العنوان المجتمع الأسري (1514)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 60
السبت 17-أغسطس-2002
الشقيقتان فاطمة وزهيرة عابدين: نموذج مشرف للمسلمة المعاصرة
فاطمة.. الأم العلمية لآلاف الأساتذة والطلاب..
وزهيرة رائدة مجددة في الدعوة الإسلامية
الشيخ محمد الغزالي: بمثل هاتين النابغتين تتكامل الصورة الحقيقية للإسلام في عالم النساء والرجال
القاهرة: محمود خليل
مثل قصة «اليمامتان» التي قرأناها ونحن صغار، فاستجمعت فينا كل معاني النبل والأصالة والوفاء، في شجن أصيل ووفاء نادر تألقت به كؤوس المعاني الأديب الإسلام المرموق مصطفى صادق الرافعي عاشت اليمامتان» «فاطمة» و«زهيرة» عابدين عمرًا مديدًا، وقدمتا عملًا مجيدًا للإسلام والمسلمين في رحلة علمية وعملية قل إن تجد لها مثيلًا. إذ كانتا مثالًا حيًا لعطاء المرأة المسلمة العاملة على مدى تسعين عامًا، وهما تقفان شامختين صادقتين أمينتين في الصف الأول من رباط هذه الأمة الوارثة الشهيدة.
الشقيقة الكبرى «فاطمة عابدين» من مواليد ٢٥ مايو عام ۱۹۱۲م. والصغرى «زهيرة عابدين» من مواليد ۱۷ يونيو عام ١٩١٣م. نشأنا في وسط ثري أرستقراطي، فوالدهما حسين باشا» عابدين، كان عضوًا بمجلس الشيوخ، وتلقى دراساته في القانون في فرنسا. لكنه عاش حياته ومعه أبناؤه جميعا في رحاب الإسلام، إذ غرس حب الله تعالى ورسوله ﷺ في نفوس أطفاله منذ الصغر.
«الملكة الأم»، الدكتورة فاطمة عابدين توفيت في ١٦مايو ۲۰۰۲م، بعد حياة ملؤها العلم والعمل والجهاد. فهي أول امرأة تحصل على الدكتوراه وذلك عام ١٩٤٩م، وهي التي أنشأت قسم «الباثولوجي» بجامعة الأزهر، وهو من أهلم فروع الطب. إذ يدرس تأثير الأمراض على أنسجة الجسم، وظلت تدرس هذه المادة لتلاميذها أكثر من خمسين عامًا، حتى أطلق عليها أساتذة وطلاب الطب في العالم الإسلامي لقب «الملكة الأم»، إذ كانت الأم العلمية والروحية لآلاف الأساتذة والطلاب، كما أطلقت جامعة الأزهر اسمها على متحف الباثولوجي» الذي جمعت عيناته من أنحاء العالم على مدى عمرها العلمي المبارك الطويل. فهي أول من اكتشف حقيقة السائل «الأمينوسي»، وهو السائل المحيط بالجنين داخل الرحم على مستوى العالم، ولها ٧٥ بحثًا علميًا، وكان لها فضل الريادة في اكتشاف وتفسير الكثير من الأمراض. علاوة على أنها أول امرأة مصرية تفوز بجائزة الدولة التقديرية عام ١٩٨١م.
«الملكة الأم» «وأم الأطباء»
«أم الأطباء» الدكتورة «زهيرة عابدين»، كانت مؤسسة متنقلة من العلم والعمل والنجاح والتوفيق. توفيت قبل الدكتورة فاطمة بتسعة أيام وذلك في ۷ مايو ۲۰۰۲م. ويعتبرها البعض إحدى المجددات الرائدات في الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، أمضت حياتها أستاذة لطب الأطفال، إذ كانت أول امرأة مسلمة تحصل على شهادة العضوية الملكية في الطب من جامعة لندن بإنجلترا عام ١٩٤٨م والدكتوراه الفخرية من جامعة أدنبرة عام ۱۹۸۰م، كما حصلت على درجة الزمالة الفخرية من جامعة لندن عام ١٩٧٤م.
بدأت دراسة الطب عام ١٩٣٦م، بعد حصولها على البكالوريا، إذ كانت الأولى على القطر المصري كله، وحصلت في كلية الطب على أعلى التقديرات امتياز، وسافرت مع زوجها الدكتور محمد عبد المنعم أبو الفضل في أثناء حملها، لدراسة الدكتوراه في الطب بإنجلترا، إلى أن حصلت على الزمالة عام ١٩٤٨م، ثم الدكتوراه من جامعة أدنبرة بعد ذلك، ثم حصلت على دراسات طبية متخصصة أخرى عام ١٩٦٢م.
عاشت الشقيقتان نموذجًا مشرفًا بين العلماء والأطباء، وأمارة بارزة في العمل الإسلامي التطوعي من خلال تأسيس ما يزيد على ۲۰جمعية ودارًا خيرية لرعاية الأيتام والأطفال والطلبة والطالبات والمسنين وتأهيل الفتيات والحضانات والمراكز الثقافية وحضانات الأطفال، ومعظمها من المال الخاص للأسرة.
والدكتورة المتفردة المجاهدة «زهيرة عابدين» هي أول من أسس المدارس الإسلامية للغات، إذ أسست مدارس «الكمال»، وطلائع الإسلام بفروعها المتعددة، لتكون محاضن إيمانية للأبناء تربويًا وخلقيًا وإسلاميًا، ولتؤدي رسالة قالت عنها: «إن إنشاء هذه المدارس رسالة عظيمة أهم عندي من شفاء المريض».
ولهذا صبرت د. زهيرة على هذه الرحلة في رعاية هذه المشروعات الرائدة، برغم الصعوبات التي واجهتها، إذ حببها الله إلى الخير، وحبب الخير إليها، فكانت مثالًا للعمل الدائب في هذه الميادين جميعًا، التي من أهمها جمعية ومستشفى روماتيزم القلب للأطفال، ومعهد صحة الطفل بوحداته المتعددة، وبيوت الطلبة والطالبات الجامعيين. إلى جانب عملها كأستاذة للطب الوقائي، إذ أسست علم طب المجتمع في الجامعات العربية، وتولت عمادة كلية الطب بدولة الإمارات العربية، وطافت معظم بلدان العالم، كأستاذة زائرة، وقدمت ما يفوق المائة وعشرين بحثًا في شتى فروع الطب الوقائي، كما حصدت عشرات الجوائز والأوسمة التي تبرعت بقيمتها كلها، حتى اختارتها نقابة الأطباء المصرية أمًا مثالية لمائة ألف طبيب مصري، وأنشأت جامعة العلوم الإسلامية الاجتماعية بفرجينيا بأمريكا «كرسيًا» باسمها للدراسات النسوية والإسلامية.
قالوا عن الشقيقتين
«هاتان الشقيقتان النابغتان. من الزهور الباسمة التي كان يتغيا الإمام الشهيد حسن البنا زراعتها ورعايتها في ربوع الأمة، لتتكامل الصورة الحقيقية للإسلام في ميادين الرجال والنساء من المؤمنين والمؤمنات العاملين للإسلام بفهم ووعي وصبر وموهبة وإخلاص».
الشيخ محمد الغزالي - يرحمه الله
«هاتان الشقيقتان ظهرتا في ظل ظلمات الاستعمار الذي كاد للمجتمع المسلم باستخدام المرأة كأهم أداة، وأخطر مدخل لتفكيك الأسرة وتقويض المجتمع، فكانتا ردًا حضاريًا علميًا عمليًا إسلاميًا، لتكذيب دعاوى «التغريب» و«الأوربة» و«الأمركة». لترى الدنيا أن المرأة المسلمة الملتزمة بإسلامها وحجابها لا يمكنها فقط اللحاق بالأوروبية، بل إنها تفوقها وتتفوق عليها في كل المجالات، بل وتتفوق على الكثير من رجال الغرب وزعمائه».
د. طه جابر العلواني
المفكر الإسلامي
«أمامنا صورة للمرأة المسلمة في أرقى صورها، وأنجح نماذجها، وأصعب مشاويرها الإصلاحية. وسيرتها نموذج يجب تدريسه لبناتنا وبنات الآخرين».
د. منى أبو الفضل بنت د. زهيرة
وزوجة د. جابر العلواني
«الدكتورة زهيرة عابدين نموذج فريد بين الأطباء والعلماء للعمل الإنساني التطوعي بتفان وداب شديد لوجه الله تعالى، وهي وشقيقتها العظيمة د. فاطمة عابدين بداية النهضة علمية طبية إسلامية عظيمة، وهما نموذج نفتقده وسنظل دائمًا نذكره بين عظماء هذه الأمة.
د. حمدي السيد.
نقيب الأطباء المصريين
«كانت الدكتورة فاطمة عابدين تجسد العطاء للعلم والوطن، وتؤكد أن العلم هو المصدر الأساسي للقوة، وكانت نموذجًا رفيعًا للتمسك بالقيم الدينية، وأعطت المثل لكل من تعامل معها في أدب المعاملة، واحترام الصغير والكبير، والحث على المعروف والنهي عن المنكر في أدب جم، كما كانت هي وشقيقتها الشهيرة الدكتورة زهيرة عابدين في أعلى مستويات الحرص على رعاية النابهين والمتفوقين من أبناء مصر».
د. عاطف عبيد
رئيس الوزراء المصري
«كانت مثالًا في كل شيء، في العلم بالعمل، والعبادة والإخلاص، وأجمل ما فيها أن كل ذلك كان يتدفق منها لوجه الله تعالى وحده لا شريك له. فلم تكن تنتظر تقديرًا ولا ثناء من أحد، بل كانت مجاهدة صابرة محتسبة، ولقد كان التقدير العلمي لها في أوروبا أكبر منه في البلاد العربية والإسلامية.
الدكتور عبد المنعم أبو الفضل
أستاذ التحاليل الطبية وزوج د. زهيرة
ذكريات في بيت جدتي
د. عبد الدايم الشحود
ينتظر الكثيرون إجازة الصيف بفارغ الصبر من أجل أن يلقوا من على كواهلهم تعب العام الدراسي، ويستعدوا لتجديد طاقتهم ونشاطهم للعام القادم، وكان من عادة والدي أن يأخذنا بعد انتهاء أيام الدراسة إلى الريف، حيث تسكن جدتي في بيتها الريفي الجميل المتواضع.
كانت هذه الإجازة تعني الكثير بالنسبة الأفراد العائلة، أما بالنسبة لي، فقد كانت بمثابة الكابوس الذي يطبق على صدري ويكاد يكتم أنفاسي، فبعد يومين أو ثلاثة من وصولي إلى بيت جدتي كان ينتابني شعور بالتعب والإرهاق، والوهن العام، وقد كانت والدتي تلاحظ ضعفي، وفي كثير من الحالات كانت تعزو ذلك إلى تغير البيئة وعدم ملاحتها لي خلافًا لإخوتي وأخواتي الذين كانوا يقضون أوقاتًا. ممتعة في تلك البيئة.
المرض ... والعناء!
مرت الأيام، وازداد كرهي لبيت جدتي الذي أصبح يعني لي المرض والعناء، حتى إنني أصبحت أخشى من حلول فصل الصيف وانتهاء العام الدراسي لأنني سوف أكون على موعد مع المعاناة والألم، وفي أحد أيام العطل الصيفية هذه عاودتني هجمة التعب وأحسست بالخوف وأنا أرى لون البول عندي أصبح غامقًا نوعًا ما، بل لقد أصبح مثل لون الشاي، لكنني أخفيت ذلك عن والدي، وحسبت أن ذلك إنما حدث بسبب بعض أنواع الحلوى التي تناولتها من حانوت القرية دون رضاه.
لا أنسى ذلك اليوم الذي حضرنا فيه الزيارة جدتي-كالعادة-ودخلت إلى غرفتها حيث كانت تضع بين ثيابها كرات بيضاء دفعني فضولي للعب بهذه الكرات ذات الرائحة النفاذة، والتي اكتشفت لاحقًا أنها مادة النفتالين الذي يستخدم لحفظ الثياب لفترة طويلة من العت والتلف، ذلك اليوم عاودتني تلك الحالة من جديد، إضافة إلى شعور بالغثيان والدوار، ولاحظت أمي بعض الشحوب في وجهي ولكن التهاب المعدة كان على رأس قائمة المتهمين في هذه القضية.
وكالمعتاد زالت كل هذه الأعراض بعد أيام عدة من عودتنا إلى المدينة، وسجلت القضية ضد مجهول، وحفظت أوراقها، ولكن هذه المرة إلى أجل قريب، إذ قرر والدي اصطحابنا في عطلة منتصف السنة إلى أحد الحقول حيث يقطن أحد أصحابه، فرحت كثيرًا في البداية وهناك كانت الطبيعة خلابة، وخاصة ذلك الحقل الذي كانت شجيرات الفول تتمايل فيه مشرئبة بأعناقها.
دفعني فضولي إلى تناول بعض ثمار تلك النبتة، وفي اليوم الثاني حصل معي ما لم تحمد عقباه؛ إذ أصبت بحالة قريبة من الإغماء وأحسست بخفقان شديد ولاحظ والداي أن عيني أصبح لونهما أصفر، فأسرعا إلى الطبيب بمستوصف تلك القرية، وهناك أعطي لي بعض المحاليل الوريدية، وأجريت بعض الفحوص التي أظهرت في النهاية أني أعاني من مرض الفوال، أو ما يدعوه الأطباء بـ Fauism، وتم نقل الدم لي إذ كنت أعاني حينذاك من درجة شديدة من فقر الدم.
سر التعب
خلال أيام قليلة تحسنت صحتي، واستعدت عافيتي، وقبل أن نعود إلى بيتنا جلس الطبيب معنا، وبدأ يشرح لنا عن هذا المرض، كنت خائفًا في البداية، ولكنه استهل شرحه بأن هذا المرض خفيف وينتقل بصفة وراثية ويصيب الذكور خاصة، وتنقص فيه إحدى الخمائر في كريات الدم الحمراء، مما يؤدي إلى حدوث انحلال في الدم عند تعرضه إلى بعض العناصر، وأعطانا ورقة كتبت فيها الأدوية والمأكولات التي يجب تجنبها عند هؤلاء المرضى.
أخذت الورقة، وبدأت في تأملها، وجذب نظري أنه من بين الممنوعات مادة النفتالين وعاد شريط من الذكريات إلى مخيلتي وتذكرت تلك الحبيبات الكروية البيضاء التي كانت سببًا في تعاستي في تلك الإجازة الصيفية، وكل إجازة حسبما بدا لي.
ومنذ أن تخلت جدتي عن وضع حبيبات النفتالين في ثيابها، أصبحت الإجازة الصيفية تعني لي السعادة والمرح، وأصبحت جدتي أحب إلى قلبي من كل السنوات السابقة وعدت أحب الريف والحياة فيه من جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل