العنوان المتآمرون على التراث
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 910
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 28-مارس-1989
إن هذه الظاهرة الخطيرة التي نجدها تتنامى هذه الأيام وتتسع رفعتها وتتماثل صورها وتتوحد منطلقاتها لتوحي أن الماركسيين حين أحسوا بعجزهم عن العمل تحت لواء المطرقة والسندان، وقد سقطت أعلامهم وتكشفت مؤامراتهم، ولم يعد أحد يستمع إليهم غيروا من جلدهم فادعوا انفصالهم عن المنظمات الشيوعية وأخذوا يتحركون في ميدان جديد هو ميدان التراث.
يتضح هذا حين تراقب هذه الفلول التي كانت سادرة في غيها قبل قليل قد تغير وقد أخذت تعبر طريقها.
- رموز المؤامرة:
وتمتد الرقعة من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، من خلال عابد الجابري وعزيز الجبالي و... إلى أدونيس «علي أحمد سعيد» إلى جمال الغيطاني، إلى يوسف القعيد، إلى الأبنودي، إلى غالي شكري، وعبد المعطي حجازي. إنها مؤامرة مدمرة ترمي إلى هدم البيان العربي والبلاغة وأسلوب الكتابة العربي بإدخال أساليب مضطربة مسرفة في اللعب وإفساد المعاني وإعلاء العاميات واستغلال أصالته وتماسكه وإحكامه الذي جاء من مصدره الأعلى: القرآن الكريم والسنة النبوية.
ولقد مضى على هذا الطريق بعد أن سقطت محاولة المهجريين قوم آخرون في مقدمتهم القس يوسف الخال أستاذ أدونيس وصانع هذه المؤامرة الضخمة التي ما يزال أدونيس يخب فيها ويضع.
وخدع لهذا كثيرون من أبناء أمتنا الذين عجز تعليمهم العصري عن أن يكشف لهم عظمة البيان العربي وبلاغة القرآن وكرامة المنهج الرباني الأصيل، فاندفعوا وراء هذه الأهواء وغرتهم الأماني وخدعهم بريق الأهواء التي تصاحب هذه الدعوات من ليال حمراء وخمر ونساء.
ومن وراء ذلك كله قوى تريد أن تحطم وحدة البيان العربي وكسر قيد العربية وفصل اللغة العربية عن القرآن الكريم، وهي محاولة مستميتة تتفق عليها قوى عظمى، وتعمل لها أسماء لامعة، وشخصيات ذوات نفوذ في كل قطر عربي.
- اللغة هدف الماركسيين!
لقد اتجه الماركسيون إلى اللغة والبيان العربي لإعلاء شأن الفكر الباطني وإحيائه: إحياء ابن الراوندي والحلاج وابن سبعين، وجاء جماعة ليكشفوا عن شخصيات أخرى من أمثال ابن النفري، واتسعت الدائرة بشعر الباطنية الذين كانوا يعملون على هدم الدولة الإسلامية في سبيل إقامة دولة الزنج ودولة القرامطة ودولة المزدكية وغيرها من دول فاسدة باطلة.
وهو مخطط لم يجد الطريق مفتوحًا أمامه يومًا، وقد يظن أن التغريب قد وصل بالمسلمين اليوم إلى الحد من مفاهيم السريالية والحداثة في جولة واسعة تقتحم البيان العربي وتخلط وتثير فيه مختلف أنواع الفساد والاضطراب على نحو يراد به استحداث أسلوب جديد بعيد عن الأسلوب العربي القائم على بلاغة القرآن.
- عملية خلط مريبة!
وتتصل هذه المؤامرة بكل أطراف العمل الأدبي، والتراث والقصة، واستغلال مفاهيم الخيال والظلال والأضواء، وستتخذ من ميراث أسلوب المهجرين منطلقًا إلى غايات أبعد وأساليب أشد غموضًا، ومعان وكلمات من مصطلحات الباطنية والتصوف الفلسفي والأساطير وكتابات التحلل والإباحة من ناحية، وكتابات الاغتراب والعبثية واستخدام أساليب الوجودية وشرائح الجنس التي رسمها فرويد مختلطة بمذاهب العدمية، وذلك بخلق عوالم جديدة بما يطلق عليه جمال الغيطاني التجليات مزخرف مليء بالفساد والإباحة والسموم الناقعات في عملية خلط مريبة عجيبة تصفق لها بعض الجهات وتحتضنها وتفسح لها المجال وتدفع لها الجوائز، وترى أنها بمثابة فتح جديد في عالم الأسلوب العربي والقصة.
وبينما يجري هؤلاء في مجال قصيدة النثر، أو الموال، أو القصة، ترى المجموعة الأخرى تحاول أن تصور الفكر الإسلامي وكأنه ربيب الفكر الباطني الوثني الذي جدده الزنادقة والملاحدة في العصر العباسي من أجل أن يدخلوا الفكر الغنوصي الشرقي والفكر الوثني اليوناني في آفاق الفكر الإسلامي مخدوعون رغم ما يجدون من احتفاء بهم في أوساط حاقدة على الإسلام والقرآن وهي تحارب اللغة العربية والبيان العربي من أجل أن تجد منفذًا لحجب القرآن عن البشرية، ظنًّا منهم أن ما حدث للغة اللاتينية يمكن أن يحدث للعربية.
- لا بد من الحذر:
لقد كان الفكر الإسلامي الأصيل أساسًا قائمًا على جماع القيم العقلانية والوجدانية في توازن محكم من خلال منهج علمي سليم، ولقد وقف هذا الفكر منذ اليوم الأول لكل محاولات احتوائه أو تزييفه أو هدم مقوماته، ووقف أساسًا أمام الفكر اليوناني والفارسي والهندي القديم القائم على الوثنية، وأنكر إفرازاته سواء في الفكر المعتزلي أو الفكر الفلسفي أو الفكر الباطني «التصوف الفلسفي»، ووقف العلماء المسلمون من هذا كله موقف الرفض المطلق ودحض كل الأخطاء والشبهات حتى يجيء اليوم من يدعون أنهم أولياء التراث الإسلامي ودعاته من هؤلاء الخصوم الماكرين، فإذا بهم يحاولون إحياء تراث الباطنية ويرون أن هذا من صميم الفكر الإسلامي.
على هذا النحو الذي يحاوله الجابري في كتاباته المضللة التي تحاول أن يجعل فكر ابن الراوندي والحلاج وابن سبعين وغيرهم من عتاة الباطنية فكرًا أصيلًا، بل إن «أدونيس» يذهب إلى أبعد من ذلك فيرى أن هذا الفكر الرافض الهدام الذي قاد معارك الزنج والقرامطة والراوندية وغيرهم هو الفكر الأصيل، إنها مؤامرة خطيرة طرفاها من يعتبره فكرًا إسلاميًّا، أو من يعتبره أدبًا رفيعًا، وكل منهما يذهب بعيدًا في الاغتراب والتضليل ضمن هذا الاتجاه المظلم الذي تحوطه شبهات وأهواء ومطامع، ومن ورائه قوى كبرى تغذيه بهدف تدمير مفهوم الإسلام الأصيل.
ثم تأتي بعد ذلك محاولات الغيطاني في الكتابة بهذا الأسلوب الرديء المقرر الذي يعتمد مفاهيم السريالية والوجودية وكلمات الاغتراب والتهويم والضلال، فلا يقرأها القارئون إلا ساخرين مستهزئين، معجبين لأن تفسح لهذه الكلمات التافهة مجالات النشر في صحف كبرى وفي دور نشر معلومة.
وبعد فقد انكشفت هذه المخططات ولم تعد تخفى على أحد ولم تعد قادرة على أن تكسب إلا المغرورين والبسطاء والتافهين، ومهما اتسعت الدائرة من مغرتبي المغرب إلى مغرتبي المشرق، ومهما تعددت النزعات وجودية وعلمانية وإباحية وعدمية وباطنية، فإنها تصدر عن قوس واحدة أساسها الهدم، ولن تجدي الخطط في كشف الزيف.