العنوان دراسات في فقه الدعوة: شبهات حول منهج الإمام البنا
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 80
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
- الفقهاء أجمعوا على الإيمان
بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله في صفة الرب- عز وجل- من
غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه.
- الإمام أحمد بن حنبل أجاز
التوسل بالنبي- صلى الله عليه وسلم- وحده، والشوكاني أجاز التوسل بالصالحين.
- منهج البنا جاء مقررًا
لعقيدة السلف داعيًا إلى لزومها وتثبيتها.
أثيرت حول منهج الإمام البنا في العقيدة مسألتان إحداهما: تتصل بمسألة الأسماء
والصفات، والثانية تتعلق بموضوع التوسل، وقد أفاض الشيخ جاسم مهلهل في الرد على هاتين
النقطتين في فصل العقيدة في كتابه «للدعاة فقط» فجزاه الله خيرًا.
وأود هنا أن أوجز القول في هاتين المسألتين إكمالًا للبحث وإتمامًا للفائدة.
التوسل
وجه الاعتراض فيه كونه ليس من مسائل الأصول، وأنه موضع خلاف، وقد تبين لي بعد
التتبع والاستقراء أن ما أشار إليه البنا قد قاله العلماء من قبل، فأي نكير عليه في
ذلك! إن التوسل المتفق على جوازه أنواع:
1- التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
2- التوسل بعمل صالح قام به الداعي.
3- التوسل بدعاء رجل صالح «بأن يدعو ويؤمن على دعائه» ([1]).
وأما ما سوى هذه الأنواع فهو موضع نزاع بين أهل العلم، وإليك أقوالهم:
يقول ابن تيمية: «وأما قول القائل اللهم إني أتوسل إليك به، فللعلماء فيه قولان،
كما لهم في الحلف به قولان...»، وفي الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به
بخلاف دعاء الموتى والتائبين والاستغاثة بهم([2]).
كما نص على ذلك الشيخ محمد بن عبدالوهاب حيث قال في المسألة العاشرة: «قولهم
في الاستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد يتوسل بالنبي خاصة مع قولهم إنه
لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جدًا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل
بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي- صلى الله عليه وسلم- وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه،
فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أنه مكروه، فلا ننكر
على من فعله»([3])، فقد تضمن كلام الشيخ
أن التوسل بالصالحين أو بالنبي- صلى الله عليه وسلم- هو موضع خلاف بين العلماء، وأن
هذه المسألة من مسائل الفقه، وهذا عين ما قرره البنا.
وقال الشيخ الألباني بعد ذكره لأنواع التوسل المتفق عليها: «وأما ما عدا هذه
الأنواع من التوسلات، ففيه خلاف»، إلى أن قال «مع أنه قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز
الإمام أحمد التوسل بالرسول- صلى الله عليه وسلم- وحده، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني
به وبغيره من الصالحين»([4]).
مسألة فقهية خلافية
وقال في نقد العقيدة الطحاوية: «فهذه سبع مسائل هامة كلها في العقيدة إلا الأخيرة
منها، وهي كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم»([5])، فهذه الأقوال تؤكد
ما أشار إليه البنا من وجود الخلاف فيه، ومن كونه من مسائل الفقه لا العقيدة، ولعل
منشأ الخلط آت من عدم التفريق بين الاستغاثة والتوسل، فإن الاستغاثة هي التي تندرج
في مباحث العقيدة، يقول ابن تيمية: «لم يقل أحد أن التوسل بالنبي استغاثة به، بل العامة
الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث
بالنبي- صلى الله عليه وسلم- طالب منه، وسائل له، والمتوسل به لا يدعو، ولا يطلب منه،
ولا يسأل، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به»([6])، ويقول رحمه الله: «والاختلاف فيما يشرع من الدعاء،
وما لا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح، وليس هو من مسائل السب عن أحد
من المسلمين»([7]).
مسألة التفويض في الأسماء والصفات
الشبهة وهي مسألة التفويض في الأسماء والصفات، وأنها من المتشابه.
قال رحمه الله: «ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى
الله- تبارك وتعالى- أسلم وأولى بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل».. يقول هؤلاء:
إن التفويض معناه تفويض معاني صفات الله- تعالى- مع الاعتقاد بأن ظواهرها غير مراد،
وليس هذا مذهب السلف؛ لأن الله- تعالى- لا يخاطبنا بما لا نعقل معناه، فهم يفوضون الكيف
لا المعنى.
والجواب: إن المنهج العلمي يقتفي فهم العبارة ملتئمة مع سائر النصوص والأقوال،
دون أخذها مجتزئة؛ فالعبارة جاءت منكرة، وليست معرفة، فهي لا تعني المذهب المذكور،
ولكنها استعملت بمعناها اللغوي بمعنى عدم الخوض في كيفية الاستواء أو غيره من الصفات،
وترك ذلك إلى الله تعالى، فإذا أضيف إلى ذلك أن الرجل أكد ترجيحه لمذهب السلف، وارتضاءه
له، واستشهاده بأقوالهم، وأن هذه العبارة وردت في كلام غيره من الأعلام؛ فإنه يتعين
فهم مراده على هذا الوجه، وإليك بعضًا من نصوصه في هذه المسألة؛ لنصل إلى فهم النص
المذكور:
1- قال رحمه الله: «أما السلف فقالوا نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما
وردت، ونترك بيان المقصود منها لله- تبارك وتعالى- فهم يثبتون اليد والعين والاستواء
والضحك والتعجب... إلخ، ونترك لله- تبارك وتعالى- الإحاطة بعلمها» ([8]).
إيمان بآيات الصفات
قدمت لك أن السلف- رضوان الله عليهم- يؤمنون بآيات الصفات وأحاديثها كما وردت،
ويتركون بيان المقصود منها لله- تبارك وتعالى- مع اعتقادهم بتنزيه الله- تبارك وتعالى-
عن المشابهة لخلقه»([9]).
3- قد علمت أن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله-
تبارك وتعالى- أن يمروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها وتأويلها، وأن مذهب
الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله- تبارك وتعالى- عن مشابهة خلقه» ([10]).
الأئمة ساروا على منهج السلف الصالح
4- عند احتجاجه بأقوال السلف ذكر منهم اللالكائي في «أصول السنة»، ونقل
عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ونقل عن الخلال في «كتاب السنة» نصوصًا عن أحمد بن
حنبل، ثم نقل عن مالك بن أنس، وذكر «أبو بكر الأثرم» «وأبو عمرو الكلمنكي» و«أبو عبدالله
بن بطة» وغيرهم من الأئمة الأثبات الذين ساروا على نهج السلف الصالح، كما أشار إلى
ذلك ابن تيمية([11])، قال رحمه الله: «وكلام
السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة مثل كتاب السنن للالكائي، والإبانة لابن بطة،
والأصول لأبي عمرو الكلمنكي، والسنة لأبي بكر بن الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لأبي
بكر بن أبي عاصم» ([12])
5- نقل عن أبي عبدالله بن أبي سلمة الماجشون كلامًا مختصرًا لعقيدة السلف في
الأسماء والصفات، وقد ذكر هذا النص بتمامه ابن تيمية في الفتاوى ([13]).
6- علق على بعض آيات الأسماء والصفات، وذكر معانيها مثل قدم الله تعالى
وبقائه، ومثل علمه- سبحانه وتعالى- وقيام الله- تعالى- بنفسه.
7- أنه صرح بمراد الكيفية تصريحًا بينًا في قوله: «وإنما علم الله-
تبارك وتعالى- علم لا یتناهى كماله، ولا يعد علم المخلوقين شيئًا إلى جانبه، وكذلك
الحياة، وكذلك السمع.. فهذه كلها مدلولات، الألفاظ فيها تختلف عن مدلولاتها في حق الخلق
من حيث الكمال والكيفية اختلافًا كليًا؛ لأنه- تعالى- لا يشبه أحدًا من خلقه، ولست
مطالبًا بمعرفة كنهها([14]) وإنما حسبك أن
تعلم آثارها في الكون ولوازمها في حقك» ([15]).
8- ارتضاؤه منهج السلف وتعويله عليه «فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة
الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين، فلا تعدل به بديلًا» ([16])، وجعله أسلم وأولى بالاتباع
حسمًا لمادة التأويل والتعطيل ([17])، فأين هذا من التفويض؟
تفويض الكيفية لا المعنى
من مجموع هذه النصوص يتضح أن مراد الإمام البنا هو تفويض الكيفية لا المعنى،
على أن العبارة التي اشتد فيها النكير، وفسرنا مراده فيها قد جاءت في كلام الأئمة ممن
هم على منهج السلف الصالح؛ فقد جاء عن محمد بن الحسن الشيباني: «اتفق الفقهاء كلهم
من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول
الله- صلى الله عليه وسلم- في صفة الرب- عز وجل- من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن
فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- وفارق الجماعة،
فإنهم لم يصفوا، ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا» ([18]).
ونقل الخلال عن أحمد بن حنبل: «نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا
نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- حق إذا كان بأسانيد
صحاح»
([19])، وجاء عن ابن رجب الحنبلي
في فضل علم السلف على الخلف: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها
كما جاء من غير تفسير لها... ولا يصح منهم خلاف ذلك البتة، خصوصًا الإمام أحمد ولا
خوض في معانيها.
وكذلك ما جاء عن ابن قدامة في لمعة الاعتقاد حين عرض لمسألة الصفات، وتلقيها
بالتسليم والقبول، أشار إلى ترك التعرض إلى معناها، ورد علمها إلى قائلها([20]).
فهذه العبارات ونحوها حملت على معنى الكيفية من خلال الجمع بين أقوالهم تحقيقًا
للإنصاف، وإحسانًا للظن بهم، وبالمنهج نفسه نتعامل مع أقوال البنا لما عرفه منه من
شدة الحرص على اتباع السنة ولزومها، وسلوك منهج السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين.
إطلاق لفظ المتشابه على الصفات
هذا الأمر محمول على معنى أن كيفية اتصاف المولى- تبارك وتعالى- بهذه الصفات
مما استأثر- سبحانه- بعلمه، ولا سبيل للبشر إلى إدراكه، والإطلاق بها المعنى سائغ ومقبول،
يقول الشيخ الشنقيطي في جواز إطلاق لفظ المتشابه على الصفات من هذه الحيثية: «اعلموا
أن آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المتشابه، وهذا من جهة غلط، ومن جهة قد
يسوغ، كما بينه مالك بن أنس بقوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال
عنه بدعة، والإيمان به واجب»، فكون الاستواء غير مجهول يدل على أن معناه غير متشابه،
بل هو معروف عند العرب، والكيف غير معقول يدل على عجز البشر عن إدراكه، وما استأثر
الله بعلمه يسمى متشابهًا بناء على الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾
(آل عمران:7)، فهو بالنسبة إلى الصفة غير متشابه، وبالنسبة إلى كيفية الاتصاف به متشابه،
على أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه» ([21])، ثم إن مفهوم المتشابه
مما اختلفت فيه أنظار العلماء فيما ذكره السيوطي في الإتقان في تفسير المحكم والمتشابه،
فبعضهم يقول أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل
أوجهًا، وعزاه السيوطي لابن عباس.
وعلى هذا التفسير كتب الإمام أحمد بن حنبل كتابه «الرد على الجهمية والزنادقة
فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله».
ومنهم من يقول المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه
ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور.
ومنهم من يقول: المحكم الذي يؤمن به، ويعمل به، والمتشابه الذي يؤمن به ولا يعمل
به.
ومنهم من قال: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه([22]) خلافه.
وعلى بعض هذه التفاسير يتضح قول الإمام البنا ومقصوده.
وقد جاء وصف القرآن كله بأنه متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ (الزمر: 23)، أي يشبه بعضه بعضًا، وجاء وصفه كله بأنه محكم
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (هود: 1) أي يعني الإتقان، وجاء وصف بعضه بالمتشابه
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل
عمران: 7)، وهذا ما وقع الخلاف في تفسيره على النحو الذي أسلفنا.
وخلاصة القول إن منهج البنا جاء مقررًا لعقيدة السلف، داعيًا إلى لزومها وتثبيتها،
فجزاء الله أفضل ما يجزي دعاة الإسلام الصادقين.
______________
([1])
التوسل أنواعه وأحكامه ص 41.
([2])
التوسل والوسيلة ص 95.
([3])
مجموعة فتاوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 6926.
([4])
التوسل ص41.
([5])
مقدمة الطحاوية ص55.
([6])
انظر الفتاوى 35/103.
([7])
المصدر السابق 35/106.
([8])
القائد ص66.
([9])
المصدر السابق ص 70.
([10])
المصدر السابق ص 76.
([11])
انظر الفتاوى 6/52.
([12])
بتصرف الفتاوى 5/24.
([13])
انظر الفتاوى 5/45.
([14])
أي كيفيتها.
([15])
العقائد ص49.
([16])
المصدر السابق ص 76.
([17])
المصدر السابق ص 76.
([18])
العقائد ص 16- 17.
([19])
العقائد ص67.
([20])
اللمعة بشرح ابن عثيمين ص 20.
([21])
منهج دراسات الأسماء والصفات ص 32.
([22])
انظر مبحث المحكم والمتشابه في الإتقان وغيره من كتب علوم القرآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل