; المجتمع التربوي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993

مشاهدات 63

نشر في العدد 1064

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 31-أغسطس-1993

تغيير الواقع

هل نستطيع تغيير الواقع؟ هذا سؤال مطروح لكل داعية، ومن خلال الاحتكاك بنماذج متعددة من الدعاة في جميع العالم تقريبًا، يمكننا أن نعطي ملخصًا للإجابات الرئيسية من طبقات الدعاة على هذا السؤال.

جمهور الدعاة يعتقدون بأن تغيير الواقع أمر ممكن، وذلك من خلال فهم دقيق لآيات الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستقراء التاريخ، ومشاهدات وتجارب الحركة المعاصرة، كلها تدل على إمكانية التغيير، والأصل الذي ينطلق منه هذا الجمهور من الدعاة، هو اعتقادهم بأن مالك التغيير هو الله تعالى، وإمكانية التغيير مطلقة لله تعالى، ولكنه تعالى جعل لذلك سننًا، من أبرزها اختيار الإنسان بذاته عملية التغيير، وواجب الدعاة حتى يحدثوا عملية التغيير، هو تحفيز الناس وتوجيه طاقاتهم ليحدثوا التغيير في أنفسهم أولًا، وهذا هو الواجب الأساسي للدعاة لتغيير الواقع، وهذا ممكن من خلال دعوتهم للخير بالأساليب المتنوعة، وبالزاد الذي استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وبالتذكير بحقيقة وجود الإنسان على هذه الأرض وحقيقة الدنيا والهدف من خلقه على هذه الأرض، وما ينتظره بعد الموت.

أما الفئة الأخرى من الدعاة وهم الأقلية فيرون أن تغيير الواقع عملية بالغة الصعوبة وهي إلى المستحيل أقرب ويستشهدون على آرائهم بكثرة الأعداء، وكثرة الخطط الموضوعة من قبلهم، وكثرة وسائل التأثير التي يملكها الأعداء سواء في الإعلام أو الاقتصاد أو السلام أو التكنولوجيا، بينما المسلمون متخلفون في كل هذه المجالات، عوضًا عن الجهل المستشري بين المسلمين، وما يعانونه من الفقر والضعف وهيمنة معسكر الصليب عليهم في كل الأمور، إضافة إلى اختلاف المسلمين وخاصة الدعاة فيما بينهم... إلخ من المشاكل.

كل هذه الحجج تبدو منطقية إذا استسلمنا لها ولم ننظر لآيات القرآن الكريم، وسنن الله في الأمم وقدرته سبحانه على تغيير الواقع إذا ما بانت الأسباب لهذا التغيير ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21) ويقول الشاعر:

ما بين طرفة عين وانتباهها                                      يبدل الله من حال إلى حال

أبو بلال


آلام قلم وكلمات أمل

المعاناة الحادية عشر: الجمود في الفكر الحركي

بقلم: الشيخ جاسم مهلهل الياسين

الفكر الحركي الإسلامي مبعث للمعاناة، حينما تتأمل فيه، لأننا نجد قصورًا فيه أحيانًا، ونجد فيه أحيانًا أخرى أمورًا مضى وقتها الذي كانت مناسبة له في حينه، وهي اليوم تقال في زمن غير زمنه وربما في بيئة غير بيئتها، فقد جدت أحداث وتلاحقت أزمان حملت كثيرًا من التغييرات في الوقائع ونوعية المواجهات وامتداد واتساع الحركة، مما كان يستدعي تطورًا فكريًا تجديديًا، لا يصف هذه الأحداث ويلاحقها فقط، بل يسبقها ويمهد لها إن كانت صالحة ويحذر منها إن كانت غير ذلك. وهذه محاولة لتصحيح شيء مما لحق الفكر الحركي الإسلامي، قد تخفف شيئًا من المعاناة، وقد تحقق أملًا ربما طلبناه.

أولًا: التجديد في الفكر الحركي ظاهرة إيجابية مأمونة العواقب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وقائدنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبعد..

فإن مجاميع الدعاة يحتاجون اليوم إلى حركة فعالة سيارة متجددة لا تعرف القعود والجمود، إحيائية متفاعلة مع واقعها من غير تعصب للمواقف الفكرية، أو السياسات المنهجية ومن غير الالتزام الحرفي والتقيد بالأشكال التنظيمية والأعراف الحركية، بل إنهم محتاجون إلى السعي دائمًا نحو توخي الحق وتحقيقه في واقع الحياة، وهذا التجدد قد يجرى تلقائيًا عفويًا نتيجة للنضج الحركي ونضج المجتمعات أو ظرف طارئ على المجتمعات أو الحركات في مسيرتها، وفي هذا خير وخدمة للدين، ومن المعلوم أن أي طريقة للعمل لابد أن تعتمد على قواعد الدين وأصوله ويتمسك بهما الدعاة، ولكن في المقابل لا يتعصبون لأي وسيلة بشرية تثبت الأيام أنها ليست حاملة للقدرة المغيرة لواقع المجتمع، وإن كانت في وقت من الزمان تؤدي الغرض الذي وضعت له، ولكن هذا لا يعني إلزامية استمرارها كوسيلة واحدة لا تتغير.

وأصحاب الطرح التجديدي يقررون أن المجتمعات والحركات الإسلامية الحاضرة تدين بالفضل للجماعات الإسلامية والعلماء الأفاضل الذين سبقوا في حاضر العالم الإسلامي بالكم التوجيهي، من خلال وسائل الاتصال المختلفة التي خرجت منهم، وهي حين تقرر ذلك عليها أن تضيف من الفكر الغربي التنظيمي والإداري الذي تفتحت عيون شباب الدعوة عليه من خلال دراساتهم الجامعية في جامعات الغرب، ثم تستفيد من هذا من خلال حركة تطويرية لمؤسساتها العاملة، ثم تصهر هذه الأمور في برنامج عملي في جو من الارتياح النفسي والاقتصادي والسياسي، لتنشط روح الاجتهاد في إطار التخطيط والتنظير المبني على عمل مؤسسي شوري لينشأ بعد ذلك فريق كبير من الرواد.

والمواضيع القادمة هي محاولة لفتح الموضوع وإثارته، وهي قابلة للحوار وليست أوراقًا يصنف صاحبها من بعدها، أو كلمات تحارب في مهدها، وهي جهد بشري فإن كان بها صواب فمن الله وتوفيقه وإن كان فيها أخطاء فمن نفس كاتبها والشيطان. والله نسأل التوفيق والسداد..

المراد بالتجديد للفكر الحركي

التجديد في الفكر الحركي هو إبراز البدائل وتقديم الحلول عند نقد العمل الموجود والذي لم يحقق الهدف، فالأفكار التجديدية في الفكر الحركي ليست ردود فعل وانفعالات متسرعة نتيجة لحدث يعيشه الإنسان، لأن مثل هذا المنهج قد يوصل إلى طرح حل معين، ولكنه ليس هو الذي يحل المشكلة بل قد يوقع في مشكلة أخرى. فالتجديد هو العمل المبرمج لتحقيق مراد الإنسان وإخراجه من حدود المثير والاستجابة، وهو ترتيب للمصالح والمقاصد وجمعها في صيغة متكاملة بعيدة عن التعارض مع الموازنة في ترتيب الأولويات وتقديم مصلحة المجموعة على مصلحة الفرد مع احتفاظ المجدد بقيمته أمام المجموعة.

التجديد بعد التقويم

من الأزمات التي تعترض الحركات الإسلامية أزمة الفكر الحركي حيث أصابها شيء من الجمود والتوقف، وأصبح فكرها غير قادر على إخراجها من أزمتها، والفاحص يجد أن الكثير أو القليل من التعثرات هي انعكاسات وآثار مختلفة للأزمة الفكرية، حيث اختلطت الأوراق واضطربت الأولويات وتعرضت قدرة العطاء إلى الذوبان، وتأخر مستوى الأداء وشكله، وعلى هذا لابد أن تعطى قضية الفكر الحركي الأولوية كأساس في بداية الانطلاقة الجديدة ولابد من إعطاء هذه المسألة الحق في النقاش والحديث من أجل الوصول إلى النضج، فالإصرار والعناد على أمر من اجتهاد البشر تظهر صور الخطأ فيه من خلال الممارسة في الزمان والمكان ستكون نتيجته امتلاء قلوب الأتباع بالشعور بالتعظيم لهذا الذي ألقوه حتى يصلوا به إلى عقدة السمو لما اعتادوا عليه واحتقار الآخرين من أصحاب الفكر الآخر، وهذه من الويلات التي يعيشها المجتمع الدعوي في عالمنا العربي الإسلامي، وهو تكرار لمقولة العربي «اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا» والخطورة الأكثر أن ينبني على هذا الفكر منهج سلوكي في تعامل القوى الإسلامية بعضها مع بعض، فبدلًا من التناصح والتعاون يكون التحاسد والتناحر.

التجديد بين حركة الكون والفكر

نلاحظ أن التجديد والحركة هما القاعدة التي يقوم عليها الكون من أجل ألا يأسن ولا يتجمد ولا يفسد فهو في حركة تغير وتطور مستمر، ولكن هذه المرونة والحركة منضبطة فانظروا مثلًا إلى الإلكترونات نجد أنها تدور وتتحرك ولكن حول الذرة، وكذلك الحركة المقبولة في الفكر البشري التي لا تخرج عن ثوابت الأصول والقواعد التي قام عليها الدين. فالتجديد في الفكر الحركي تابع للخاصية الإيجابية لهذا الدين ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:105) وهذه الإيجابية متوافقة مع واجب الإنسان في الأرض، وهو الاستخلاف لتحقيق منهج الله في صورته الواقعية.

البدء بالتجديد

لا بد من البدء بمنهج التجديد الحركي من خلال أدبيات الحركة الإسلامية، لتتكون بعد ذلك القناعة الفكرية بهذا المنحى في السير لتكون بعد ذلك حقيقة قائمة في الخطط المرحلية للدعوة، فالحركات التي تعرف مكمن الداء فتتقيه ومركز الخطر فتجتنبه، ثم تبدأ بالتحذير من أماكن الخطر هي الحركات التي يتم لها النجاة من غرق الفتن والانشقاقات، فالذي ينظر في التاريخ يرى أن الانبعاث الذي يأتي نتيجة للاضطرابات التي تحدث في صفوف الجماعات قد يؤدي إلى خطر يهدد حتى وجود الجماعة في تماسكها وعطائها، أما ما يأتي عن طريق حركات تجديدية إنقاذية عامة أو قيادة آسرة مبدعة فهو طريق مأمون الجانب لحدوثه في فترة كافية للحوار والاختلاف وتخمير الرأي.

وبهذا قال أحد الزعماء الصينيين: «إن الذي كان علينا أن نقوم به من توعية للشعب إلى الخطر الذي يحيط به لم نقم نحن به وإنما قام العدو بهذه التوعية حين صارت قنابله تسقط على الشعب».

فالبدء بالتجديد في الفكر الحركي من أجل ألا يتمزق شباب الدعوة بين سلبيات الحركة والولاء لها وعدم رفع الصوت فيها، التجديد من أجل ألا تكون الحركات الإسلامية مجموعات بشرية تجمعها الشعارات والعواطف والخطب البليغة، نعم لابد من البدء لتستمر الحركة متماسكة سادة لباب الانشقاق والصراع الداخلي، من أجل ألا ينادى في وسط الحركات الإسلامية بأنها قد انتهت صلاحية البضاعة التي تحملها، فتحكم عليها حينئذ مؤسسات الفكر بالإلغاء لانتهاء المدة ثم يتفرق بعد ذلك منتسبو الحركات إلى شراذم تتساقط في مصائد ثعالب الاستخبارات وعباقرة مفرقي الجماعات.. ومع أهمية البدء في التجديد لابد من الاعتراف أن مرحلة البناء الإبداعي من أدق المراحل التي تمر بها الحركات والتي تستلزم تحديد عناصر البناء وأشكاله وخططه.


الحلم سيد الأخلاق

1.      روي أن معاذًا شج رأس رجل فطالب قومه بالقصاص فرضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال حتى يعفوا فرضوا به، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: إني سأعلن ذلك في ملأ من الناس، فقالوا: نعم. فذكر صلى الله عليه وسلم في اجتماع ثم قال لهم: هل رضيتم فقالوا: لا. فلم يغضب عليهم واختلى بهم مرة أخرى وزاد لهم في المال حتى رضوا. فقال لهم: إني سأذكر ذلك في جمع، فقالوا: نعم ففعل، ثم قال لهم: هل رضيتم؟ قالوا: رضينا.

2.      قال رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: لأسبنك سبًا يدخل معك القبر! فأجابه: معك يدخل لا معي!

3.      روي أن رجلًا من جفاة الأعراب قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما تقضي بالعدل، ولا تعطي الجزل! فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199). فبكى عمر رضي الله عنه وحلم عليه وعفا عنه.

4.      شتم رجل الشعبي فقال له: إن كنت كما قلت فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك.

5.      اغتاظت عائشة رضي الله عنها من خادم لها، ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء.

وهكذا نرى أن من يحلم يكون عاقلًا وحازمًا حيث إن الغضب يولد الخلاف والحقد وطول الجدل والعراك فيزيد النفور والغواية بين المتجادلين والمختلفين. وقد روى أبو هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله مرني بعمل واقلل قال: «لا تغضب» ثم أعاد عليه، فقال: «لا تغضب».

ماهر السعيد


السيرة النبوية بين جلال الذكرى، ودعوى الحب

بقلم: كمال محمد درويش

قد شاءت إرادة الله واقتضت حكمته سبحانه، أن يشرف الوجود بخير مولود، وأن يأتي هذا المولود إلى هذه الدنيا يتيمًا، يموت أبوه وهو لا يزال جنينًا في أحشاء أمه، وتموت أمه وهو في السادسة من عمره، وفي هذا أبلغ عبرة على أنه وإن كان يتيمًا إلا أن العالم كله في كفالته، وأيضًا فإنه بدلًا من أن يلهج بالذكر والثناء، وتعلق القلب بأبويه قائلًا: أمي.. أبي، يتجه إلى من آواه من يتم قائلًا: ربي.. ربي.. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ (الضحى:6). ثم في إعتاق أبي لهب لجاريته ثويبة، وقد حملت إليه بشرى مولد ابن أخيه «محمد بن عبدالله» إشارة إلى أن هذا الوليد الكريم، سيكون على يديه تحرير العبيد، وإنقاذ الأرقاء من ذل الرق وقهر العبودية، وغير ذلك كثير لا يسعفنا المقام لذكره.

وفي هذه الأيام الكريمة المباركة ومع إطلالة شهر ربيع الأول الذي شرف بمولد ربيع الدنيا والآخرة يهرع المسلمون أو البسطاء منهم لإقامة احتفالات، لا علاقة لها بالدين أو بصاحب الرسالة من قريب أو بعيد، فهم يظنون -واهمين- أنهم بتجمعهم حول شادٍ يشدو بحسن الثناء وقصائد المديح، قد أحسنوا صنعًا، وأتوا ما ينبغي أن يحمدوا عليه، وصاحب الرسالة العصماء صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأكرمون والتابعون بصدق وإحسان بريئون من هذا الخلط العجيب والفهم المعوج للدين والرسول ولما جاء به!

إنني قد تعجبني الكلمات، يترنم بها صاحب صوت رخيم، فتهز القلب، وتثير الوجدان وتنعش الروح، لكن شيئًا من هذا لا يمكن أن ينهض دليلًا على حب محمد صلى الله عليه وسلم ولا على حب الله سبحانه وتعالى الذي يقول على لسان رسوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران:31). فالمحبة إذن في الاتباع لا في الابتداع.. وأي محبة تقوم على غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي محبة كاذبة أو هي محض ادعاء!

وقديمًا قالها رجل صالح لجماهير المسلمين الذين شكوا إليه قسوة قلوبهم، وعدم تفتح أبواب السماء لقبول دعائهم، قال لهم ينعى عليهم ما وصلت إليه حالهم: «زعمتم أنكم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته»!

ألا ما أرخص الحب إذا كان كلامًا.. وأغلاه إذا كان قدوة وذمامًا!

ويجدر بنا أن نقتطف بعض الزهرات من رياض محبة الصحابة -رضوان الله عليهم- لرسولهم -صلى الله عليه وسلم- لندلل على نوادر حبهم له وتفانيهم في الانصياع لأمره.

وطئ أبو بكر الصديق في مكة يومًا بعدما أسلم، وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخسوفين ويحرفهما لوجهه حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمسوا منه بألسنتهم وعزلوه. ثم قالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله؟ حتى جاءت أم جميل بنت الخطاب فوجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت منه وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسوق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع! قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن لله عليّ ألا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانظر كيف أشرف على الموت من كثرة الأذى ثم لا يرضى أن يطعم أو يشرب حتى يطمئن بنفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وهذا ثوبان -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- كان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، يعرف الحزن من وجهه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غير لونك؟ فقال يا رسول الله: ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم إني إذا ذكرت الآخرة أخاف ألا أراك لأنك ترفع إلى عليين مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخلها لم أرك أبدًا! فنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:69).

إنه حب حقيقي قادهم إلى طاعته وطاعة الله لا حب مظهري، ولا رابطة كاذبة، وأراني هنا أسوق كلمة للداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي في هذا المعنى يقول: «ومحمد ليست قصة تتلى في يوم ميلاده، كما يفعل الناس الآن، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضم إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبه يكون بتأليف مدائح له أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون، ويتأوهون أو لا يتأوهون! فرباط المسلم برسوله الكريم أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير إلا يوم أن تركوا اللباب المليء وأعياهم حمله، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال.. إن الجهد الذي يتطلب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور والعودة إلى جوهر الدين ذاته، فبدلًا من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم وإصلاح شأنه حتى يكون قريبًا من سنن محمد صلى الله عليه وسلم في معاشه ومعاده وحربه وسلمه وعلمه وعمله وعاداته وعباداته.. إن المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره، لا يغنى عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة! إن الصحابة رضوان الله عليهم أحبوا رسولهم بكل قلوبهم، فأطاعوا بكل قواهم على النحو الذي عبر عنه سعد بن معاذ يوم بدر، حيث قال للرسول صلى الله عليه وسلم: «إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت.. وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر، فأمرنا تبع لأمرك...».

وبعد: فهل نحن حقًا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذن فأين الدليل أين العمل والسلوك؟ أين طاعته التي هي طاعة لله؟


هموم من الواقع: آهات مكلوم

بقلم: خالد مال الله

بعد أن أكرمنا المولى تبارك وتعالى أن شهدنا صلاة الفجر جماعة في المسجد، وأنا في طريقي لتوصيل أحد الإخوة رأيت شابًا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، وهو ممدد على الرصيف في إحدى الطرق الداخلية.. فأوقفت سيارتي ورجعت بها للوراء ظنًا مني أنه بانتظار شخص معين وتأخر عليه فاستلقى على الأرض، لحين وصوله، وعندما وقفت عنده للاستفسار منه إذا كان يحتاج شيئًا، وإذا به يبكي.. فأوقفت السيارة ونزلت منها للاستعلام منه عما دعاه لهذا الأمر. استمر في بكائه.. ولم يبد بما في قلبه، فأخذته معي بالسيارة لتهدئته، ولتقديم العون له إن كان يحتاج، فأخذ يتكلم ويخرج ما في قلبه من هموم فيقول:

أكرمني الله بالالتزام قريبًا.. ووفقني لصحبة صالحة تعينني على طاعته وزيادة في الإكرام والمنة وفقني الله لحضور صلاة الفجر جماعة في المسجد، حيث ظللت طيلة البارحة سهران حتى لا تفوتني صلاة الفجر وما يصاحبها من أجر عظيم ونور تام يوم القيامة. وأنا في طريقي للمنزل والفرحة تغمرني والسعادة تملأني لإدراكي لصلاة الفجر حامدًا الله تعالى على هذه النعمة، وبعد دخولي إلى المنزل مررت بغرفة أختي الصغرى فوجدت نور غرفتها مشتعلًا وإذا بها نائمة وقد سقط الغطاء عنها، فزملتها بالغطاء وأغلقت الإنارة وخرجت من غرفتها، وإذا بوالدتي أمامي وهي تقول: ماذا فعلت بأختك؟! وقع عليّ هذا السؤال كالصاعقة على مسمعي، فتكمل كلامها: أنت طيلة البارحة لم تنم لابد أنك فعلت بها شيئًا؟ تمنيت في هذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبلعني ولا أسمع هذا الاتهام العاري من الصحة.

إنها أختي العزيزة، وشرفي، وعرضي.. ما هذا التفكير البذيء؟ إن الذي يفكر بهذا الأمر عديم الإحساس بل في مرتبة الحيوانات بل الحيوان أفضل منه، لأنه عديم العقل حين يفكر في هذا التفكير، فأكملت حديثي قائلًا: كيف بشخص وقد شغلت قلبه صلاة الفجر وتعلق بها وشهدها مع الجماعة أن يفكر بهذا التفكير.. إنها والله انعدام الثقة.. وسوء الظن من الأم بابنها.

ثم خرجت إلى الشارع هائمًا على وجهي من هول ما سمعت، وأنا لا أستطيع حمل أرجلي فارتميت على الرصيف.. ودارت في مخيلتي أمور عدة، فكرت بالانتحار، فكرت بالهروب من المنزل وعدم العودة إليه.. فكرت، وفكرت، وفكرت، حتى ساقك الله إلي لتخفف عني عما في قلبي من مصاب.

فجلست معه محاولًا رفع معنوياته وتصبيره وتهدئة روعه، وأن الإنسان المؤمن مبتلى، وهذا ابتلاء رباني للعبد أيصبر أم يجزع، وأن الانتحار كفر، والهروب لا يعتبر حلًا للمشكلة بل سيفاقمها ويزيدها نارًا، وأثناء الحديث رأينا شيخه الذي يحفظه القرآن بالمسجد، فذهب معه ليكمل له العلاج لهذه المشكلة، فكان العلاج له كالبلسم الشافي والنور المشع. فشاهدته مرة أخرى في نفس اليوم هادئًا فرحًا ووجهه مشرقًا بالابتسامة وقد أكرمه الله بإنهاء المشكلة، وعودة الثقة فيما بينه وبين أهله، وذلك لأنه كان في ذمة الله لحديث الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه: «من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله».

نعم أحبائي في الله، هذه هي نتيجة الحرص على هذه الفريضة المهجورة والمداومة عليها، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله بشيء أفضل منه.

الرابط المختصر :