العنوان المجتمع الأسري (العدد 1107)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 54
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 12-يوليو-1994
ما نقص مال من صدقة
كانت تنتظره بفارغ الصبر فهو الذي سيحل الله به الأزمات، فذلك المبلغ من المال الذي فازت به «سخاء» كمكافأة لها من وظيفتها على حسن سيرتها وسلوكها وإخلاصها في عملها. وما إن وضعته في حقيبتها حتى تناست ذلك الوعد الذي أبرمته بينها وبين نفسها أنها ستتصدق بثلثه في سبيل الله، واستغرقت زياراتها لمراكز التسويق عدة أيام، فهذا الثوب يصلح لارتدائه في مناسبة زفاف، وذلك جميل في حفلة نجاح إلى أن استضافت في خزانة ثيابها ما أنفقت عليه جميع ذلك المبلغ، وبعد أن أفاقت من فرحتها ومن الانبهار بالملابس والحلي والزينة وجدت أنها لم توفق في مشترواتها، وأحست بالحزن فأخذت تبحث عن السبب الذي محقت به البركة، فإذا هي تتذكر ذلك الوعد وأنها لم تتصدق في سبيل الله -كما عاهدت نفسها- واستغفرت الله على تقصيرها، ولامت نفسها الشحيحة على تفريطها، ودعت الله -عز وجل- أن يعينها على طاعته.
وذات يوم وهي تمسك بإحدى المجلات الهادفة، إذا بها تقرأ هذه القصة: بينما رجل يمشي في الصحراء إذا به يسمع صوتًا من السماء: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة (۱)، فإذا شرجة (۲) من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟
قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه، وفي رواية وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل(۳).
وبعد أن قرأت «سخاء» هذه القصة قررت أن تخصص من مدخر لها ثلثًا لمصروفاتها، وثلثًا تتصدق به في سبيل الله، وثلثًا تدخره بهدف تنميته عن طريق المشاركة في مشروع معين.
ومنذ ذلك الحين بدأت تذوق طعم البركة في جميع جوانب حياتها، وراح المال يتضاعف لديها بطريقة سريعة يتعجب منها الجميع، ولكن لم العجب والله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 245).
فليت كل منا تتخذ من «سخاء» قدوة لها لترى البركات تلاحقها في كل مكان.
نجلاء أحمد الظهار
1. الحرة: أرض بها حجارة سود كثير.
2. شرجة: جمع شراج وهي مسائل الماء.
3- رواه مسلم ۲۲٨٨/٤ رقم ٢٩٨٤، وأحمد ٢٩٦/٢.
للداعيات فقط
أُمّنا
لعلكم تتسالمون من هذه الأم التي سأتحدث عنها اليوم؟ ولماذا الحديث عن هذه الأم بالذات؟
حول تلك التساؤلات أجيب بأن هذه الأخت «الأم» التي نتحدث عنها هي أم فعلًا، ولا أعني بحديثي هذا أمومتها لأطفالها، بل أقصد معنى آخر، أقصد ذلك الشعور الذي تحسه كل واحدة منا تجاه التي هي في تعاملها مع الجميع تشعرهن بأنها أم لهن، رغم مقاربتها لهن في السن، بيد أنها بحنانها واهتمامها الذي تفيض به على الجميع كسبت الحب والاحترام.
أمنا هذه، ويطيب لي أن أناديها كذلك تأست بخلق زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين، في حسن خلقهن وسعة صدرهن وعظيم رحمتهن ولينهن مع المؤمنين والمؤمنات أبنائهن وبناتهن، أمنًا هذه تشعر كل أخت بأنها الأقرب إلى قلبها والأثيرة لديها، تنصت باهتمام واحترام لوجهات النظر المقدمة والآراء المطروحة من الجميع، وتتواضع للكل دون اعتبار للمهنة أو المركز.
أحببنا جميعًا أمنا «....» وتعلق بها الصغار والكبار على السواء.
إن مثل هذا النموذج الطيب نتمنى أن نراه يتكرر بين الأخوات العاملات في حقل الدعوة، فالعمل في هذا المجال لا يتطلب حماسًا وهمةً وثقافةً فحسب، بل خلقًا طيبًا وسلوكًا راقيًا يأسر القلوب ويدفعها في مسيرة الدعوة برفق يرتكز على أسس قوية.
سعاد الولايتي
مع كتاب الله
معايشة حية للداعية زينب الغزالي في رحاب القرآن الكريم
بقلم: د عبد الحي الفرماوي
أستاذ التفسير بجامعة الأزهر
يعتبر التفسير القرآني الذي تقدمه الداعية زينب الغزالي أول تفسير يطرح في سوق العلم والمعرفة الإيمانية تصنفه امرأة، ويتميز بأنه معايشة حية لكتاب الله تعالى بكافة جوانبه وجزئياته وأحكامه وعظاته.
فقد عاشت الداعية المجاهدة زينب الغزالي مع كتاب الله تعالى حياتها -بحلوها ومرها- تتلوه، وتستمع إليه يتلى، وتقرأ ما يعينها على فهم مراد الله تعالى فيه ومنه، وتلزم نفسها وتكيف واقعها على الالتزام بهذا الذي فهمت.
وعاشت هي والسيدات والأخوات المسلمات مع كتاب الله تعالى، فترات طويلة في جلساتها تحفها الملائكة حول مائدة القرآن العظيم.
وكانت الداعية المجاهدة تقرأ كتاب الله خلال هذه الجلسات، فتنسال عليها الخواطر من العليم الحكيم، لتنسكب في قلوب من يستمع لها أنوار الفهم لهذا الكتاب الكريم الخالد، وتنشرح لشرحها الصدور، وتستجيب خاضعة -بالالتزام- لربها القلوب والعقول والأبدان.
وكانت هذه الجلسات القرآنية تدون وتسجل؛ حتى برزت فكرة تحويل هذه المدونات إلى كتاب مطبوع؛ ليشيع خيره ويستمر نفعه ويدوم أثره، ويتجلى منهج هذه المعايشة لكتاب الله في النقاط التالية:
1. شرح الداعية المجاهدة للآيات وكشفها لمعانيها بعبارات سهلة وأسلوب واضح.
2. ذكر أسباب نزول الآيات، كلما تيسر ذلك لاستحضار جو النزول، وتقريب المعنى وتوضيح الحكم، وبيان إمكانية بل ضرورة تطبيقه، والالتزام به أمرًا كان أو نهيًا.
3. إظهار الترابط بين الآيات مما يفيد دقة التناسب، وبلاغة التسلسل، وجمال الإعجاز وجلاله، ووضوح المراد في النظم القرآني الشريف.
4. ربط معاني القرآن الكريم وأحكامه بواقعنا الذي نعيشه في محاولة صادقة لتقويم هذا الواقع على هدي هذه الأحكام، والأخذ بأيدي المسلمين أفرادًا وجماعات مع هذا التقويم، وذاك العلاج لربط حياتهم بهذه المعاني، وإسعادهم عن طريق الالتزام بهذه الأحكام.
5. التركيز الشديد على الجانب العملي في الإسلام والذي يقوم على:
أ) بناء الفرد المسلم، على أساس فهم سليم، ومعرفة واسعة شاملة لهذا الدين، وثقة فيه عقيدة وشريعة، والتزام به وتطبيق له.
ب) بناء البيت المسلم، في تكوينه، وفي تسييره، وفي تقويمه، على أساس من عقيدة سليمة، وخلق قويم، وعواطف صادقة، بما يعين أفراده على السكن في حياتهم، ويشيع المودة بينهم في تعاملاتهم.
ت) تكوين الأمة الإسلامية، التي يبنى أفرادها، وتتكون أسرها على الأسس والمعاني السابقة، ليكون للدعوة حصاد، وللإسلام جسد ينمو ويتحرك ويتقدم عملاقًا، يبدد الجهل، ويحارب الظلم، وينشر العدل، ويشيع الأمن، ويخرج الناس من ظلمات الأرض وعبادة طواغيتها، والخضوع لمادياتها، إلى نور الإسلام، وحرية العبادة لرب السماوات والأرض، والتعالي على ماديات الحياة وأركاسها، وأدناسها، في ظل وجود الدولة الإسلامية.
6. الدعوة القوية إلى إحياء فرائض الإسلام الغائبة، من مثل:
أ) الحكم بما أنزل الله، والعمل بما شرع إنقاذًا للعباد، وإحياءً للبلاد. وتربط الداعية المجاهدة بين ما يعانيه المسلمون في واقعهم من تخلف وهوان، وبين إهمالهم تحكيم شرع الله فيهم.
ويحس القارئ بلوعة الداعية المجاهدة لتغيب ما أنزل الله من تشريع عن حياتنا وأحكامنا وأنظمتنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، إلخ.
كما يشعر -مع ذلك- بثقتها المطمئنة في أن الله تعالى سيتغمد اتباع هذا الدين برحمته، ولن يتخلى عن إسباغ نعمته عليهم الله بتمكينهم من العمل بشرعه، والتزامهم بهديه مهما حيل بينهم وبين ذلك.
ب) وجوب الجهاد في سبيل الله تعالى لجعل كلمة الله هي العليا، وإزالة العوائق من طريق تبليغها، ونصرة الإسلام وأهله، والذود عن حياضه بوعي وعلم، وامتلاك للقدرة المؤهلة لذلك، لتعود للإسلام دولته، ويأخذ المسلمون دورهم فيما يحقق خيريتهم من إيمان بالله تعالى، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر بعز واقتدار، يمكنهم من كلمة الحق تقال والنصيحة المخلصة الواعية تقدم.
7. الإكثار من التوجه إلى الله تعالى بالحديث المباشر، والدعاء إليه تعالى -بقلب مفعم بالثقة في الإجابة- عقب آيات الوعد، والاستعاذة عقب آيات الوعيد.
8. اعتماد الداعية المجاهدة على الصحيح من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما تستشهد به منه في معايشتها مع كتاب الله تعالى، واستشهادها بالحديث النبوي قد يكون لبيان معنى الآية وتوضيحها، كما يكون لضرب المثل بالحديث الشريف المقرب لمقصود الآية ومعناها. كما يكون -كذلك- لزيادة الأنس والإمتاع ببیان تعانق الحديث الشريف والآية الكريمة حول المعنى المطروح في الآية القرآنية.
لقد وصلت معايشة الداعية المجاهدة مع كتاب الله تعالى إلى ما أرادت لها صاحبتها أو كادت ما ألبسها ثوبًا قشیبًا، ترفع به هامتها، وتتبوأ مكانتها في مكتبة تفسير القرآن الكريم الرفيعة المنزلة العالية القدر.
نسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه نافعًا لعباده وزادًا في الدرب إلى الآخرة.
حق البنات على الأمهات
زرت صاحبتي بعد طول غياب، ولفت نظري وجود صبية صغيرة عندها، فقلت لها: هلا عرفتيني بهذه البنت الصغيرة؟ أجابت: إنها ليست بنت يا عزيزتي؛ بل هي امرأة متزوجة، وستصبح أمًا بعد عدة شهور عمرها ستة عشر عامًا، زوجها زميل لزوجي في العمل، ومنذ أن تزوجت تداوم عندي، سألتها باستغراب: تداوم؟ أجابت لا تندهشي فهي تخرج من بيتها مع زوجها صباحًا، ويأتي زوجها ليأخذها من عندي ظهرًا، ثم تعود إلي عصرًا عند ذهاب زوجها لعمله، وتظل عندي حتى الثامنة مساءً وهذا يتكرر يوميًا، عدا يوم الجمعة فقلت: لابد أن زوجها يريد لها أن تأخذ عندك دورة في تدبير المنزل وفن الطهي، فقالت: ليت الأمر كذلك، إذن لعلمتها كما أعلم أخت لي وينالني من ورائها أجرًا، ولكنها تأتي لأنها تخاف من المكوث في بيتها وحدها -أو هي لا تريد ذلك- وتظل طوال الوقت تلعب مع أولادي الصغار أو تشاهد التلفاز، وليس عندها استعداد لتعلم شيء، وأصدقك القول، لقد مللت من هذا الوضع الشاذ والذي فيه اعتداء على حريتي في بيتي، ولكني خجلة من مصارحتها.
هذا الوضع الغريب من كان السبب فيه؟ على من أضع اللوم أعلى زوجها الذي ينفذ رغباتها دون تفكير؟ أم على صاحبتي التي فتحت لها بيتها هذه الشهور حتى شجعتها على هجر عشها الجديد الذي لم تألفه بعد؟ أم على المسئول الأول والأكبر وهو أمها التي زوجتها ولم تهيئها لمهام حياتها الجديدة، إن الزواج المبكر خير وأفضل للبنت في هذا الزمان، بل هو مقدم على التعليم والشهادة والزواج لا يمنع المرأة أن تكمل تعليمها إن أرادت ذلك، وكثيرات قد تعلمن ونجحن وهن متزوجات.
أحب أن أذكر كل أم تحمل على عاتقها الأمانة التي أسندها الله إليها أن تتقي الله في بناتها، ولا تتركهن دون عناية وتوجيه، فتعلمهن أمور دينهن، خاصة ما يتصل بفقه المرأة المسلمة، وتعلمهن كل ما يحتجنه في مستقبل حياتهن حقوق الزوج وآداب التعامل معه، القرار في البيوت وأهميته لكل امرأة مسلمة، يكفي أنه تنفيذ لأمر الله وقرن في بيوتكن، إدارة المنزل العناية بالطفل الطهي، إلخ، وكل ما من شأنه أنه أن يجعل منها امرأةً صالحة وأمًا مخلصة، ولتكن كل أم في بيتها قدوة حسنة لبناتها، ونتذكر دائمًا حديث الرسول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها».
أم صهيب جعابو
قطوف أدبية
احذري
احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر، واجعلي أخص طباعك الحذر وحده.
احذري تمدن أوروبا أن يجعل فضيلتك ثوبًا يوسع ويُضيق، فلبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها.
احذري فنهم الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن.
احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة، إنها انتهاء المرأة بغاية الظرف والرقة إلى الفضيحة.
احذري تلك النسائية الغزلية، إنها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أن.. أن تشارك البغي في نصف عملها.
احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس، لقب «المرأة الثانية».
واخترع لقتل لقب العذراء المقدس، لقب «نصف عذراء». واخترع لقتل دينية معاني المرأة كلمة «الأدب المكشوف».
وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب.. فاكتفي الرجل بزوجة ساعة.
وإلى اختراع استقلال المرأة، فجاء بالذي اسمه «الأب» من الشارع، لتلقي بالذي اسمه «الابن» إلى الشارع. أيتها الشرقية احذري احذري.
مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم.
جمعية التربية الإسلامية في البحرين تقيم حفل الزفاف الجماعي الخامس
البحرين – المجتمع
بعد النجاح الكبير الذي حققه مشروع الزواج الجماعي الأول والثاني والثالث والرابع الذي أقامته إدارة صندوق الإنفاق الخيري بجمعية التربية الإسلامية في البحرين، ولاقى دعمًا وتشجيعًا كبيرين من كافة الأجهزة والمؤسسات في كل من القطاعين العام والخاص، تقيم جمعية التربية الإسلامية يوم ١٣ يوليو الجاري حفل الزواج الجماعي الخامس بمركز البحرين الدولي للمعارض بمشاركة واسعة وتشجيع كبير.
يذكر أن فكرة الزواج -الزفاف الجماعي- قد لاقت رواجًا ومشاركة وحققت نجاحًا كبيرًا في عدد من الدول الإسلامية كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والسودان والبحرين.
زوجتي امرأة عاملة
اعترافات زوج
يوم وفقني الله لاختيار شريكة حياتي زاد من سروري وبهجتي بجانب كونها جميلة أنيقة ومتعلمة وعلى قدر مقبول من التدين أنها تعمل منذ فترة في دائرة حكومية وتتقاضى مرتبًا جيدًا.
لم يكن ذلك طمعًا أو حبًا في الاستغلال، ولكن تصورت أن ذلك سيدعم دخل الأسرة ،ويقوي بنيتها الاقتصادية، وبذلك نستطيع أن «نخبئ قرشين» للمستقبل.
حصل الزواج وجرت مراسيمه على أطيب ما تكون، وانتهت أجازة «شهر العسل» وعادت الزوجة إلى مكتبها بدوام كامل من السابعة والنصف صباحًا وحتى الثانية والنصف بعد الظهر، وهنا بدأت المتاعب، كان عليَّ أن أذهب إلى مكان عملها وأعود إلى عملي، ثم إذا انتهى الدوام أذهب فأحضرها، ولم يكن الأهل قريبي السكن منا، فكان أمامنا خيارين إما أن نشتري طعامًا جاهزا أو أن نبدأ «أقول نبدأ» سويًا بتحضير طعامنا في البيت؛ لأني لم أكن أسمح لنفسي بتركها تعمل وحدها بعدما عانت الساعات الطويلة من العمل. وكنت أرى زوجتي بعد عودتها من العمل تبدو مرهقة شاحبة اللون متغيرة المزاج شاردة التفكير وازداد الأمر سوءًا بعد بضعة أشهر عندما تبين وجود حمل، كنت أطلب منها أن تقوم بالأعمال السهلة وألا تجهد نفسها، ولكنها في كل يوم كانت تبدو على غير الأيام السابقة.
ذات يوم فوجئت بمكان عملها يتصلون بي هاتفيًا «الحق زوجتك» وبعد أن وصلت وتم نقلها إلى المستشفى تبين أنها قد أجهضت، وخسرنا الجنين الأول إلى غير رجعة، فجعنا للمصيبة وقررنا إجراء كافة التحاليل لتشخيص أية أسباب قد تكون وراء ذلك لتفاديها وعلاجها، لكن الاستشاري لم يستطع أن يحدد أي سبب كان كل شيء «طبيعي».
كنت أثق بهذا الاستشاري لأنه رجل متدين وخلوق وعارف صنعته وذات يوم وبعد مراجعته، أسر لي أن زوجتك تعاني مما تعاني بسبب العمل، وفوجئت بذلك وقلت سائلًا: ما صلة العمل بالإجهاض وعدم الإنجاب؟ فقال بثقة كبيرة: يا صديقي، هذه مشكلة كبيرة في بلاد الغرب، بدأت للأسف تنتشر في بلادنا وهي مشكلة ما يسمى بـ «الجنس الثالث» أي النساء اللواتي لا يلدن ولا يحملن، وإذا حملن يجهضن، أكاد أقول: إنني صعقت للخبر «فزوجتي جنس ثالث» غير معقول.
بعد انتهاء مفعول الصدمة، سألت صديقي الطبيب وما العمل في رأيك؟ قال: سنعطي زوجتك بعض الهرمونات هرمونات الهرمونات، ولكن الحل الأفضل هو ترك العمل والتفرغ للبيت، ليجري تحولًا کاملًا وعامًا في البنية الهرمونية و«السيكولوجية» للزوجة، كان العلاج بالنسبة لي أعجب من «المرض».
حرت في الطريقة التي أواجه بها زوجتي بما قال الطبيب، ولكن حيرتي لم تطل؛ حيث عثرت في مجلة جيدة السمعة على مقال بالضبط يخص حالتها، كان مما قال كاتب المقال «الجنس الثالث: المرأة العاقر المرأة العاملة»، العمل سبب ذلك كله، إن التوازن الهرموني اللطيف والدقيق في جسم المرأة ليصاب بالاضطراب، وهذا مع احتمال بقاء النسب عادية أو قريبة من العادية، واختلاف هذا التوازن اللطيف يؤدي إلى عدم اكتمال دورة البويضة ونضوجها وحصول التلقيح وغيره من تعلق للنطفة الأمشاج بالرحم.
عرضت المقال على زوجتي في لحظة هدوء، ونحن نتناول فنجانًا من القهوة، وبعد أن قرأت هي المقال قلت لها: ما رأيك نعمل حسابًا للنتائج والميزانية المترتبة على عملك، ونرى إن كان الحاصل في صالحنا أو لا، وقبلت بكل هدوء واستغراب من جهتي أنا، فقلت لها: ما نستفيد من عملك هو المردود المادي ولقاءك مع صديقاتك أليس كذلك؟ قالت: بلى. وقلت أيضًا: ونخسر أكثر من ذلك فأنت تخالفي قواعد شرعية معروفة وثابتة مثل قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ (الأحزاب: ۳۲)، ثم أنتِ تخسري صحتك وتفقدي كذلك أنوثتك، أي أفضل ما تتباهى به المرأة؛ بل وتتحولي إلى مخلوق جديد «الجنس الثالث» كل هذا لك، ولمن عندهم أطفال هناك متاعب أكثر، وهي كيفية الاعتناء بالأطفال وتربيتهم، وربما تسليمهم للغير مما يعطي نتائج مدمرة على النشء الجديد، وأما عن راتبك فإنه قد ساهم في زيادة طلبات البيت الترفيهية والتغير المستمر للعفش والجري وراء سراب الموضات، وبالتالي خسرناه بلا فائدة تذكر.
كانت فعلًا ساعة رحمانية تلكم الساعة، فقد انفتح قلب زوجتي ورأيتها وهي تصغي للكلام كان على رأسها الطير، ثم قالت: تريد الحقيقة يا زوجي العزيز؟ قلت: طبعا، قالت: والله إنني لأعلم أن الأفضل لي ألا أعمل، وإنني لأعلم الامتهان الذي تلاقيه المرأة بالعمل والعنت الذي تكابده خلال ذلك مع ما هو مطلوب منها داخل البيت، ولا محالة أنها ستقصر في أحدهما، أو لن تتم الاثنين معًا، وكذا التغير الذي يطرأ على جسم ونفسية المرأة العاملة.
استقالت الزوجة وبدأ هدوء جميل يخيم على بيتنا وسعادة من نوع جديد تغمرنا مع تفاؤل لذيذ بالمستقبل، وكانت الفرحة الكبرى حينما حملت زوجتي بعد عام كامل من الاستقالة، ورزقنا بمولودنا الأول، وها نحن نحيا اليوم حياة كلها بشر وأمل، والزوجة في البيت تحيا لي ولطفلي وتقول: ليت كل امرأة عاملة تعرف قصتي.
زوج
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل