; المجتمع الأسري (1632) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (1632)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1632

نشر في الصفحة 60

السبت 25-ديسمبر-2004

في المجتمع التونسي

الأطفال أكبر المتضررين من الطلاق

ضرورة استمرار زيارات الآباء للأبناء بعد الانفصال حفاظاً على توازنهم النفسي.

أهم النتائج: الانقطاع عن الدراسة والتشرد ... واللجوء للعنف.

لا يمكن أن نتطرق إلى واقع الطلاق في تونس دون النظر إلى التغيرات التي حدثت في المجتمع خاصة تلك المتعلقة بالعقليات والعادات والقوانين، وإن كان الطلاق شرًا في بعض الأحيان فإنه أحيانًا أخرى قد يكون رحمة.

 ويختلف الواقع في تونس عن بقية الدول العربية لوجود عدد من القوانين عند وضع مجلة الأحوال الشخصية لكي تكون منصفة للمرأة، وتمنحها حق طلب الطلاق إذا حدث لها ضرر مادي أو معنوي.

مع وجود قوانين الأحوال الشخصية وإن كان البعض يرى فيها شرًا إلا أن واضعيها اعتبروها شكلًا من أشكال الاجتهاد في الدين، ويحسب لهذا القانون أنه لم يتجاوز أشياء جاء فيها نص صريح في القرآن مثل مسألة الإرث الذي بقي يقسم على أساس الشريعة الإسلامية وكذلك مسألة التبني إلا أن القوانين العامة الأخرى قد اعتمد فيها رأي ذوي الاختصاص مثل قضية تعدد الزوجات.

وسبب اختلاف الواقع في تونس عن بقية الدول العربية أن النخبة الحاكمة، وعلى رأسها بورقيبة رأت أن المرأة تعرضت خلال تاريخها إلى القسوة والاضطهاد وهذا ما لا ينكره أحد بل إنه قد تم الالتفاف على كثير من القوانين التي أراد الإسلام من خلالها إنصاف المرأة فترى مثلًا بالنسبة لقضية الميراث أن بعض النساء إن لم نقل عددًا كبيرًا منهن كن يحرمن من هذا الحق، فقد كان الأهل يفضلون أن يتخلصوا من أموالهم وأملاكهم لفائدة أولادهم الذكور أو إن لم يكن لهم ولد فإلى «الأحباس»، وهي مؤسسة كانت موجودة في القديم وتمنح ربع أملاك شخص ما لفائدة ولي من الأولياء، أو لفائدة هيئة ما، المهم ألا تمنح الأموال من بعدهم لبناتهم حتى لا يفرطن فيها لأزواجهن.

 فكنت أحيانًا ترى امرأة تعيش في فاقة هي وأولادها إن كان زوجها فقيرًا أو حتى بعد وفاته دون أن تمنح شيئّا من إرث والدها مع أن والدها قد يكون ثريًا.

فقد كان هناك الكثير من الإجحاف ولم تطبق القوانين الدينية إلا حسب الأهواء.

 وحول هذا الموضوع كان لنا لقاء مع ليليا العبيدي أستاذة علم النفس التي قامت بدراسة ميدانية حول واقع الطلاق بتونس لتحدثنا عن تفاصيل هذه الدراسة وخلفياتها.

 تقول د. ليليا: إن أهم شيء توصلت إليه أن أسباب الطلاق تختلف من زمن  لآخر إلا أن أقوى دافع حسب تصورها هو استحالة الحياة في ظل ظروف معينة، وما تغير هو أن المرأة أصبحت قادرة على رفض واقع كانت من قبل تقبله على مضض.

 وهي تعتقد أن نسب الطلاق تكثر في الأوساط الريفية عن الأوساط الحضرية، وهذا عكس التصور الشائع بأن نساء الريف أكثر خضوعًا لمفهوم «صابرة حاشمة»، وهو مفهوم تصير بمقتضاه المرأة بحكم واقعها أكثر رصوخًا وصبرًا، على حساب راحتها من أجل الحفاظ على وحدة الأسرة، وخوفًا من رد فعل المحيطين بها ومن المجتمع بصفة عامة الذي يضطهد المرأة المطلقة.

فالمرأة بالتالي تصبر وتضيع شخصيتها خوفًا من اضطهادها من قبل عائلتها أو من المجتمع في حال حصول الطلاق.

 وكان الاعتقاد أن نساء المدينة من اللاتي يرفضن أن يخضعن لوضعيات وظروف معينة يحتمها الزواج.

 وأهم النتائج التي توصلت إليها الدكتورة ليليا العبيدي من خلال دراستها الميدانية أن أسباب الطلاق عديدة وأهمها هجر الزوج للبيت: من الأسباب أحيانًا الاغتراب الذي يطول والسجن... ويحصل بالأساس لكون المرأة لم يكن لها مستوى تعليمي أو تأهيل مهني يؤهلها للعمل من أجل إعالة أسرتها أو تحمل مسؤولية نفسها، فقد كانت حياتها مرتبطة بإعالة زوجها لها.

أما السبب الثاني في الطلاق فهو العنف الذي تتعرض له من طرف الزوج.

وقد أكدت الدكتورة ليليا العبيدي أن الدراسات التي حصلت في الثمانينيات تؤكد أن طبيعة الأسباب التي صارت المرأة تطلب بمقتضاها الطلاق تغيرت،  والآن صارت المرأة حتى مع عدم تمتعها بدخل ثابت من عمل أو بمستوى تعليمي مرتفع تطلب الطلاق مثلًا لأن كرامتها أهينت أو لإجحاف الرجل في الطلبات، في الثمانينيات كانت النساء المثقفات هن الأكثر لجوءًا إلى الطلاق لأنهن كن يطالبن بالمساواة المطلقة في كل شيء، وصارت أحيانًا تطالب بالطلاق من الزوج لنفس الأسباب أحيانًا التي تستند إليها المرأة الغربية، إلا أن الأرقام على مستوى القطر التي أثبتتها دراسة البحث في قضية الطلاق أنه كان 75.8٪ من دعاوى الطلاق خلال سنة ١٩٨٦م يتقدم بها الرجال، هذه النسبة نزلت بالتدريج إلى ٦٣٪ في سنة ١٩٩٦م إلى أن صارت ١٩٩٩م 49.9٪ للرجال و 48.3٪ النساء و2.6٪ من الشكاوى لطلب الطلاق تتقدم بها العائلة.

وأصبح الطلاق يحدث الآن في الأوساط الشعبية أكثر منه في الأوساط الأخرى بحوالي الثلثين.

ولم تعد المرأة تقبل بالضرب أو الإهانة النفسية والشتم.

كذلك من الأسباب التي تسوقها النساء للطلاق إدمان الزوج للخمور، فترى الزوجة زوجها يعود كل ليلة ثملًا محمولًا من الجيران في شكل مهين أمام أبنائه.

وما يلفت الانتباه في الدراسة أن النساء لا يطلبن الطلاق لأسباب تافهة ولكن فقط للضرورة.

فقد أثبتت أن طلب الطلاق يتم أولاً وبنسبة 48.3٪ بسبب سوء المعاملة أو الإدمان أو الاختلاف حول طريقة تربية الأبناء.. و 22.7٪ بسبب عدم الإنجاب أو حصول أمراض عصبية أو إعاقة ما، و 15.8٪ بسبب الخيانة الزوجية ومشكلات عدم الثقة بين الأزواج ، 12.2٪ بسبب  الظروف المادية والبطالة وقد أثبتت الدراسة أن العنف الزوجي يكون في غالب الأحوال نتيجة ضعف الإمكانات المادية.

الأطفال هم أكثر من يعاني من الطلاق.. فهل يمكن أن نلحظ من سلوك الأطفال بعد الطلاق أثرًا لفشل الوالدين؟

 أجابت الدكتورة: إن المربي في المدرسة يمكن أن يكتشف بسهولة الأطفال الذين ينحدرون من أسرة حصل فيها الطلاق.

حيث تعد المدرسة أول مكان يمكن للمجتمع أن يتدخل فيه لمساعدة الطفل نفسيًا من أجل أن يسترجع توازنه النفسي على الأقل، ويجب على العائلة أن تفعل كل ما في وسعها حتى لا يحس الطفل بنقل هذه الوضعية فتنعكس سلبًا على دراسته وصحته.

فقد أثبت الواقع أن الطلاق وعدم اكتراث الوالدين  لمصير الأبناء ساهم في الانقطاع المبكر من الدراسة لدى عدد كبير من الأطفال، وبروز ما يسمى بأطفال الشوارع، وهم أطفال عدوانيون يحملون الأسلحة البيضاء في الشوارع، أو يدمنون المخدرات وليس لديهم قابلية لإطاعة أحد أو عمل اعتبار لأي شخص أو أي مبدأ، ويعودون متأخرين إلى البيت، ويصاحبون أصدقاء السوء لأنهم لا يجدون أمامهم السلطة التي يمثلها عادة الأب.

 ولكن كيف يمكن تجنب هذه الوضعيات في حال حدوث الطلاق؟

 هناك شيئان يمكن أن يثبتا للطفل أن والده مازال يوليه عناية ويهتم به حتى بعد الطلاق:

- النفقة: والشخص الذي يرفض دفع نفقة أطفاله كأنه يقول لطفله: لا أهتم بك إن أكلت أو لا.

-  فإذا لم يول الأب ولده اهتمامًا به فمن يوليه عناية ويهتم به؟ وهذا وقد يدفع الابن إلى السلوك العنيف.

- حق الزيارة: يجب على الوالد أن يزور أطفاله باستمرار والعكس... فالدور الذي يلعبه الأب أو الأم في الوقت القليل الذي يقابل فيه طفله يكون كبيرًا «الأم في الغالب هي التي تتمتع بالحضانة .. وهذا ما لا يجعل.. في الغالب لكلامها معنى وأثرًا.. بينما الأب الذي لا يقابله إلا مرة في الأسبوع يمكن من خلال زيارة واحدة أن يؤثر في شخصية الطفل أكثر مما تفعل الوالدة على امتداد الأسبوع من ناحية الدعم المعنوي للطفل»

كذلك يمكن للقاضي أن يلعب دورًا مهمًا؟  فيجب مثلًا أن تصحبه عند اتخاذ القرارات المصيرية للأسرة مرشدة اجتماعية «للاهتمام بكل ما يتعلق بالشأن الاجتماعي» وطبيب نفساني لمنع تأزم الوضع.

فالمسألة قد تكون في البداية سهلة الحل ومرتبطة فقط بالنتائج المدرسية والتوتر، ولكن إذا ما نظرنا للمستقبل قد تكون هذه الوضعية سببًا لإنتاج المنحرفين الذين يعجزون هم أنفسهم في المستقبل عن تكوين أسرة سوية.

وبالتالي تأتي هنا ضرورة الاهتمام منذ اللحظة الأولى للطلاق بأهم الجزئيات الخاصة بنفسية وظروف الأطفال المادية والمعيشية.

وقد اعتمد في تونس إجراء جديد يتمثل في صندوق الأسرة وهو يمنح نفقة للأطفال الذين يرفض والدهم أو يعجز عن الالتزام بنفقتهم بشكل متواصل سواء لأسباب إرادية أو غير إرادية.

ولكن أحيانًا يشجع هذا الأمر المرأة على طلب الطلاق ولكن تجري الأشياء أحيانًا عكس ما تخطط له ولا تتمتع حتى بهذا الأمر فتحدث مآسٍ عديدة.

فقد يكون أحيانًا الانفصال سببًا للحفاظ على الأسرة لأن حالة النزاع المتواصل بين الوالدين تنهك الأطفال.

ولكن لا بد في هذه الحالة من الاهتمام بجميع الجوانب الخاصة بحياة الطفل بتجنيبه جزئيات النزاع بين الوالدين وكذلك التمزق الذي يحدث نتيجة إصرار كل من الطرفين على الحضانة والزيارات...

فاهم ما تدعو إليه الدكتورة ليليا هو ضرورة إشراك جميع الأطراف حتى العائلة الموسعة للتدخل من أجل مصلحة الأطفال لإقناع الوالدين بواجباتهما تجاه أطفالهما، وهذا يتطلب في الغالب مجهودًا من الجميع.

 

الرابط المختصر :