; المتاجرة بالخلاف خيانة عظيمة | مجلة المجتمع

العنوان المتاجرة بالخلاف خيانة عظيمة

الكاتب الشيخ محمد الغزالى

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983

مشاهدات 98

نشر في العدد 610

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-مارس-1983

بذلت جهدًا كبيرًا في ردم الفجوات التي تفصل بين الشباب المسلم فإنه لأمر مفزع أن يشجر الخلاف بين المسلمين الآن وأعداؤهم يعدون لهم الضربة القاضية بعد ضربات سبقت أوهت صفوفهم وشعبت أهواءهم.

إن هناك أنواعًا من الخلاف الفقهي واللغوي لا أخشى منها أبدًا، بل أعدها طبيعة البشر الذهنية والنفسية.

أما الخلاف المولود على مصاطب الفراغ والثرثرة، الشاغل لمجالس اللهو والبطالة فهو معصية لله وتوهين للأمة.

ولم يكن هذا الخلاف موجودًا عندما شغلت الأمة برسالتها، وعبأت قواها كلها لتقليم أظافر القوى الباغية على الإسلام، فلما استراحت من هذه الأعباء –وما كان لها أن تستريح– أخذت تتحدث في دينها وتتقعر في فهم عالم الغيب بعدما أراحت نفسها من الكدح في عالم الشهادة.

وكان أن ورثنا بلاء كثيرًا في قضايا مختلفة وزاد الطين بلة أن خصومنا شنوا علينا غارة استئصال ونحن ماضون في هذا اللغو، حتى خشيت أن تجهض النهضة الإسلامية المعاصرة بغباء المولعين بإثارة هذه القضايا.

لما كنت في القاهرة جاءني من أخبرني بأن فتنة وقعت في حلوان بين المصلين فقلت: لماذا؟

قال:

  • إن خطيب المسجد تساءل بصوت عال أین الله؟ ودهش المصلون للسؤال الملقى عليهم ثم تولى الخطيب الإجابة قائلًا: في السماء وذكر حديثًا معروفّا في هذا.

وغضب بعض المصلين لهذه الإجابة التي أوقعت الناس في اللجاج والجدال.

لقد اقشعر جلدي لهذا الحوار وتملكني غضب شديد وقصة الخطيب والمعترض هذه تنوقلت هنا وهناك وإذا اللجاج يحيا من جديد بين منتسبين للسلف ومنتسبين للخلف.

 وقلت: قرة عين اليهود والنصارى، ومصيبة بعد أخرى للمسلمين الضياع ولم أجد بدأ من الجري هنا وهناك أسكب الماء على الحريق وأشغل الأمة بما يجب أن تشتغل به وأتحدث عن الخلاف القديم الجديد بما يجمع الشمل ويبعد الفرقة.

المحكم والمتشابه

قلت:

  • في القرآن آيات محكمات وأخرى متشابهة لكن ما نسبة المتشابه إلى المحكم؟ إن المحكم هو أم الوحي، وصلب الكتاب وأساس للتكاليف ويعني هذا أن العزائم تتجه إلى المحكم تعمل به وتقف نشاطها عليه، أما غيره وهو محدود النطاق – فإن الانشغال به عوج في الفكر وزيغ في القلب حسبنا أن نمر به مر الكرام لا نستقصي ولا نتكلف، فإن طول الوقوف عنده لا يفيد أولًا، ثم إنه يكون على حساب المحكم ثانيًا، سنقصر فيه بعدما بددنا الوقت في غيره قال قائل:

  • لكن آباءنا اختلفوا بعدما فكروا ما نستطيع إنكار ذلك، وفي البلاد من يتعصب للسلف الذين أقروا الآيات على ظاهرها، وفيهم من يتعصب للخلف الذين أولوها والتمسوا لها معاني معقولة، فماذا نصنع؟

قلت:

  • إن التعصب الأعمى مرفوض، وعند التدبر نجد أمرًا لابد من إبرازه، أن السلف والخلف جميعهم يسبحون بحمد ربهم ويقدسون له، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إنهم جميعًا يؤمنون بوجوده، وإنه الحي القيوم وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما ينسبه إليه اليهود والنصارى من تجسد أو تعدد أو مظاهر بشرية خطأ محض.

وعبارات السلف والخلف تتجه كلها إلى تلك الغاية، وقد تضطرب أساليب الأداء وإذا لم يكن الخلاف لفظيًا فهو قريب من الخلاف اللفظي.

إن القرآن كتاب يؤسس اليقين في القلوب وينشر الخير في المجتمع، ويحدث الناس عن الله ليعرفهم بعظمته، وينشئهم على تقواه وقد نزل القرآن باللغة العربية، وجرى على قواعدها وأساليبها في التصوير والتأثير وعندما نتدبره على الوجه الصحيح نلزم الصراط المستقيم، بيد إن للعقل الإنساني شطحات تكلفه احيانًا أن يسأل عما لا جواب له: 

إذا كنت أحفظ القرآن فأين مكان المحفوظ من رأسي أو قلبي؟ لست أدري.

إن الذاكرة مستودع عجيب فكيف يغيب في أعماقها ما ننساه، ويطفو على سطحها ما تبقى صورته لست أدري ثم ما قيمة الحرص على هذا التساؤل إذا كان الجواب فوق الطاقة؟

هل تدري النملة كيف ينظم الشاعر قصيدة ما؟ أو كيف يحل الأستاذ معادلة جبرية؟ إنها لا تدري ولن تدري.

فلم يحاول أمرؤ منا أن يعرف كنه الألوهية؟

وهو لا يعرف نفسه التي بين جنبيه؟ بل لا يعرف جنبيه كليهما.

إن تحول الطعام إلى خلايا حية، ثم تحول الخلايا الحية إلى أجسام ميتة تتلاشى، ثم تتجدد أمر مذهل للعقل، ومع ذلك فهو كثير كثرة هائلة في كل لحظة من ليل أو نهار عند من قال عن نفسه.

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(الرحمن:٢٩) 

﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (غافر:٦٨)

السلف والخلف

وعدت بذاكرتي إلى أيام الدراسة في الجامع الأزهر من خمسين سنة تقريبًا، كنا نحضر علم التوحيد، ونستمع إلى الأستاذ وهو يعرض نماذج من الآيات المتشابهة، لقد شحنت عقولنا بأشياء كثيرة عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ(طه: 5)

وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(الفتح: ١٠)

وبعد كلام طويل قال الشيخ -رحمه الله-: ومذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم.

قلت له:

  • لماذا؟

قال:

  • مذهب السلف أسلم لأنه أبعد عن الخطأ في تقرير المعنى، وأرجى للثواب لأنه يبتعد عن التأويل، ويقبل التفويض كما أمرنا أما مذهب الخلف فهو أقدر على دحض الشبهات ورد الوساوس، وإلزام الخصوم.

 وسلمنا نحن الطلاب – بما تعلمنا، ومضت السنون واللجاج لا ينتهي بين الفريقين وتدبرت الأمر بيني وبين نفسي فرأيت أن كلا من السلف والخلف لجأ إلى التأويل في بعض الآيات، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ(الحديد:٤)

ليست معية ذات وإنما هي معية علم وقوله سبحانه: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: ١٦) أو قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (الواقعة:٨٥) المقصود الملائكة لا الذات العليا هكذا يقول السلف أما تأويلات الخلف فكثيرة مثل قوله جل شأنه: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ(طه:٥) ليس الاستواء استقرارًا ومماسة، وإنما هو استيلاء وقهر.. إلخ.

وقد ملت إلى رأي السلف، وظهر ذلك في كتابي عقيدة المسلم غير أني بعد مزيد من الاستقصاء والبحث رأيت أن التفويض مطلوب ما لم يشعر بتجسيم، وأن التأويل مطلوب ما لم ينته بتعطيل، وبناء على ذلك رفضت مسلك المعتزلة لأنهم تأثرًا بالفلسفة الإغريقية – أعطوا صورة مشوهة عن الألوهية، ورفضت مسلك الغلاة من بعض الحنابلة لأنهم كادوا ينتهون إلى التجسيم.

وعدت إلى كلام الأئمة والعلماء على امتداد العصور فرأيت بعضه يصدق بعضًا، أو يكاد ورأيت الشقة قريبة بين المروي عن السلف والخلف، وأنه لا مكان لمعارك دامية بين هؤلاء وأولئك. 

يقول أبو حامد الغزالي وهو من أئمة الخلف – فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ(طه:٥)

وما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا» قلنا: الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل، ولكن تذكر منهجًا في هذين النصين يشد إلى ما عداه، وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان: عوام وعلماء والذي نراه لائقًا بعوام الخلق ألا يخاض بهم في هذه التأويلات، بل تنزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه، أو يدل على الحدوث، ونحقق عندهم أنه –سبحانه– موجود. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(الشورى:١١)

وإذا سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا عنها، وقيل: ليس هذا بعشكم فأدرجوا فلكل علم رجال، ويجابون بما أجاب به مالك بن أنس: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة».

وهذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات ولا الإحاطة باللغات، ولا تحيط بتوسيعات العرب في الاستعارات.

وأما العلماء فاللائق بهم تعرف ذلك وتفهمه ولست أقول إن ذلك فرض عين إذ لم يرد به تكليف – بل التكليف: تنزيهه سبحانه وتعالى عن كل تشبيه بغيره عن «الاقتصاد في الاعتقاد»

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند الكلام على حديث الجارية الذي جعله خطيب أحد المساجد موضوعًا له وأساء كل الإساءة – قال:

  • هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان:

الأول: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات.

الثاني: تأويله بما يليق، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحان الجارية، هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، أم هي من عبدة الأوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة، وليست عابدة أوثان.

وقال نقلًا عن القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة، فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء مثل: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (الملك:١٦) ونحوها ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم.

إن الإغراق في التأويل كما هو مذهب المعتزلة - أذهب الخشية من القلوب، كما أوقع أصحابه في نقائض عقلية مستغربة، إذًا كيف يقال: يقال: عليم بلا علم، وقادر بلا قدرة؟

وهذا التفكير تقليد رديء لأرسطو الذي جرد إلهه من كل وصف، وعمل حتى أصبح إلهًا يتأمل ذاته وحسب.

وقد كان المعتزلة أجرأ على تأويل النصوص منهم على نقد الفلاسفة، وذلك مسلك معيب.

الرابط المختصر :