العنوان المثل الأعلى للمسلم.. محمد رسول الله والذين معه (الحلقة الأخيرة)
الكاتب الدكتور مصطفى عبد الواحد
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1974
مشاهدات 19
نشر في العدد 192
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 19-مارس-1974
ولأن الإسلام وحده هو دين الحق بين الأديان
جميعًا منذ ظهر، وحتى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها.. فقد
وعد الله رسوله أن يظهر هذا الدين الحق على الدين كله.. قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: 28).
ولو كان هناك دين آخر من الأديان الباقية بين
الناس -يشارك الإسلام في اتصافه بصفة الحق- ما وعد الله رسوله بإظهار دينه على
الدين كله..
تلك حقيقة لا بد من اليقين بها.. ولا بد من
الجهر بها وعدم المبالاة في إظهارها.. وليس الجهر بها كما أثرت من قبل عصبية..
لأننا نحن المسلمين لسنا الذين ادعيناها، بل هي عقيدة قائمة على الدليل أعلنها
القرآن.
وقد يستدل بعض المجادلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62).
فيزعمون أن القرآن سوى بين الأديان وجعل
غايتها واحدة وهي الإيمان بالله والعمل الصالح.
ومثل هذا الفهم إنما هو انحراف في تدبر معاني
الكتاب الكريم، بل هو عدول عن الحقيقة الظاهرة للعيان..
فهذه الآية من سورة المائدة، وقد سبقتها الآية
الكريمة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا
التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْۗ
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا
وَكُفْرًاۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 68).
فكيف يتفق في السياق أن يوصف هؤلاء الذين لا
يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث بالهدى ودين الحق، من أهل الكتاب،
بأنهم كافرون.. ثم يعقبها قوله تعالى عن هؤلاء أنفسهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: 69).
وليس هذا فهمًا يتبادر إلى أي عقل على حظ من
الصواب..
بل الواضح للمتأمل أن الآية الثانية إنما هي
دعوة لهؤلاء الشاردين عن الحق أن يأووا إلى حمى الهداية وأن يؤوبوا إلى سبيل
الرشاد فيؤمنوا بالرسالة الخاتمة ويتبعوا النبي الأمي المبعوث بالهدى ودين الحق.
فلا سبيل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن
يزعم أن الإسلام يستوي مع هذه الأديان الموجودة بين الناس اليوم.. أو يدعو إلى
وحدة بين هذه الأديان، بدعوى مقاومة الاتحاد أو التصدي للعدو المشترك، إلى غير ذلك
من الشعارات الزائفة التي يقف خلفها أعداء الإسلام موجهين ومحرضين.. واليهود خاصة
وراء الكثير من هذه الدعوات التي تزعم التوفيق بين الأديان كدعوة الماسونية التي
افتضح أمرها وكشف النقاب عن كثير من أسرارها الهدامة.
أرسل الله تبارك وتعالى رسوله بالهدى ودين
الحق ليظهره على الدين كله..
ومعنى يظهره ينصره ويقويه ويؤيده كقوله تعالى
في سورة الصف: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا
ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: 14).
وقد تحقق هذا الوعد الكريم.. فظهر الإسلام على
الدين كله.. ظهر بأدلته وحججه وبراهينه.. وثبت لكل ذي عقل وبصيرة أنه الدين الحق
الذي لا حق وراءه.. وارتفع لواء الإسلام شرقًا وغربًا وامتلك قياد كثير من الأمم
التي عاشت أجيالًا طويلة من قبل تتبع دينًا غير الدين الحق.
في الشام والعراق.. في مصر وإفريقية.. وثبتت
أقدامه في هذه الديار.. حتى صنع تاريخها وامتلك قيادها ولا يزال.. ولعلنا نسمع في
بعض الأحيان من شرذمة من الحاقدين على الإسلام بقاءه ظاهرًا في الأرض حتى اليوم..
نسمع منهم التذكير بأن هذا القطر كان مسيحيًا قبل أن يدخله الإسلام، وأن عليهم أن
يعملوا لإعادته كما كان..
وكذبوا في ذلك وعبثت بهم الأوهام.. فما كان
لبلد استظل بظل الإسلام واستضاء بنوره أن يتخلى عن تلك النعمة أو يستبدل بها دينًا
آخر مهما كان.. وهذا الموعد الإلهي قائم في عصرنا وإلى أن تقوم الساعة ما دمنا نفي
بعهدنا ونصدق في جهادنا: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاۚ يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55)، وقد أدرك الصحابة -رضوان الله عليهم- دلالة
هذه الآية الكريمة ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33) ورأوا فيها
بشارة لا بد أن تتحقق وأخبارًا بغيب لا بد أن يكون، فكان أبو بكر الصديق -رضي الله
عنه- كما ذكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن إذا أرسل قائدًا في غزوة تلا عليه
هذه الآية وذكره بوعد الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يظهر دينه
على الأديان وأن يمكن له في الأرض.. وكذلك كان عمر يصنع، وكان سعد بن أبي وقاص
-رضي الله عنه- وغيره من أمراء الجيوش يذكرون ذلك لجنودهم ويحرضونهم على صدق
الجهاد في سبيل الله بسبب هذا الموعد الإلهي الذي لا يتخلف.
يقول الباقلاني تعقيبًا على ذلك: «وكانوا
يلقون الظفر في متوجهاتهم -أي حيثما اتجهوا في جهادهم لعدو الله- حتى فتح إلى آخر
أيام عمر -رضي الله عنه- إلى بلخ وبلاد الهند وكذلك فتح في أيامه بلاد فارس إلى
اصطخر وكرمان ومكران وسجستان وجميع ما كان من مملكة كسرى وكل ما كان يملكه ملوك
فارس بين البحرين من الفرات إلى جيحون وأزال ملك ملوك الفرس -أي المجوس- فلم يعد
إلى اليوم ولا يعود أبدًا إن شاء الله تعالى، ثم فتح إلى حدود أرمينية إلى باب
الأبواب، وفتح أيضًا ناحية الشام والأردن وفلسطين وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر
عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر، وهو ملك قيصر، وغزت الخيول في أيامه -أي أيام
عمر رضي الله عنه- إلى عمورية فأخذ الضواحي كلها، ولم يبق منها إلا ما حجز دونه
بحر أو حال عنه جبل منيع أو أرض خشنة، أو بادية غير مسلوكة» انتهى كلام الباقلاني.
وهذا كله كما يشير الباقلاني من آثار يقين
المؤمنين الأولين بوعد ربهم الكريم.. واليقين هو القوة الدافعة في ميدان الجهاد..
وهذا هو الفرق بيننا في حالنا البادية للعيان وبين هذا الجيل المثالي.. إنهم أخذوا
وعد الله سبحانه وتعالى يقينًا لا يتزعزع وجادوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل تحقيق
هذا الوعد الكريم، لأن تحقيق الوعد إنما يكون بسلوك أسبابه والالتزام بسنن الله في
كونه.. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: 62 - 63)، فالنصر الإلهي لا يأتي هكذا
مجرد معجزة خارقة لا تستند إلى أسبابها الكونية، وإنما لا بد لحصول هذا النصر
العزيز من سلوك السبيل الموصلة إليه والأخذ بالأسباب.. وإلا فما معنى أن يأمر الله
ورسوله والمؤمنين معه بأن يعدوا لجهاد عدوهم ما استطاعوا من قوة؟!
ولماذا لم يتركهم الحق تبارك وتعالى يكتفون
بالصلاة والدعاء والذكر.. اعتمادًا على أن الله سبحانه سيهزم أعداءهم بقوة من
عنده!
ومن هنا نفهم المفارقة الشديدة بيننا وبين
مثلنا الأعلى الذي صوره القرآن، لقد أتى على المسلمين حين من الدهر في عصور
الجهالة والضعف والتخلف، فكانوا يحسبون أن الله يدفع عنهم لمجرد كونهم مسلمين، دون
أن يأخذوا بالأسباب، ودون أن يتحملوا مشقات الجهاد..
سجل هذا التاريخ بكل أسى... حين اجتاح التتار
بغداد في عام ست وثلاثين وستمائة من الهجرة وأسقطوا الخلافة العباسية.. وتذكر
مصادر التاريخ الإسلامي أن جيش الخلافة في هذا الوقت كان لا يزيد عن عشرة آلاف
جندي!
ويقول ابن كثير في تاريخه: إن عدد الذين قتلوا
من المسلمين في بغداد بأيدي التتار، أو بسبب اختبائهم في القبور والآبار والحشوش..
قد بلغ ألف ألف.. أي مليون مسلم.. دفعوا الثمن غاليًا.. لأنهم لم يأخذوا
بالأسباب.. ولم يعدوا للجهاد ما يستطيعون.. وظنوا أن الله سبحانه يدفع عنهم لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: 38) ولم يفهموا
معنى هذا الدفاع الإلهي الكريم.. أنه حماية للمجاهدين وإمداد لهم بالقوة المعنوية
الدافقة وإلقاء للرعب في قلوب أعدائهم.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب
مسيرة شهر»، أي كان أعداؤه يخشونه وبينهم وبينه مسيرة شهر.. فلو علموا أنه صلى
الله عليه وسلم لا يجاهد هو وأصحابه، ولا يدافعون عن دينهم، وينتظرون دفاع الله
عنهم بملائكة يرسلها من السماء.. فهل كانت تقوم للحق قائمة.. أو يخشى بأس المؤمنين
عدو؟
ويحدثنا التاريخ بأسى أيضًا.. أن الحملة
الفرنسية حين هاجمت مصر خرج عامة الناس إلى الطرقات يقولون «يا خفي الألطاف نجنا
مما نخاف».. وظنوا أن الدعاء ينجيهم وحده من هذا البلاء، فأين هذا من دعاء النبي
صلى الله عليه وسلم في ساحة الحرب يوم بدر بعد أن أعد العدة.. ورسم الخطة.. وصف
الجنود؟ بعد هذا كله يرفع يديه إلى السماء يستنزل النصر ويستنجز الوعد ويقول: «اللهم
نصرك الذي وعدت.. اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض».
وفي غزوة أخرى قال صلى الله عليه وسلم
لأصحابه: «لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاثبتوا واعلموا أن الجنة تحت ظلال
السيوف»، ثم دعا فقال: «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم
وانصرنا عليهم».
فانظروا كيف صار القاعدون عن الجهاد التاركون
إعداد العدة يقنعون بعد ذلك بالدعاء، وهم عن أسباب النصر معزولون.. والحديث هنا ذو
شجون.. فقد قرأنا في مصادر التاريخ المعاصر أن بعض الولاة كان يطلب من الشيوخ في
الأزهر أن يقرأوا صحيح البخاري حتى يتحقق النصر لجيوشه التي كان يرسلها إلى بعض
الجهات..
وهذا قليل من كثير مما يمكن أن يسجله المتأمل
للمفارقة البعيدة بين واقع الأمة المسلمة في عصور الضعف والتخلف.. وبين الجيل
المثالي الأول الذي حمل رسالة الإسلام..
كان الجيل الأول يوقن بصدق وعد الله سبحانه في
قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33).. ولكنهم لم
يكتفوا بهذا اليقين، لأنهم يعلمون أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل.. فوضعوا هذا
اليقين موضعه الصحيح.. وأخذوا بكل الأسباب الممكنة التي يتحقق بها هذا النصر.. ولم
يظنوا أن المسلمين ينتصرون لمجرد كونهم مسلمين.. بل لا بد من حسن البلاء في
الجهاد.. ولا بد من الأخذ بالقوة والاستعداد..
وأراني أيها الإخوة قد استطردت أو أطلت في هذا
المعنى ولكن عذري أن هذه قضية الساعة.. وأنه لا بد من وضوح النظر إليها..
فالمسلمون اليوم بين فريقين.. فريق يعول على المادة ويدعو إلى منطق الأرقام
والحسابات كما يقولون.. وينادي بإغفال الجانب الروحي، فالنهضة لدى هؤلاء مادية
جامدة لا تقيم للعقائد والأفكار حسابًا.. وهؤلاء قلة في أمتنا المسلمة بحمد الله،
ولكنهم لا يسأمون من تكرار هذه الدعوات.. وفريق طيب حسن النية.. تختلط في ذهنه
الأخبار والآثار.. ومن هؤلاء من ينتظر انتصار المسلمين على اليهود بقوة خارقة دون
أخذ بالأسباب.. ويستشهدون بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل
اليهود والمسلمون مقتلة عظيمة، حتى يقول الحجر للمسلم: ورائي يهودي فاقتله»،
وهؤلاء يتركون التأمل في نص الحديث.. إنه يقول «يقتتل اليهود والمسلمون»..
والاقتتال لا يكون إلا بين جيشين.. فمعنى هذا أن هذا النصر الأخير على اليهود الذي
وعدنا به صلى الله عليه وسلم إنما يقوم على إعداد العدة أيضًا.. وعلى وجود القوة
المجاهدة في سبيل الله.. وليس نصرًا مع القعود والتواكل والإخلاد للدعة والحرص على
النعيم الزائل..
وبين هذين الفريقين يوجد المؤمنون العارفون
بحقيقة دينهم الفاهمون لحكمه.. ونرجو أن يصبح هؤلاء الكثرة إن شاء الله.
﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
كفى به سبحانه شهيدًا على كل ما جاء في هذه
الآية الجامعة.. كفى به شهيدًا على أنه سبحانه هو الذي أرسل رسوله.. وأنه أرسله
بالهدى ودين الحق.. وأنه تكفل بظهور دينه على الأديان.. ما دام المسلمون مستمسكين
به مدافعين عنه.. فلا حاجة بنا إلى شهادة أخرى.. ولا يجوز لنا أن نلتمس دليلًا على
صدق القرآن بغير منطق القرآن نفسه.. ومن هنا أعجب في كثير من الأحيان ممن يتعب
نفسه في نقل شهادات فلان أو فلان من الملل الأخرى على صدق الإسلام وصدق رسوله
-عليه الصلاة والسلام..
وأكتفي بترديد هذه الآية.. ﴿قُلْ كَفَىٰ
بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الإسراء: 96)، ولو كان أصحاب هذه الشهادات عدولًا، ولو كانوا
صادقين مع أنفسهم لكانوا أول من يبادر إلى اتباع الإسلام بعد أن تبينت لهم حقيقته
ووضحت أمامهم آفاقه.. ولكن ما معنى أن يشهدوا للإسلام بأنه حق.. ثم يظلون على
عقائدهم الجاحدة وأديانهم الخاطئة أو يعيشون بلا دين؟!
﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: 28)،
ولقد تكررت تلك الشهادة الإلهية في الكتاب الكريم في مثل قوله سبحانه: ﴿لَّٰكِنِ
اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِۖ وَالْمَلَائِكَةُ
يَشْهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 166)، وقوله تبارك وتعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو
الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(آل عمران: 18)، وإن اليقين ليقتضينا ألا نلتمس شهادة أخرى بعد شهادة الله سبحانه،
وعلى من عرف الحق من غير أهل الإسلام.. أن يبادر إلى اتباعه.. ﴿بَلِ اللَّهُ
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
(الحجرات: 17).
وبعد.. فأراني أيها الإخوة قد أطلت في تأمل
الآية الأولى من الآيتين اللتين جعلناهما محور هذا الحديث، ولكن في الحقيقة قد
أوجزت غاية الإيجاز.. فإن ما في هذه الآية من المعاني والحقائق وما تثيره من
القضايا وما نذكر به من المواقف كثير جدًا..
والقرآن الكريم كما جاء في الأثر: «لا تنتهي
عجائبه».
ومن هنا فإن علينا أن نكتفي في تدبر الآية
الثانية بالإيجاز والإجمال.. «محمد رسول الله» أي هذا الرسول الذي شهد له ربه
سبحانه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله.. وهذا أيضًا من باب
التأكيد والإيضاح والتثبيت، فبعد أن وصفه بصفته وهي الرسالة ذكره باسمه وهو محمد،
حتى لا تكون هناك شبهة ولا تأويل ولا موضع للمغالطة والجدال.. وقد ذكر اسمه الشريف
صلى الله عليه وسلم في القرآن في أربعة مواضع في كلها قد وصف بالرسالة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ
عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ (محمد: 2)، وقوله عز من قائل:
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب:
40)، وقوله سبحانه في هذه الآية: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾، وقوله سبحانه في
سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ﴾ (آل عمران: 144).
وهنا أراد الحق تبارك وتعالى أن يصف رسوله
والذين آمنوا معه بهذه الصفة الجامعة التي توضح عناصر المثل الأعلى لمن أراد
الاتباع والاقتداء، فوصفهم بأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمْ﴾ وما أعجبه من وصف دال على سلامة التكوين وصحة الاتجاه.. إن الشدة على
الكفار تكشف عن قوة الإيمان وعن الشجاعة في الحق، وعن وضع العواطف موضعها الصحيح..
فهل الإيمان إلا الحب والبغض؟ كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.. أي أن
تحب في الله.. وتبغض في الله سبحانه.. لا لهوى أو منفعة مادية.. وفي الحديث
الشريف: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان».
هؤلاء كانوا أشداء على الكفار... طاعة لله
سبحانه إذ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: 73)، ومن هنا كان حرص النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه على ألا يرى الكافرون منهم مظهرًا من مظاهر الضعف أو
التخاذل..
وينبغي أن نذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم
لأصحابه في عمرة القضاء.. «رحم الله امرأً أرى القوم قوة من نفسه»، ومن هنا جاءت
سنة الرمل، أي الإسراع في جزء من أشواط السعي بين الصفا والمروة.. حتى لا يظن
الكافرون بهم الوهن والضعف..
فهل يعقل المسلمون اليوم هذه الحكمة؟ وهل
يحرصون على ألا يظهر منهم أمام أعدائهم ضعف ولا فاقة ولا حاجة؟!
ومع هذه الشدة على الكافرين.. كانوا
﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ لأنه لا مجال للائقة أو الكبرياء مع الإخوة في الإيمان..
لا مجال للعزة الكاذبة.. بين من يؤمنون بالله واحد ويعملون من أجل غاية واحدة..
وقد أوضحت آية المائدة هذا المعنى أتم إيضاح في قوله سبحانه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي
اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54).. وحين يضع المؤمنون الشدة في موضعها.. والرحمة
في موضعها فإن الحياة تستقيم أمامهم على نهج الفطرة.. أما حين يكون اللين مع
الأعداء.. والشدة بينهم -فإن الميزان يختل والمثل يتبدل- والمفارقة تزداد بينهم
وبين جيلهم المثالي، وبعد إظهار هذه السمة المميزة للمجتمع الإيماني الصادق تأتي
سمة أخرى.. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًاۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح: 29)
ذلك مثلهم في التوراة، وعلى أي شيء يدل كثرة الركوع والسجود.. وظهور أثر السجود
على الوجوه؟ إنه يدل على معنى العبادة التي هي المظهر الأول للإيمان.. وقد تقدم في
وصفهم أنهم أشداء على الكفار.. حتى لا يقع في الأوهام أن هؤلاء متبطلون مرابطون في
الزوايا يكتفون بالصلاة والتسبيح.. ولكن وصفهم أولًا بالشدة على الكفار يدل على
أهليتهم للجهاد وكفاءتهم في ميادين القوة والاستعداد.. فركوعهم وسجودهم كان في
مجال الحياة.. لا في زوايا الرهبانية.. في ميادين القتال كانوا يركعون ويسجدون وفي
مواطن العمل والسعي كانوا يركعون ويسجدون.. فقد وصفهم ربهم بأنهم ﴿يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.
وابتغاء الفضل من الله قد جاء في القرآن
تعبيرًا عن السعي والضرب في الأرض التماسًا لرزق الله بالعمل والكفاح.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 198)، وقال
تعالى في التخفيف عن عباده في قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: 20).
فوضح من هذا التتبع لمعنى ابتغاء فضل الله أن
القرآن يعبر به عن السعي والعمل في سبل الحياة المشروعة وميادينها النافعة من
زراعة وتجارة وصناعة وأمور المعاش جميعًا..
فإذا تأملنا عناصر هذا المثل الذي ضربه القرآن
لمحمد صلى الله عليه وسلم والذين معه والذي ذكر القرآن أنه المثل الذي جاء في
التوراة التي أنزلت على -موسى عليه السلام- وجدنا هذه العناصر ثلاثة:
1. الجهاد في سبيل الله متمثلًا في الشدة على الكفار..
2. العبادة الخاشعة متمثلة في الركوع والسجود وظهور
أثر السجود على الوجوه..
3. العمل والسعي في ميادين الحياة المختلفة متمثلًا في
ابتغاء فضل الله.. وهو رزقه الحلال، ومع ابتغاء الفضل.. ابتغاء الرضوان.. أي أن
سعيهم وعملهم هو في الدائرة المشروعة التي يرضى عنها الحق تبارك وتعالى.
وفي كل عنصر من هذه العناصر مجال لقائل..
وزيادة لمستزيد.. ولكننا نكتفي في التأمل عند هذا الحد الموجز.
ونأتي أخيرًا إلى المثل الذي جاء في الإنجيل
-قبل تحريفه- لمحمد صلى الله عليه وسلم والذين معه.
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح: 29).
وهذا المثل قد استهدف التصوير التاريخي لنشأة
المجتمع المسلم، والتي ينبغي أن تكون نموذجًا لكل مجتمع مسلم في كل زمن ومكان.
لقد بدأ المجتمع المسلم بوجود فرد مؤمن.. هو
محمد صلى الله عليه وسلم الذي يعبر عنه القرآن في هذا المثل بالزرع.. أي نبتة تولى
الحق تبارك وتعالى غراسها.. فأخرج هذا الزرع شطأه.. والشطأ، فراخ النبات كما يقول
المفسرون - وكان هذا الشطأ الأصحاب الكرام -رضوان الله عليهم- من السابقين
الأولين.. الذين استجابوا لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل
معه.. وكثر هذا الشطأ ونما.. فآزر الزرع الأول.. أي تقوى النبات بما أخرجه من
فراخه.. فاستغلظ.. ثبت وقوي فاستوى على مكائد الأعداء.. فاستوى على سوقه.. استقام
وامتد.. وأصبح في طور إخراج الثمرات.. لا يمكن اقتلاعه من جذوره كما كان يطمع
الكافرون.. إنه نبات يعجب الزراع.. وهم أهل الخبرة بالنبات..
وهذه اللمحة القرآنية كانت تذكيرًا لأهل
الكتاب.. الذين كانوا يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم..
والذين كان أولى بهم أن يتأملوا ظهور دينه.. وحركته واستعداده ليروا فيها دليلًا
على صدقه وكونه حقًا من عند الله.. فهم أولى الناس بأن يعرفوا الفرق بين الدعوة
الصادقة والدعوة الكاذبة.. وأن يستدلوا بموقف الناس من الدعوة وموقف الداعي من
قومه.. على كونه رسولًا من عند الله، من هنا قال القرآن: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾
(الفتح: 29).. أي يشهد لهذا النبات بالقوة والاستواء أهل الخبرة بالزرع العارفون
بحقيقة الدعوات.. المدركون للفرق بين النبي الصادق.. وبين مدعي النبوة الذي لا بد
أن يخذله الله ويستدرجه.
هذه هي حركة الإسلام كما صورها القرآن.. شبهها
بالزرع والزرع لا يقوم إلا على جذور ممتدة في أعماق الأرض.. وهذه الجذور هي
العقيدة الصادقة في نفس كل مؤمن ولا يمكن أن يخرج زرع شطأه ما لم تكن له جذوره
العميقة وأصوله الثابتة..
ثم هي حركة تعاون وتآزر ووحدة وترابط.. الزرع
يخرج شطأه ليؤازره ويتقوى به.. لا ليصبح كل نبات بعيدًا عن الآخر.. يتركه للعواصف
تقلعه.. أو للرياح تذرو به.. فإذا قوي الزرع واستوى على سوقه.. وكان منه النبات
والثمرات.. فإن هذا ما يغيظ به الحق تبارك وتعالى الكفار.. وهم أبدًا في كل عصر..
يغتاظون من الإيمان والمؤمنين ويتمنون لو اقتلعوا جذور الإيمان من كل قلب.. ولكن
هيهات..
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43).
هذا مثلكم الأعلى أيها المسلمون.. محمد رسول
الله والذين معه.. اقتدوا بهم في الإيمان.. والجهاد.. والعبادة والسعي.. واقتدوا
بهم في التآزر والتعاون وقوة الارتباط..
حتى يغيظ الله سبحانه بكم كفار اليوم.. كما
غاظ بسلفكم الصالح كفار الأمس!
قال تعالى: ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ
بِعَزِيزٍ﴾ (إبراهيم: 20).
قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ
الْعَامِلُونَ﴾ (الصافات: 61).
قال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).