العنوان المجتمع الأسري.. عدد 1274
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
مشاهدات 70
نشر في العدد 1274
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
رؤية جديدة حول...
شخصية المرأة في ضوء القرآن والسنة
القاهرة: منى أمين
* ماذا يقول المفكرون والفلاسفة والكتاب عن المرأة
* الإسلام منح المرأة حقوق الحياة والنكاح والطلاق
* احذر هؤلاء: الكذوب، الحمقاء، اللعوب، المشركة
هذا الكتاب الذي يتناول شخصية المرأة ليس سردًا تقليديًا لحقوق المرأة وواجباتها من منظور ديني فقط -كما يبدو من عنوانه- ولكن كاتبه تناول المرأة من منظور جديد، فهو يعرض آرا كثير من الفلاسفة والكتاب القدامى والمحدثين، وقد تناولها من زاوية علم النفس، مؤكدًا أن المرأة يمكن أن تكون مبعث دفء عاطفي للأسرة، أو تكون سببًا في شقائها، وبالتالي شقاء المجتمع بأسره.
يمثل هذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه أربعة فصول: الأول يتعرض لسؤال: من هي المرأة، والثاني يوضح تاريخ المرأة في ظل جاهلية العرب وحضارة الإسلام، والثالث يطرح موضوع شخصية المرأة بين الرفض والقبول، والرابع يعرف من هن الزوجات الأعداء، والأخريات الأصدقاء، ويمثل هذه الكتاب إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية، وذلك لتميزه في التناول والمضمون.
المرأة هي أبهج شيء في الحياة، ومخلوق خلقه الله ليشعرنا بمعنى الحياة وما فيها من رقة، ولطف، وجمال، وكمال.. المرأة كالأرض الخصبة التي تصلح للزراعة أو للرعي ومنها تخرج المعان النفيسة.. وقد تخرج منها الزلازل والبراكين!! لهذه الكلمات المشحونة بالرقة والتعبير بدأ الكاتب الإسلامي الدكتور رمضان حافظ مؤلفه.
شخصية المرأة في ضوء القرآن والسنة
ويوضح المؤلف أن تشابك العلاقات بين الرجل والمرأة يهدف إلى إثراء العلاقات العاطفية الروحية، فعاطفة الرجل نحو أمه غير عاطفته نحو زوجته، وتختلف عما يكنه لأخته أو خالته أو عمته، فهو مذاق مختلف ومتنوع يزيده سعادة وقوة ومتعة وتماسكًا، والرجل للمرأة هو أبوها العطوف عليها، وابنها البار بها، وأخوها وعمها وخالها الذين نشأت في بيوتهم، وتربت على مبادئهم، وارتوت من حنانهم، وتعلمت من آرائهم وأفكارهم، وشعورها يختلف من واحد لآخر من هؤلاء، فأبوها يختلف عن ابنها عن خالها، وكذلك شعورها وقوتها يأخذ الابن، ويرتشف الزوج، ويتغذى المجتمع.. بطهرها وعفتها يتطهر المجتمع ويعف.. وتفسد أخلاق المجتمع بفسادها، وهذه بعض أقوال الفلاسفة في المرأة:
يقول روسو: «إن الرجال من صنع المرأة، فإذا أردتم رجالًا عظماء، أفاضل فعلموا المرأة معنى عظمة النفس ومعنى الفضيلة».
ويقول نابليون: «لتكن لفرنسا أمهات طيبات يكن لها أبناء بررة، والمرأة الجميلة تسر العين، والصالحة تسر القلب، الأولى جوهرة، والثانية كنز».
ويقول عبد الله بن المقفع: «إياك ومشورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، وأكفف عليهن من أبصارهن وبحجابك إياهن، فإن شدة الحجاب خير لك من الارتياب، فإن استطعت ألا يعرفن غيرك فأفعل».
أما الكاتب الساخر أحمد رجب، فيقول: «المرأة إذا تغيبت عن موعد عودتها إلى البيت اشتد قلق زوجها عليها، لئلا يكون قد حدث لها مكروه، بينما إذا تأخر الرجل عن موعد عودته فهو خائن».
ويذكر في كتابه «مذكرات زوج» كلمات معبرة عما يحدث فعلًا في حياة المرأة العاملة: «مأساة الزوجة أنها عندما تعمل تتصور أن من حقها أن تصبح رجلًا في البيت، وعندما تتزوج تقنع رئيسها في العمل بأن كل تأخيرها ولا مبالاتها وعدم تحملها المسؤولية، يرجع إلى كونها زوجة، وعليها أعباء هائلة في البيت، ويلعن الزوج رئيس زوجته في العمل، والذي يؤدي إلى تقهقرها في البيت، ويلعن الرئيس زوج الموظفة، لأنه يؤخرها عن العمل!!».
أما الدكتور مصطفى السباعي فيقول: «من عجيب أمرها أنها أقوى سلطانًا على الرجل وهي أضعف منه، وأكثر تبرمًا به، وهي أظلم منه، وأكثر وفاء له وهو أحذر منها، وأكثر منه شكوى وهي أهدأ منه بالًا، وألصق بأولادها منه، وهم ينسبون إليه، وأخيرًا يقول أحد الفلاسفة: «إن المرأة التي تعرف كيف تحافظ على نفسها كيف تربي أولادًا يصونون شرف الأمة»، إذن المرأة إمام معول هدم الأمم، أو دعامة من دعاماتها، بل أهم هذه الدعامات.
المرأة في ظل جاهلية العرب وحضارة الإسلام
كانت المرأة في ظل الجاهلية تحيا حياة لا كرامة فيها، ولا قيمة لها إلا كتابع للرجل وشيء يشبع نزواته ورغباته، فإن شاء أكرمها، وإن أراد أهانها وأذلها، ويتجلى ذلك حين نفارق بين كثير من الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة وبين الوضع الذي عاشته قبل الإسلام.
لقد أعطى الإسلام للمرأة حق الحياة، فقد كان الرجل يئد ابنته بمجرد ميلادها خشية الفقر أو العار، وشرع الإسلام النكاح ليضمن للمرأة حياة نظيفة، تحافظ فيها على عفتها وكرامتها بدلًا من أنواع النكاح التي كانت سائدة في الجاهلية، والتي كان أغلبها سفاحًا، وكذلك أعطاها الحق في الطلاق حين تستحيل العشرة بينها وبين زوجها، وهو حق كان يستخدم للكيد لها والتنكيل بها، فكانت تطلق من ثلاث إلى عشر مرات، ثم تراجع ولا فكاك من هذا الزوج وكيده، والذي يطلقها ويردها يطلقها ويردها ليس حبًا فيها وإنما لمنعها من أن تتزوج غيره..
كما وضع الإسلام حدًا لتعدد الزوجات، والذي لم يكن محددًا بعدد، والذي كان يمتهن الزوجة إلى أقصى الحدود بما لا يجعل لواحدة منهن حقًا إلا تبعًا لهوى الرجل.
وكانت تعتد المرأة على زوجها سنة كاملة تحبس نفسها في غرفة لا تخرج منها، ولا تغتسل حتى تنتهي السنة، وكانت تخرج بعد ذلك، فيتأذى منها كل من يراها حتى الحيوان!
وفوق هذا وذاك أعطى الإسلام للمرأة الحق في اختيار زوجها يدل على هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، والثيب حتى تستأمر، قالوا: وما إذنها يا رسول الله؟ قال صمتها»، كما جعل الإسلام للمرأة صداقًا لا يأخذ أحد منه شيئًا، إلا عن طيب نفس منها، وكذلك الميراث لها حق التصرف فيه، فما أجمل وأهم تلك الحقوق التي منحها الله المرأة.
غالبًا ما يهتم الناس بجمال وجه المرأة، ولا يهتمون بجمال الروح، وعلى الرغم من أن جمال المرأة له أثر سحري في نفوس الرجال، إلا أن جمال الروح والأخلاق.. جمال النفس.. جمال الفكر... الإرادة وقوة العزيمة، والمثابرة له من يقدره أيضًا ويزنه بالمعيار اللائق.
الطريقة الصحيحة للحكم على شخصية المرأة
للرجل أن يدرس جيدًا شخصية المرأة التي ينوي أن تكون رفيقة له في الحياة، وشريكة له في الكفاح، في أوقات الشدة، وفي أوقات اليسر، عليه أن يدرس شخصيتها ليعرف كيف ستعامل معها، وكيف سيكون بيت الأسرة، هل هو بيت صحي يخرج النبت الصالح، أم بيئة فاسدة تخرج الأشواق التي تدمي المجتمع وتذيقه الأهوال.
ومن الناس من يخطئ فيحكم على المرأة بالانطباعات العارضة أو بملامح وجهها، وكل هذا لا قيمة له، فالمرأة ليست صورة، ولكن كل متكامل ونتاج عوامل عدة منها: النشأة والصحبة والتعليم، ذلك أن شخصية الإنسان وليدة الظروف التي تعرض لها، وفي الغالب يرتبط اثنان نفس الظروف أو ظروف متشابهة، فروح المؤمن التقي تظل ترفرف تبحث عن روح أليفة تقية مؤمنة، وروح الكافر أو المشرك أو المنافق تنجذب بيسر كبير نحو امرأة من نوعه لتؤثرها على ما سواها من النساء.
المرأة الطموح
ليس الطموح عيبًا في حد ذاته، ولكن أحيانا تكون المرأة الطموح من الزوجات الأعداء، وذلك حين لا يتناسب طموحها مع إمكاناتها، فهي تنظر دائمًا لما في يد الغير، وهي تطحن زوجها بين متطلباتها التي لا تنتهي، وراتبه الذي لا يكفي، وقد تورد زوجها موارد التهلكة ليحصل لها على المال، فلا قليل يكفيها، ولا كثير يغنيها، أما المرأة التي لا طموح لها، فهي لا تتعب زوجها كثيرًا، ولكنها في ذات الوقت لا تعينه على نوائب الحياة، ولا تساعده في تحقيق أحلامه وطموحاته.
أما المرأة الطموح في أمور الآخرة، فهي مؤدية لحق الله عليها، ولكنها قد تغالي فتحرم ما أحل الله، كان لا تتعطر لا داخل البيت ولا خارجه، وذلك لأن العطر محرم على النساء -كما تفهم هي- ولا تتزين وتنتقي الملابس الجميلة بدعوى أن هذا تشبه بلبس الكافرات، وتعامل المتبرجات بشدة، وهن أحوج إلى الرفق واللين، والدين يأمرنا بالاعتدال في كل شيء، ويتبين ذلك من هذه القصة:
جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال يا رسول الله: أما قولها يضربني إذا صيلت فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، وقال: أما قولها يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصوم المرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها: أني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت عرف لنا ذلك لا تكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس قال: فإذا استيقظت يا صفوان فصل».
المرأة الكذوب
ما أجمل الصدق وأروعه حين يسود حياة البشر، كما هو سائد في الطبيعة بين الأشجار والطيور، وبين تشابك الأغصان وزقزقة العصافير، وما أقبح الكذب، وما أبشعه حين يلتف حول رقابنا فيصبح الرعب والشك والريبة ملء حياتنا، ويصبغ واقعنا بجميع أشكال الجحيم، فالصدق مطية الأبرار إلى الجنة، والكذب مطية الفجار إلى النار، ومن سار على طريق الكذب أمن يومه، وفقد أمنه طوال الأيام، خوفًا من أن يكشف كذبه.
وقد نهى الإسلام عن الكذب، حتى لو كان لإرضاء الطفل، وذلك لأن الكذب معول هدم لإرضاء الخلق القويم والفضيلة في المجتمع، وهو قائد ورائد جيش الذنوب والخطايا، فإن أرادت المرأة الصالحة أن تهزم هذا الجيش وتقضي عليه، فعليها أن تبدأ بقائد المسيرة وزعيمها فتقضي عليه فيستسلم لها بقية الجنود.
المرأة الحمقاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمرأة الحمقاء، فإن معيشتها بلاء، وولدها ضياع».
إن أهمية كون المرأة عاقلة أكثر من أهمية عقل الرجل، فكم من رجل طائش غدا رجلًا كريمًا مسؤولًا يعرف قيمة الحياة، وصار يحسن تصرفاته، لأن وراءه زوجة عاقلة قادرة على أن تحيل جنون الرجل إلى عقل، أما الحمقاء فتحيل حكمته إلى جنون! الرجل قادر على أن يثير الزوابع في البيت، والمرأة وحدها قادرة على أن تسكن ثورة الزوج وتهدئه، وأن تجعل نسيم الهدوء والألفة والراحة والاستقرار يهب من جديد، ولا شك لها، وكلما حظي الأبناء بأم عاقلة كانوا أبناء أسوياء يشار إليهم بالبنان.
المرأة الحمقاء تحيل حياة زوجها إلى جحيم، فهو إن أمرها خالفته، وإن نظر إليها غمته بعبوس وجهها وسوء منظرها، وعدم اهتمامها بإبراز جمالها، وهي في بيتها كالربان الذي لا يعرف الملاحة، ولا اتجاه الريح وسرعتها، فلا تستيقظ مبكرًا فتعد لزوجها طعامه وتنظف البيت، فالبيت لا يحمل بصمات الجمال والنضارة، ولا يدل على حسن ذوق ونظام، وقد تشتري ما لا تحتاج إليه لمجرد التقليد.
المرأة اللعوب
هي امرأة تحب المرح والانطلاق، وعقد الصلات وتكوين العلاقات بشكل عام وبغير حدود، تأسرها الدعابة، وتفرحها القفشة، والنكتة، تميل للغزل، وتتعمد إثارة المواقف التي تستلفت الانتباه، وتوجه الأنظار إليها.. بشوشة الوجه، منطلقة اللسان، تتحدث وتتدخل فيما يعنيها وما لا يعنيها، خفيفة الظل، أو تتعمد إظهار ذلك، ترتدي ما يلفت الانتباه إليها، تجيد فن توزيع الابتسامات والضحكات من يتمناها أن تظل بجواره ويخشاها أن تكون زوجة له!!
هي متهمة دائمة دونما دليل علي أنها فتاة هوى، الحياة عندها لعب وضحك أكثر منها جد والتزام وكفاح، هي مصدر للقلق، ومبعث للتوتر النفسي عند زوجها وأولادها، فالمرأة اللعوب وسط بين نقيضين، ولكنها أقرب إلى الخطأ منها إلى الصواب، ولكن ما قيمة الحياة بجوار امرأة لا تلتزم بالحياء وأدب الحديث؟ ما طعم الحياة مع امرأة كثرت عليها الاتهامات والإدانات، ومتهمة، وهي في النهاية شيء مريب، وإن لم تفعل الفحشاء والإثم!؟
وآخر الزوجات الأعداء هي:
المرأة المشركة
إن المرأة المسلمة ينبغي أن تكون كل حركاتها وسكناتها لله، ووفقا لتعاليمه، وعليها أن تتمسك بالتوحيد: لأنه قارب النجاة من أمواج الشرك، وعليها ألا تضاهي سلوك المشركات، فشخصية المسلمة مميزة عن غيرها، ترفض أن تكون مقلدة، ولتحذر الشرك وتعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تنبأ بأن مسلمين من أمته سيشركون وسيعبد الناس الأوثان، ويظهر كذابون ومدعو النبوة، وسيظل البعض متمسكًا بإيمانه.
والمرأة المسلمة ينقص إيمانها إن كانت من الذين يجزعون في الملمات، ولا تصبر، وتعاتب ربها وتعترض على قضائه، والمرأة المشركة إن أحبت أو كرهت لا يكون ذلك وفقًا لمعايير إيمانية، بل تحب وتكره وتصل وتقطع وفقًا للأهواء الشخصية والأحاسيس الفطرية، والمرأة المسلمة التي تعبد المال وتسعى للحصول عليه بأي وسيلة هي مشركة تهلك نفسها ومن حولها.
فاحذروا المرأة المشركة معشر الرجال، مهما تجملت وتزينت واكتست بأحدث الموديلات، وعرفت كيف تتعلم وتكتب عدة لغات، فمن منا يطول عمره مع زوجته، كما طال عمر نوح، ويدعي أنه من مرور الوقت يستطيع أن يقنعها بالتوحيد؟
صحة الأسرة
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾
بقلم: الدكتور عبد المطلب السح (*)
(*) أخصائي أول أمراض الأطفال- مستشفى الحمادي- الرياض
اللوحة المقابلة تحمل التعبير الجميل وربما يعجز القلم عن محاكاتها، أما الإعجاز البليغ فنجده في كتاب الله عز وجل فكلماته هي الحقيقة الناصعة بعينها وصلتنا قبل أن يعرفها العلم بقرون مديدة عديدة.
تلك هي الأطوار: لقد كان الإنسان بيضة ونطفة ثم اندمجتا ببعضها فتشكلت العروس الملقحة التي تكبر وتمنو وتتكاثر فتصبح في البدء خليتين ثم أربع «انظر الصورة الثالثة» وهكذا دواليك تتضاعف وتتكاثر خلاياها ومن ثم تأخذ شكل الكيسة «الصورة الخامسة» ومن ثم تعلق بالرحم «الصورة السادسة» ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ (الحج: 5)، وكلمة نطفة تعني البيضة كما تعني النطفة، وهكذا تكبر تلك العلقة ويزداد عدد خلاياها التي تحوي كل واحدة منها صورة طبق الأصل عن الشيفرة الوراثية للخلية الأم «البيضة الملقحة» وتصبح العلقة مضغة ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ (المؤمنون: 14)، ويمضي من الأسابيع ثمانية حتى تصبح هذه المضغة بطول (2.5سم) ولا يزيد وزنها في هذه الحالة على جرم واحد وبعد اثنى عشر أسبوعًا يصبح الطول (7.5)، والوزن (14 جرامًا) وتبدأ مرحلة الجنين الذي يزداد وزنه ويتضاعف حجمه وتتطور وظائف أعضائه شيئًا فشيئًا وفق خطة محكمة متقنة أبدعها رب العباد سبحانه، يكبر الجنين هذا ليصل مرحلة النضج بوزن يتجاوز ثلاث كيلو جرامات وبطول يداني النصف متر والعينان تريان والأذنان تسمعان والقلب يخفق بالحياة والرئتان تقومان بالواجب والفم مستعد لتلقي الحليب والمنظر رائع بديع يسر الناظرين إن شاء الله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4)، وتصدر الأوامر العليا بإلقائه خارجًا أو أنه هو يبحث عن النور فالرحم قد ضاق ذرعًا به ولم يعد بيئته المفضلة، ويطل على الدنيا ذلك الوليد مبتدئًا بالصراخ وشاغلا أهله بأحواله مبتدئًا مسيرة حياته على الفطرة بإذن الله ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الحج: 5).
هذه هي الأطوار التي يمر بها الإنسان من جرم ضئيل صغير لا يرى إلا بالمجهر إلى كائن كبير له ميزات ومواصفات خاصة وله دوره على سطح هذه الأرض مرورًا بمراحل عديدة متدرجة بروعة متناهية الدقة ولكل من تلك المراحل خصوصيتها وجمالها وإعجازها، إنها مقررة ومبرمجة على الشيفرة الوراثية التي تتدخل البيئة لتجعلها تعبر عن نفسها بشكل أو بآخر بإذن الله، وهناك الكثير مما نجهله عن سر هذه الأطوار وتتابعها.
دلالة الأطوار وعظمتها
إن التفكر بذلك يرشد الإنسان على أن هذه الحياة فترة وجيزة وستنقضي وليس فيها خلود هكذا يقول التاريخ وهكذا يعلن الواقع والعلم، وهي للتجربة ليس إلا، فطوبى لمن كسب فيها علمًا وعملًا وإيمانًا يشرح الصدور.
في كل مرحلة يوكل الله تعالى للكائن الجديد من يكفله ويرعاه لتستمر الحياة إلى أجل مسمى، إن الأم تداري بطنها والبطن يحتضن الرحم وهذا يحوي أغشية الجنين والمشيمة وبداخلها كيس الجنين يوجد سائل يحميه ويعطيه حرية النمو ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ (الزمر: 6).
وعندما يحين موعد الولادة ورغم ما ستعانيه الأم والجنين فإن الأمور تمر بسلام وذلك بفضل القدرات الفائقة التي يزود الله بها الأم والجنين لمواجهة ما قد يطرأ، فعلى سبيل الذكر لا الحصر فإن رقبة الوليد تتحمل شدًا بقوة (50 كغ)، أما ما بعد الولادة فإن غريزة الأمومة والأبوة وحب الطفولة عند البشر كل ذلك يتدخل لرعاية ذلك الصغير حتى يصل المرحلة التي يحمي فيها نفسه وبعد ذلك يستطيع أن يرعى غيره.
إن لتلك الحماية حدودها وعلينا مساعدتها في كل طور من أطوار الحياة ففي الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل «الثلث الأول» تكون المضغة غضة طرية وانقسامها شديدًا والدواء ممنوع إلا للضرورة القصوى، إن الابتعاد عن مصادر العدوى واجب لتلافي الأمراض ما أمكن، وكذلك يجب تجنب كل الأشياء المؤذية من أشعة وكيماويات إن كل ما سبق يؤذي الصبغيات التي تحمل المخزون الوراثي وتزداد احتمالات الأذية كلما اشتدت حدة الانقسامات الخلوية وهذه ميزة الثلث الأول من الحمل، إن أذية الصبغيات قد تؤدي لتشوهات وإصابات لا يحمد عقباها- لا سمح الله.
وكذلك فإن الثلث الثاني من الحمل تتكون فيه وظائف الجسم والأعضاء والحرص كل الحرص تجاه كل ما يؤذي ويضر الجنين المترعرع.
أما في الثلث الثالث فالخطر يخف ولكنه لا يزال قائمًا، حيث لا بد من الابتعاد عن مواطن البلاء إن كانت داء أو دواء، ولا بد من حفظ ذلك الكائن الحي كلما أمكن ذلك، والجميع يعلم ما تعانيه الأم في هذه المرحلة ويكفيها فخرًا أن البارئ المصور سبحانه أخبرنا بما تتحمل من ضنى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (لقمان: 14)، ولكن بالصبر والعلاج المناسب عند الضرورة يمر الحمل بأمان بإذن الله وتبدأ مراحل الحياة خارج الرحم التي نراها أمامنا يوميًا من طفل يرضع إلى آخر يحبو ثم إلى مرحلة الشباب وهكذا حتى يصبح الإنسان هرمًا كبيرًا، والله نسأل حسن الخاتمة.
الحمى الشوكية أو التهاب السحايا عند الأطفال
الرياض: المجتمع
الأمراض المرعبة والمخيفة، ولا شك أن الحمى الشوكية هي إحدى هذه الأمراض التي تحمل الخوف والهلع لمعظم الناس نظرًا للعواقب الوخيمة المترتبة عليها في بعض الحالات عند تأخر التشخيص والمعالجة.
ويحاط الدماغ والنخاع الشوكي بطبقات ثلاث من الأغشية تقوم بحماية هذه الأعضاء النبيلة، والتهاب هذه الأغشية هو ما ندعوه الحمى الشوكية أو التهاب السحايا.
• كيف يصل الالتهاب إلى السحايا؟
○ يمكن أن تصل العناصر الممرضة سواء كانت جراثيم أو فيروسات إلى طبقات السحايا عن طريق الجهاز التنفسي بدءًا من الأنف والبلعوم أو بعد التهاب الأذن الوسطى ويمكن أن تؤدي رضوض الرأس إلى حدوث هذا المرض خاصة إذا ترافقت كسر في العظم.
• الحمى الشوكية هل هي مرض معد؟
○ تكون الحمى الشوكية معدية في أنواع معينة من الجراثيم وطريق الانتقال هو جهاز التنفس خاصة عندما يخلو المكان من التهوية بشكل كامل ويكون مكتظًا بالسكان، وهنا يمكن أن يحدث المرض على شكل جائحة كما هو الحال في مواسم الحج وفي المدارس أو دور الحضانة.
• ما مظاهر هذه المرض وأعرضه؟
○ إن الصداع، والإقياء العنيف والقذفي والترفع الحروري... هي الأعراض الرئيسية لهذا المرض، ولكنها لا تكون واضحة إلا عند الأطفال الكبار، أما عند الرضع فيمكن أن نلاحظ ارتفاع درجة الحرارة وضعف الرضاعة وميل الرضيع الدائم نحو النوم أو تململه وهياجه، وقد تون الاختلاجات المؤشر الأول على حدوث التهاب السحايا.
تشخيص المرض
يتم تشخيص المرض عن طريق تحليل السائل الدماغي الشوكي عن طريق إبرة صغيرة يدعوها عامة الناس «إبرة الظهر» وعندما يجري التحليل من قبل طبيب متمكن فإنها لا تحمل أي مشاكل أو اختلاطات في معظم الحالات أما التأخر في تشخصي المرض وعلاجه فإنه كفيل بترك عقابيل قد تكون شديدة.
وهذا المرض سهل العلاج خاصة إذا تم التشخيص الباكر والعلاج الكامل وكل تأخير في المعالجة يزيد نسبة الاختلاطات اللاحقة التي قد تتضمن اضطرابات في السمع أو الرؤية أو نقص في درجة الذكاء وحتى حدوث نوبات تشنجيه أو شلل.
يوجد لقاح للحمى الشوكية، ولكن ليس لكل الجراثيم المسببة للمرض، وهذا اللقاح يفضل أن يعطي لقاح السحائيات وهي إحدى أهم الجراثيم المسببة للحمى الشوكية لكل الأشخاص المعرضين للمرض كالسفر إلى منظمة مكتظة بالسكان كمواسم الحج مثلًا.
أما لقاح الهيموفيليس إنفلونزا فيعطي حاليًا بشكل روتيني لكل الأطفال ضمن خطة اللقاح العادية.
أما الأطفال المصابون بنقص المناعة أو أمراض الطحال كفقر الدم المنجلي فينصح بإعطائهم لقاح المكورات الرئوية وهي إحدى الجراثيم المسببة للمرض.
وهكذا نجد أنه يجب عدم التهاون أبدًا في مثل هذه الأمراض التي قد تكون وخيمة العاقبة -لا سمح الله- بشكل يتناسب مع كل دقيقة تأخير في التشخيص والعلاج.
الطفل والدفء العاطفي
بقلم: الدكتور عبد الدايم الشحود (*)
(*) أخصائي أمراض الأطفال في مستشفى الحمادي- الرياض
لا شك أن كل طفل، هو كتلة من العواطف والانفعالات والتي قد لا تختلف عن مثيلاتها عند الكبار لدرجة أن الجنين وهو في رحم أمه وبين أحشائها في تلك الظلمة يملك العواطف والانفعالات التي تذكرنا في كل لحظة وكل ثانية بعمة الخالق سبحانه.
إن الجنين -ذلك الكائن الضعيف وضمن ظلمة الرحم- يتأثر بكل حركة من حركات أمه وكل سكنه من سكناتها فيفرح لفرحها ويحزن لحزنها، وخلال أشهر الحمل يعتاد الجنين على دقات قلبها ونام التنفس عندها حتى أن أي اضطراب عند الأم ينعكس على جنينها، وقد أثبتت الدراسات العليمة حول الأجنة أن الجنين الهائج وكثير الحركة يمكن أن يسكن هياجه وتهدأ حركته بمجرد سماع صوت قريب في تردده من دقات قلب الأم أو حتى من صوتها ولا عجب في ذلك لأن الجنين يعتمد على أمه بشكل رئيسي ومن خلال الحبل السري يحصل على غذائه ممزوجًا بجرعات العطف والحنان.
وعندما يواجه المولود نور الحياة ويصرخ صرخته الأولى يكون وجه أمه أول ما يألف مما حوله وتكون رائحتها مصدر سعادته وابتسامته لدرجة أن صراخة ينتهي بمجرد سماع صوتها ويتحول بكاؤه إلى مناغاة تنشر البهجة والسرور فيمن حوله وتنفرج أساريره بمجرد أن يشم رائحتها المميزة بالنسبة له، وهذه الرائحة تجعله يحرك رأسه باتجاه حلمة الثدي، عند كل رضاعة، وهكذا يكتسب المولود شخصية المستقبل بدءًا من هذه المراحل، وحيث إن السنوات الأولى حساسة بالنسبة للطفل ويمكن أن تؤثر على شخصية المستقبل سلبًا أو إيجابًا كان لا بد من حسن التعامل مع ذلك الطفل وعدم إهماله وأن تكون علاقة الأم بفلذة كبدها قوية ومتماسكة حتى لا تكون سببًا لتعاسته في المستقبل، ومن أبرز الدلائل على تأثر الوليد بأمه ما أجراه العلماء من دراسات على حديثي الولادة: إذا لوحظ أن رضاعة المولود تكون أقوى وأسرع عندما يسمع صوت أمه، وتصبح أضعف عندما يتغير لحن الصوت لشخص آخر ويدل ذلك بوضوح على اعتياد الجنين على صوت أمه بدءًا من حياته في الرحم.
أما المثال الآخر الدال على عاطفية الطفل ومشاعره المتأججة ما نلاحظه عند ولادة شقيق له وبخاصة عندما ينصرف اهتمام الأهل إلى الطفل الجديد، في هذه الحالة تتأثر نفسية الطفل الأول ويسعى جاهدًا لأن يلفت نظر والديه، واهتمامهم فيبلل فراشه ليلًا ويصبح نزقًا كثير البكاء، كما تضعف شهيته للطعام أو تنعدم وقد تكون ظاهرة المشي ليلًا الضوء الأحمر الموجه للوالدين لإعادة برمجة علاقتهم بطفلهم الأول ومنحه بعضًا من الحب والحنان من جديد، وقد لا يشعر الطفل بالحنان إلا في حضن أمه، إذ يكفى أن ينام في حجرها ليلًا ليكون هذا خير علاج لبعض مظاهر القلق عنده كالأحلام المزعجة والكوابيس الليلية التي يمكن أن يتعرض لها كثير من الأولاد في سنوات حياتهم الأولى والتي تدل على اضطراب في عواطفهم ونفسيتهم.
ومن المؤكد علميًا أن الشجار بين الأبوين من شأنه أن يؤثر سلبيًا على مستقبل الأبناء وتكون العاقبة وخيمة والطامة كبرى عندما ينفصل الأبوان في مرحلة باكرة من حياة الطفل ليكون هذا شرارة البؤس والكآبة في المستقبل، مما يجعله ينظر إلى الحياة بمنظار أسود ولا يرى من خلاله إلا الألوان القائمة والأحداث المحزنة والمأساوية.
وقد يكون تفضيل أحد الأبناء على إخوته إنذارًا بتدهور مشاعر هؤلاء الإخوة وانحسار عواطف الحب من قلوبهم لتحل محلها الكراهية والغيرة والتي قد لا تحرق إلا قلب صاحبها وبذلك نسيئ إلى فلذة أكبادنا من حيث لا ندري.
وهكذا لا يقتصر دور الأم على منح فلذة كبدها اللبن والغذاء، بل تلعب دورًا مهما في منحه الحب والعطف والحنان وبناء شخصيته المستقرة فتفتح أمامه أبواب الحياة السعيدة الهانئة وتذكره في كل لحظة بعظمة الآباء ودورهم في بناء الأجيال.