العنوان وقفة تربوية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 65
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 30-يونيو-1992
متى يغضب الدعاة؟
جاء في ترجمة التابعي الجليل
زين العابدين علي بن الحسين أن جارية له سكبت عليه ماء ليتوضأ فسقط الإبريق من
يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها.
فقالت الجارية: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ﴾
فقال: قد كظمت غيظي.
قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
فقال: عفا الله عنك.
فقالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال: أنت حرة لوجه الله تعالى.
وسقط سفود من غلام (عبد) لعلي بن الحسين
وهو يشوي شيئًا في التنور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله، فنهض علي بن الحسين
مسرعًا، فلما نظر إليه قال للغلام: إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه.
هكذا يجب أن يكون الدعاة متحكمين في
أنفسهم، لا يغضبون إلا لله تعالى، وهذا من كمال التوحيد الذي يدعون إليه.
فالداعية يتعرض في حياته للكثير من الأذى
من قبل فئات كثيرة في المجتمع، أهل الفساد والجاهلين، وأصحاب السلطات وأهل البدع
والانحراف وغيرهم، ولابد أن يوطن نفسه على التحكم في نفسه وإحكام زمامها، ويتذكر
دومًا قولة قدوته صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»، فمادام السب والشتيمة والتشكيك
والاستهزاء والتسفيه والاستعداء موجه للنفس فلابد من الصبر وعدم الغضب.
ولا يعني أن نزيل الغضب تمامًا من النفس،
إنما هو مطلوب في غير الأثر للنفس، والذي يجب أن يكون عندما تنتهك محارم الله
ويعلو صوت الفساد والفاسدين، وتفوح رائعة المحاربة لله ولرسوله والذي لا يوجد فيه
هذا النوع من الغضب فهو على خطر عظيم، وأن یكون له دافع يدفعه لإنكار المنكر حتى
ولو «في قلبه» وذلك أضعف الإيمان.
عبدالحميد
البلالي
عرض لكتاب «طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف»
أصل هذا الكتاب هو محاضرة ألقيت في أحد
مؤتمرات الشباب المسلم العربي في الولايات المتحدة للأستاذ مصطفى مشهور تناول فيه
سبعة محاور:
الأول: الانحراف في الغاية.
الثاني: الانحراف في الأهداف.
الثالث: حول الجماعة والالتزام بها.
الرابع: حول قضية الفهم وضرورة توحيده.
الخامس: حول خطوات العمل ووسائله.
السادس: طريق الدعوة بين الثقة والتشكيك.
السابع: حول المحن والابتلاء.
والكتاب موجه لفئة معينة في المجتمع، وهي
من سلكت طريق الدعوة، ورضيت به، فجاء الكتاب لتبصيرها بحقيقة الطريق والسبل التي
قد تنحرف بسالكها عن الطريق الأصيل، فالعلم المسبق بالسبل المنحرفة يحمي من
الانزلاق فيها، وكذلك الحال بطول الطريق وما فيه من بعض المتاعب والعقبات، يساعد
سالكه على الإعداد له بالزاد الكافي، والصبر، وطول النفس.
ويؤكد في المحور الأول على أن الغاية في
طريق الدعوة هو الله، والانحراف معناه الاتجاه لغير الله في حركتنا، ويوضح خطورة
أي انحراف وإن كان يسيرًا فإنه يعرض العمل للإحباط، ثم يتعرض لأنواع الانحراف.
ثم ينتقل إلى المحور الثاني والذي يبين
فيه قضية الانحراف عن الأهداف الرئيسية إلى الجزئية أو إلى غير الأهداف الرئيسية،
ويذكر صورًا من الانحراف في الأهداف الرئيسية، ثم يبين في المحور الثالث ضرورة
الجماعة في تحقيق الأهداف، ويعتبر هذا أصلًا من الأصول والتي لا يمكن تحقيق الواجب
بسواه، مستشهدًا بالقاعدة الأصولية: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» ويذكر بعد
ذلك صورًا من الانحراف من هذا الأصل.
ثم ينتقل إلى المحور الرابع وهو قضية
الفهم وضرورة توحيده ضمن من يتحركون لنشر هذا الدين، ويرفق مع هذا الشرح صورًا
للانحراف عن هذا الفهم الأصيل. ثم يذكر في المحور الخامس خطوات العمل ووسائله،
ويذكر مع هذا صورًا للانحراف في مجال خطوات العمل ووسائله، والتي فيها انتهاج
أسلوب الأحزاب السياسية، وعدم الاهتمام بعنصر التربية، وإهمال عنصر الوحدة، ورفع
رايات لمبادئ أرضية، والارتجال وعدم التخطيط. وعلى نفس المنوال يسلك -حفظه الله-
في المحور السادس والسابع.
والكتاب بشكل عام من أهم الكتب في مجال
الدعوة، خاصة وهو يخرج من أحد قيادات العمل الإسلامي والذي سار في طريق الدعوة ما
يزيد على أربعين سنة.
ويحس القارئ الكريم وهو يقرأ هذا الكتاب
بسيل من الخبرات والعلم بهذا الطريق والتأصيل الشرعي لهذه الدعوة الكريمة.
مكابدة النفس
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث
الذي أخرجه الإمام البخاري: «حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات». وعلى رواية مسلم: «حفت الجنة
بالمكاره، وحفت النار بالشهوات».
فعلى رواية البخاري تكون الجنة وكأنها
مغطاة بحجب، وهذه الحجب ليست من الجلد أو الحرير أو غيرها من أنواع الأغطية ولكنها
من المكاره، وعلى هذا فهو ليس غطاء واحدًا بل هي أغطية كثيرة وحجب متعددة بسماكات
متعددة، وألوان مختلفة، فلكل مصيبة لون، ولكل ابتلاء سماكة، فلا يمكن للمؤمن
الوصول للجنة حتى يخترق هذه الحجب جميعها، وعملية الاختراق، والتي قد تستغرق الوقت
الطويل هي ذاتها المكابدة لهذه النفس التي قد تمل طول الطريق، وصعوبة اختراق هذه
الحجب من المكاره، فتحث صاحبها على الدعة والراحة، والرضا بما فيها من عيوب، وبما
تقدم للآخرة دون زيادة.
وإذا كانت برواية الإمام مسلم فإن الجنة
محاطة بأسوار ليست من الأسمنت المسلح، ولا من الطابوق، ولا من الحديد أو أحد
المعادن؛ ولكنها من المكاره، فبعضها مرتفع، والبعض الآخر منخفض، وبعضها سميك وآخر
رقيق، وللوصول للجنة لابد من تجاوز المنخفض منها بالقفز، وتكسير المرتفع منها بكل
ما يملك المؤمن من أدوات الهدم، وعملية القفز والهدم المستمرتين هي ذاتها عملية
مكابدة النفس على ما تكره، فلا يمكن أن نصل إلى الجنة دون عملية تمزيق الحجب،
والقفز على الأسوار، وتهديم أسوار المكاره التي حفت بها الجنة، ولابد أيضًا من
الاستمرار في هذه العمليات دون كلل حتى وإن استغرقت هذه العمليات العمر كله، وهكذا
نتعلم من جيل التابعين.
فمما يرويه لنا الإمام الأوزاعي عن
التابعي الجليل عبدالله بن أبي زكريا الخزاعي قوله: «عالجت لساني عشرين سنة قبل أن
يستقيم لي»(1). وفي موضع آخر: «عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن
أقدر منه على ما أريد»(2).
وجاء في ترجمة التابعي مورق بن المشمرج
العجلي قوله: «أمرٌ أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه
أبدًا. قالوا: وما هو أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني»(3).
وتتضاعف مدة المكابدة والصراع لهذه النفس
من أجل تزكيتها مع فئة أخرى من التابعين؛ فمما جاء عن التابعي شيخ الإسلام الحافظ
محمد بن المنكدر قوله: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت»(4).
ويقول الزاهد يوسف بن أسباط: «لي أربعون
سنة ما حاك في صدري شيء إلا تركته»(5).
إن هذه المكابدة لا تحبها النفس، ولا
تتواءم معها، ولكننا لسنا في خيار إلا على سلوك هذا الطريق إذا ما أردنا سلعة الله
الغالية حتى وإن كانت أنفسنا لا تواتينا على ما في هذا الطريق، كما كانت أنفس
الرعيل الأول والتابعين تواتيهم على الخير، كما أشار لذلك الإمام الثبت، أمير
المؤمنين في الحديث عبدالله بن المبارك إذ قال: «إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم
تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره، فينبغي لنا أن
نكرهها»(5) على سلوك طريق الخير وتنقيتها مما شابها من الشر، وإن استغرق ذلك
أعمارنا كلها.
وإذا كان ابن المبارك رحمه الله، والذي هو
أقرب لجيل التابعين منا يقول عن الجيل الذي هو فيه هذه المقالة، فلا شك أن نفوس
هذا الجيل الذي نعيش فيه أشد معاندة على قبول الخير، ولا تواتينا إلا على كره
شديد، ومكابدة من نوع خاص، والبحث الدقيق عن معوقات التزكية والتي من أبرزها شح
النفس الذي حذر منه الله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ليتجنبه المؤمن
خلال تزكيته لنفسه.
_________________
(1) الزهد
للإمام أحمد، ص١٦٨.
(2) صفة الصفوة 4/ 216.
(3) صفة الصفوة 3/ 250.
(4) سیر أعلام النبلاء 5/ 355.
(5) صفة الصفوة 4/ 262.
(6) صفة الصفوة 4/ 145.
أقوال
تربوية
- يقول التابعي سليمان التيمي: «لو أخذت
برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله». السير 6/ 198.
- يقول مالك بن دينار: «رحم الله عبدًا قال
لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها
كتاب الله فكان لها قائدًا». محاسبة النفس: ص26.
- قال التابعي سعيد بن المسيب: «ما خفت على
نفسي شيئًا مخافة النساء، فقالوا: يا أبا محمد، إن مثلك لا يريد النساء ولا تريده
النساء، قال: هو ما أقول لكم، وكان شيخًا كبيرًا أعمش». الطبقات 5/ 136.
- قال التابعي يحيى بن كثير لابنه: «لا
يستطاع العلم براحة الجسد». السير 6/ 29.
- قال أبو معاوية الأسود: «إخواني كلهم خير
مني. قيل له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟ قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن فضلني
على نفسه فهو خير مني». صبغة الصفوة 4/ 271.
- يقول عابد الكوفة إبراهيم التيمي: «ما عرضت
قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذبًا». سير أعلام 5/ 61.