العنوان المجتمع الأسري- العدد 1719
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006
مشاهدات 100
نشر في العدد 1719
نشر في الصفحة 62
السبت 16-سبتمبر-2006
يدري الخلاص من الشقاوة من شقي
رغداء زيدان
لو رجعنا إلى المعاجم اللغوية وبحثنا في معنى كلمة «الحرية» لوجدنا أن العرب تصف الشيء بأنه «حر» للدلالة على خلوه من الشوائب التي قد تغير من صفاته المميزة، فيقولون مثلًا: «ذهب حر» أي خالٍ من الشوائب الأخرى التي تختلط بمعدن الذهب فتنقص من قيمته وتغير من صفاته.
ولكننا نستخدم كلمة الحرية اليوم للتعبير عن حالة الانفلات من القيد، وبهذا نحول معنى الكلمة إلى وجهة جديدة لا تعبر عن معنى الكلمة الإيجابي، فهي تحمل معنى النقاء والتميز، فالحر من أي شيء هو من لا تشوبه شائبة تؤثر على كيانه فتغير فيه، وهي من جهة أخرى تحمل معنى الفاعلية، فإذا اتجهنا للإنسان ووصفناه بالحر، فنحن نعني أنه الانسان الذي استطاع أن يتخلص من كل الصفات التي تخرجه عن إنسانيته، وبهذا فإننا إذا استخدمنا كلمة الحرية عكسًا للعبودية فإننا نستخدمها بشكل إصلاحي، فكأننا نقول إن العبودية هي صفة سلبية، إذا دخلت على الإنسان أخرجته عن إنسانيته وجعلته مخلوقًا آخر لا يستطيع القيام بما توجبه عليه صفته الإنسانية، ووظيفته التي خلقه الله من أجلها.
وإذا دققنا النظر فيما سبق فإننا سنصل إلى فكرة أخرى، وهي أن التحرر كفعل، يستلزم شعورًا بالشائبة أو المعوق الذي دخل على الشيء فمنعه أو أعاقه عن القيام بوظيفته التي كلف بها، ولتوضيح الصورة نأخذ مثلًا «تحرير» المرأة، هذا المطلب الذي ما زلنا نسمع كلامًا كثيرًا حوله، وخصوصًا في وقتنا الحالي.
فتحرير المرأة يستخدم كمصطلح يقصد به تخليص المرأة من كل المعوقات التي تمنع قيامها بوظيفتها في المجتمع، بصفتها امرأة حرة، ولكننا إذا نظرنا إلى الدراسات التي اهتمت ببيان هذه المعوقات تمهيدًا لتخليص المرأة منها، وجدنا أن معظم الدعوات اتجهت إلى اعتبار الحجاب مثلًا معوقًا من هذه المعوقات، فكثرت الكتابات التي هاجمت الحجاب، وحاولت إقناع القارئ بسخفه وعدم ضرورته، بل إن بعض هذه الكتابات جعلت القارئ يظن أن خلع الحجاب سيكون هو المخلص الوحيد لهذه المرأة المسكينة!
وبالطبع فإن هذا ليس صحيحًا، فأنا كمحجبة لا أشعر مثلًا أن حجابي معوق لي، يمنعني من أداء عملي وخدمة مجتمعي، ولكن المعوق الذي أشعر به هو تلك النظرة لحجابي على أنه معوق، فكثير من الوظائف تمنع استخدام المحجبات، وكثير من الناس، وخصوصًا من يدعي التثقف منهم، ينظر نظرة احتقار واستخفاف للمرأة المحجبة، ومسلسلاتنا خير دليل على هذا، فغالبًا نجد أن المحجبة هي امرأة جاهلة متخلفة، متعصبة، بل وراضخة ذليلة، وبهذا تصبح هذه النظرة إلى حجاب المرأة هي المعوق للمرأة وليس حجابها بحد ذاته.
وحتى نكون منصفين يجب أن نقول إن النظرة المعاكسة لهذه النظرة، والتي تعتبر المرأة عورة كلها هي أيضًا نظرة معوقة لتحرر المرأة، وليست بأفضل حال من النظرة الأولى، فكثير من الناس يعتقد أن المحجبة يجب عليها التزام بيتها، ويجب عليها الانعزال، بل حتى لا يجوزون لها المشاركة في النشاطات الترفيهية البسيطة بحجة «أنت محجبة وهذا لا يليق بك».
وبسبب هذا التقدير الخاطئ والدراسة السطحية لمعوقات تحرر المرأة، دخلنا في معارك ثانوية، وابتعدنا عن الموضوع الأساسي، فهل ما نراه من عري من قبل معظم من يمتهن الغناء اليوم، من مؤديات لا يمتلكن من مؤهلات الغناء شيئًا، ولكنهن يمتلكن استعدادًا لكشف أكبر قدر من مفاتن الجسد، وقدرة على التمايل وتمثيل إيحاءات مثيرة، هل ارتقى بهن ذلك حتى أصبحن متحررات فعلًا من معوقات تمنعهن من أداء وظيفتهن في المجتمع ؟ أعتقد أنني سأسمع جوابًا سيكون مطابقًا لقول الشاعر، الذي يمثل النظرة السطحية إلى وظيفة المرأة، والتي تحصرها في تأمين المتعة فقط، حين قال:
من النساء حبائل الشيطان * يعنو إليها أشجع الشجعان
يسلبن ألباب الرجال بنظرة * واللحظ مغناطيس كل جنان
فإذا مشين وملن في حلي وفي * حلل أثرن مكامن الأشجان
وإذا سفرن عن المحاسن للورى * فهناك مصرع كل قلب عاني
ومن الأمور التي يبحثها الباحثون حول معوقات تحرر المرأة، وليست هي من المعوقات فعلًا، مسألة المساواة مع الرجال في كل شيء، وهذه الدعوة هي من السطحية بمكان بحيث إنها ترمي -فيما ترمي إليه- إلى تغير طبيعة المرأة نفسها، فالرجل والمرأة متكاملان ولا يمكن أن يتساويا، وليس في كلامي هذا انتقاص للمرأة، ولا تفضيل للرجل، فالتفاضل يكون بين أشياء متماثلة، فنقول على سبيل المثال: هذا النوع من القماش أفضل من هذا النوع، فالنوعان متماثلان ولكن في أحدهما مميزات أفضل من الآخر، ولكن لا يجوز أن أقول مثلًا إن هذا المشط أفضل من هذا الكرسي، فالمشط شيء مختلف عن الكرسي في خصائصه الأساسية، ولا يمكن المقارنة بينهما.
وبالنسبة للمرأة والرجل لا يجوز أن نقول: الرجل أفضل من المرأة، أو أن المرأة أفضل من الرجل، كما لا يجوز لنا أن نطالب بمساواتهما ببعضهما، لأنهما متمايزان، ولكنهما بنفس الوقت ليسا منفصلين، فلا يتم عمل أحدهما دون الآخر، لذلك فهما متكاملان.
ابنتي سامحيني
سمية رمضان
أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية
سبحان الخالق العظيم في إبداعه لخلقتك المزدانة ببسمة ثغرك الرقيق، وما أجمل شعرك الفاحم المنسدل مقبلًا وجنتيك قبل أن تتعانق أهدابك الطويلة البديعة، والتي تسأل الله الهداية والنوم الهنيء، وما أروع ما يتوجك الله بهذه البراءة فوق كل ما أبدع فيك فخلدت إلى النوم مستقرة هادئة، بالرغم من كل ما عانيت طوال هذا اليوم العصيب.
لقد اعتذرت إلى الله لعله يتقبل ويغفر وهو الغفور الرحيم، فهل يجديك حبيبتي اعتذاري لك؟ فلقد قسوت على نفسي وعليك وتسببت في بعض ما تعانين منه الآن، وها أنا أتذكر يديك الرقيقتين اللتين طالما مددتيهما إلي في توسل حتى أضمك إلى صدري وأقوم بإرضاعك بما حباني الله به من نعمة.
وكثيرًا أيتها الوديعة ما تهربت منك طالبة من مربيتك أن تقوم بإطعامك بالأغذية البديلة حتى يحين موعد الإفطار، فإني صائمة ولست قادرة على إرضاعك، ولم أكترث باحتجاجك ورفضك تناول هذه الأطعمة، حتى حين كنت أستجيب لدعوتك وأضمك إلى صدري لم يكن لدي من الحليب ما يكفي حاجتك، وعندها تواصلين الصراخ، ما أقسى قلب أمك حينذاك، وبالطبع لن يشفع لي عندك حبيبتي أني أود صيام رمضان هذا العام ولي من السنوات ثلاث، وأنا مفطرة برخصة من الله، إما حامل أو نفساء، أو مرضع، فأصررت هذا العام على الصيام وقد أنساني الشيطان أنه لا بد لي من التغذية الجيدة حتى أحافظ على صحتي ما أستطيع به أن أستمر في إرضاعك فصمت ولم أهتم بالتغذية الجيدة.
لقد كنت حقًا سعيدة لصيامي هذا الشهر المبارك، ولكن نظرة واحدة إليك الآن وأنت نائمة متصل بوريد في قدمك محلول التغذية، وقد سخر سبحانه لك الطبيبة والممرضة لعلاجك من التهاب رئوي ناتج عن سوء التغذية، وقد أدمى قلبي، وها أنت تزفرين الآن وتستيقظين منزعجة، فلعلك تتذكرين ما حدث لك طوال هذا اليوم العصيب وهم يبحثون في جسدك الرقيق عن وريد ظاهر لوضع المحلول أو لأخذ عينات من الدم، والله وحده أعلم كم ينتظرك من أيام وأنت على هذا الوضع الذي يؤلمني ويجعل يديك الرقيقتين الممتدتين إلى ماثلتين أمام عيني تكاد لا تفارقني، لقد بدأ وجهك الملائكي يذكرني بما أعلم، نعم فقد رحم الله كلينا، وسمح للمرضع بالإفطار إن أدى صيامها إلى الإضرار بها، أو بوليدها، وذكرني وجهك المضيء بأننا يجب في هذه الحياة الدنيا أن نفعل ما يرضي الله بصرف النظر عما نحبه نحن، فالله وحده يعلم الخير - فإن فعلنا ما يرضيه تكون في ذلك السعادة وراحة النفس، ولعلي قد أدركت الآن مدى ما عاناه الشاب الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، يروى عن ابن عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال صلى الله عليه وسلم: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (رواه البخاري).
وهذا في جهاد التطوع.
فضحى الشاب بما يمكن أن يشعر به من سعادة وفخر في الجهاد الحربي، وامتثل لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في إرضاء المولى جل وعلا، قسمات وجهك البريء تعاتبني الآن وتذكرني بأن الله يحب من يستخدم رخصه، ولكن ابنتي أمك ما هي إلا أمة من إماء الله وعباد الله جميعًا خطاؤون بطبعهم، وقد وعد الله بالعفو عند الاستغفار والتوبة الصادقة المخلصة، وإني إلى الله تائبة.
فسامحيني ... ابنتي.