; المجاعة في القرن الإفريقي وسياسات عولمة الفقر | مجلة المجتمع

العنوان المجاعة في القرن الإفريقي وسياسات عولمة الفقر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000

مشاهدات 75

نشر في العدد 1398

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 02-مايو-2000

المجاعة التي تجتاح دول القرن الإفريقي - وفي مقدمتها إثيوبيا. هي واحدة من المجاعات التي تعصف حاليًا بحياة ألاف الملايين من فقراء العالم الذين يتركزون في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية؛ حيث تشير التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن هناك ما يقرب من بليون إنسان من سكان العالم الذين يعيشون خارج الدول الصناعية يعانون من ويلات الفقر، ومن تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ويذوقون لباس الجوع والخوف والمرض والجهل، وتتناوشهم المجاعات والحروب والأوبئة في مناطق عدة من القرن الإفريقي إلى شبه القارة الهندية وجنوب آسيا إلى أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي. 
وبقراءة الأرقام والإحصاءات التي تصدرها الهيئات الدولية المعنية بدراسة ظاهرة الفقر في العالم تتضح حقيقة مفزعة؛ وهي انساع دائرة الفقر في شعوب الأمة الإسلامية، ورغم ضخامة الثروات والموارد الاقتصادية التي تزخر بها أراضيها، فإن من بين أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي البالغ عددهم 52 دولة، هناك 25 دولة مصنفة ضمن أشد المناطق فقرًا في العالم، ويعيش فيها ٢٧٠ مليون نسمة. أي حوالي ربع سكان العالم الإسلامي كله. تحت خط الفقر الذي حدده تقرير التنمية الدولية (سنة ١٩٩٠م) بمبلغ ٢٧٥ دولارا أمريكيًا للفرد في السنة.
ولكن لماذا يتركز الفقر وتكثر المجاعات في بلدان الجنوب بصفة عامة وفي كثير من بلدان العالم الإسلامي بصفة خاصة؟
وقد يكون للعوامل الطبيعية. مثل: الجفاف والتصحر والأودية الفتاكة، والفيضانات المدمرة، دور ما في ذلك، بيد أن الأمر يرجع أساسًا إلى ظروف اجتماعية وسياسية تتسم بالاستبداد والدكتاتورية والفساد وشيوع المظالم الاجتماعية، وإخفاق سياسات التنمية التي اتبعتها حكومات تلك الدول على مدى نصف قرن مضى وكثرة الحروب والنزاعات الداخلية، وانعدام الأمن والاستقرار.
وإلى جانب هذا وذاك فإن سياسات الدول الاستعمارية الرأسمالية، والمؤسسات الاقتصادية والمالية التربوية التي تهيمن عليها وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كلها قند أسهمت في السابق ، ولا تزال تسهم بدور كبير في تكريس حالة التخلف وفي توسيع دائرة الفقر والحرمان في دول الجنوب بصفة عامة، وفي كثير من دول العالم الإسلامي بصفة خاصة، وذلك عبر عديد من آليات النهب المنظم للثروات الشعوب المغلومة على أمرها وإغراق حكوماتها في الديون وفوائدها الربوية الفاحشة التي وصلت في بعض الحالات إلى نحو 60% من أصل هذه الديون الأمر الذي أثار حفيظة كثيرين للتظاهر ضد الصندوق والبنك الدوليين في اجتماعهما الأخير في واشنطن خلال الشهر الماضي احتجاجًا على السياسات الاقتصادية غير الملائمة التي يتم فرضها على الدول الفقيرة والتي أدت إلى زيادتها فقرًا، في حين أدت إلى زيادة غنى الأغنياء.
إن «عولمة الفقر» صارت أبرز سمات النظام الرأسمالي الربوي المهيمن على الاقتصاديات والسياسات الدولية ففي كل هذا النظام تتسع دوائر الفقر باستمرار داخل المجتمع الواحد على المستوى المحلي، وفيما بين الدول الغنية والدول الفقيرة على المستوى العالمي، وذلك بفعل آلياته الظالمة التي لا تأخذ في حسابها الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للبشر ولا تهتم إلا بالأرقام وتعظيم الأرباح للأقوياء من المحتكرين والمرابين، وآكلي أموال الناس بالباطل محليًا ودوليًا، أما الضعفاء فمصيرهم في ظل هذا النظام، هو الوقوع في دائرة الفقر والمجاعات والحروب والفتن، وبينما تزداد أعداد الفقراء من الذين تطردهم قوي السوق إلى خارج مجال النشاط الاقتصادي، تضيق دائرة المحظوظين والمترفين حتى إن خبراء الدولة الاقتصادية باتوا يؤكدون على أن عشرين في المائة فقط من سكان الأرض هم كل ما يلزم لإدامة اقتصاد العالم والاستمتاع به، ومعنى ذلك أن يتعرض الباقون، وهم ٨٠% من البشر إلى غائلة الموت جوعًا، ومعنى تلك أيضا أن تصل سياسات عولة الفقر إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البشرية.
قد يحتج البعض بأن الدول الرأسمالية والمؤسسات الاقتصادية الدولية تمديد المساعدة للدول الفقيرة وبخاصة إلى الدول التي تجتاحها المجاعات على نحو ما تشهده إثيوبيا والصومال وموزمبيق والهند ...إلخ، ولكن الحقيقة المُرة هي أن هذه المساعدات على قلتها، يتم استخدامها كسلاح سياسي من قبل مانحيها من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة أولًا، وقبل كل شيء، وليس أدل على ذلك من أن المساعدات الغذائية التي تقدمها الولايات المتحدة للبلدان الإفريقية التي تعاني من المجاعات والكوارث تستغرق من 4 - 6 أشهر حتى تصل إلى تلك البلدان بسبب الحرص الأمريكي على أن تقدم المساعدات من فائض السلع الأمريكية ذاتها، وأن يتم شحنها على سفن أمريكية، دون غيرها، حتى وإن كانت أقرب وأسرع في إغاثة المنكوبين وبذلك يتم استغلال المجاعة والمأساة الإنسانية لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية رخيصة إذا ما قورنت بأرواح البشر التي يفتك بها الجوع.
ويزداد الأمر سوءًا ومأساوية إذا نظرنا إلى حال كثير من المجتمعات الإسلامية التي تعاني من آثار الفقر والإفقار المنظم؛ حيث تتفاقم منها المشكلات الأمنية وتعاني شعوبها من التفسخ الأخلاقي والتناحر الاجتماعي، وتتعرض عقيدتها لخطر الزبغ وأطماع المنصرين، الذين ينشطون في مثل هذه الظروف لزعزعة عقيدة المسلمين.
إن «عولمة الفقر»، وتوسيع نطاقه دليل على وجود اختلال هائل ليس في توزيع الثروات والموارد فحسب وإنما أيضًا في الضمير الإنساني الذي باتت تتحكم فيه الأهواء والنزعات الأنانية واللا أخلاقية، وفي نقل هذا الاختلال ليس من المستغرب أن تحقق كل محاولات التصدي لظاهرة الفقر في العالم، وأن تبوء بالفشل، كل السياسات التي طبقتها الهيئات الدولية المعنية بالموضوع منذ ستينيات القرن الماضي حتى الآن. 
وإزاء هذه الحالة المزرية، وفي مواجهة الأخطار المتزايدة التي تهدد مستقبل الأغلبية الساحقة من البشر؛ فإنه لا بد من منقذ ولا بد من علاج، ونحن المسلمين نملك هذا العلاج، وعلينا أن تقدم للعالم كله - وليس للشعوب الإسلامية وحدها - طوق النجاة من غوائل الفقر والكفر والجهل والمرض.
إن الإسلام ينظر للفقر كعدو للإنسان يجب التغلب عليه، وقرنه بالكفر والمعصية والمذلة وحض على سدِّ جميع المنافذ المؤدية إليه؛ فحرم كل معاملة اقتصادية جائرة مثل: الربا والميسر والتطفيف في الكيل والاحتكار والاكتناز والسرقة وغير ذلك هذا يؤدي إلى شيوع الظلم وسيادة المشيح، وكثرة المنازعات واختلال الأمن، ولم يكتفِ بذلك. بل دعا الإسلام أيضًا إلى تقديم المساعدة إلى الفقراء والمساكين. والأخذ بيدهم حتى يتمكنوا من كسب قوتهم من عمل يدهم، وحث الناس أجمعين على البذل والعطاء وعمل الخير، ابتغاء مرضاة الله وجعل اليد العليا التي تعطي خير من اليد السفلى التي تأخذ، وغير ذلك من المبادئ السامية، والنظم الرحيمة التي تكفل تحقيق العدالة والتضامن بين بني البشر، وتأخذ بيدهم إلى خالقهم سبحانه وتعالي وذلك كان الإسلام وسيقل وحده هو الحل لما تعانيه الإنسانية من مشكلات ومحن.
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل