المجلس وطرح كافة القضايا عليه والمجلس هو الذي يقر أو يرفض. ولقد كانت الجزائر في المكان النموذجي لعقد مثل هذا المجلس ولكن الجزائر تراجعت مؤخرًا بحجج معلنة وبضغوط مخفية وبصفقات ثنائية.
وليس من المعقول أن يعقد المجلس الوطني على ظهر سفينة تحمل علم الأمم المتحدة كما قال عرفات من قبيل المناورة، كما أنه ليس من المعقول أن يعقد المجلس الوطني في اليونان ليصدر قرارات ينفذها في ديار العرب، إذا كان معظم العرب لا يسمحون أصلًا بمناقشة مثل هذه القرارات على أراضيهم.
ماذا إذًا؟ لقد عرضت إيران عقد المؤتمر في أراضيها ثم تراجعت بعد أن اشترط عرفات على إیران وقف الحرب مع العراق، كشرط مسبق لعقد هذا المؤتمر. وفي نفس الوقت فإن نهج عرفات يتعارض مع نهج إيران «المعلن» فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأمور أخرى عديدة.
تبقى الأردن والعراق، وكل منهما أعلن عن استعداده لاستقبال المجلس الوطني ولعل انعقاد المجلس في العراق يحمل العراقيين عبئًا جديدًا فوق أعباء الحرب؛ يبقى الأردن هو الخيار الوحيد رغم تهديدات سوريا وضغط أمريكا وتعذر حضور بعض المقيمين في سوريا.
ولكن ما دام التوجه الفلسطيني نحو الحل السلمي ونحو الارتباط المصيري مع الأردن، ونحو الخروج من مأزق الفناء أو العمل تحت الأرض
فليس أمامهم إلا عقد المجلس في الأردن.
وعلى افتراض صدق توقعاتنا:
• فما هو موقف السوريين والفلسطينيينالمرتبطين بهم؟
• وما هو موقف الأردن من قيام دولة فلسطينية مرتبطة به كونفدراليًّا؟
• وما هو موقف ريغان بعد انتخابه للمرة الثانية؟
• وأخيرًا ما موقف الفلسطينيين حين يكتشفون أنهم غير مرغوب فيهم، وأن حصيلة جهادهم الطويل هو فقط الاعتراف بإسرائيل والتنازل إلى الأبد عن وطنهم فلسطين!!
• هل يعودون إلى الجهاد بمنطق جديد ومنطلق جديد؟
هذا ما تتمناه شعوب الأمة الإسلامية جمعاء.