العنوان المجتمع التربوي- العدد 1117
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1994
مشاهدات 176
نشر في العدد 1117
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 20-سبتمبر-1994
وقفة تربوية: ألا يعتبرون؟!
أجلس الآن أمام الكعبة- شرفها الله- بعد الصلاة الفجري، وأرى المسلمين يطوفون بالبيت من غير انقطاع، في دائرة ضد عقارب الساعة، فتذكرت أن هذا الدوران غير مقتصر على المسلمين في طوافهم حول الكعبة، بل هو سنة كتبها الله- تعالى- على كل كائن، من الذرة التي ثبت علميًا أنها تدور إلى أكبر الأجرام السماوية، كلها تدور حول نفسها، في إشارة لهذا الإنسان بأن الحياة لا تتم إلا بالحركة، وأن الحركة هي عنوانها، ومن غير الحركة يكون السكون، والذي هو عنوان للموت، وأن الإنسان لا يحصل على معالي الأمور سواء كانت دنيوية أو أخروية إلا بالحركة، وأن معالي الأمور لا تتم بالتمني ولا بالقعود والاكتفاء بالكلام والنقد، كما يدل هذا الدوران المنتظم والذي لا يقبل في الطواف عكسه، ولا يكون في الذرات والكواكب أو النجوم أو المجرات خلافه، يدل على أهمية النظام لتحقيق الغايات، وأنه لا يمكن الوصول إلى الغايات وصولًا آمنًا مضمونًا من غير نظام، وأن الفوضى أو الاجتهادات الفردية من أكبر العوائق للوصول إلى الغايات.
وأن الدوران والحركة والنظام تقتضي كلها مركزًا تدور وتتحرك وتنتظم حوله، ومن هنا نفهم أهمية القيادة، وأنها أصل من أصول الحركة الصحيحة والنظام الصحيح الذي يريد الوصول للغايات، فلا يمكن لمجموعة من المجاميع البشرية وحتى الحيوانية أن تتحرك من غير قيادة، وأن الفشل والاختلاف هو مصيرها من غير قيادة.
فهل نعتبر عند طوافنا؟!
أبو بلال
بقلم: صالح عبد الله الصالح
المتطلع إلى الحركة الإسلامية يلاحظ أنها تشكو فيما تشكو منه فقرًا في الكفاءات، فقد أعدت الحركة الإسلامية دعاة موجهين، وأفرادا مربين، وخطباء مرشدين، ولكنها أهملت في تكوين وإعداد صف من الدعاء المربين لهذه الدعوة، وحتى لو وجد هذا الصنف فهو قليل، فغالبًا ما تحقق دونما تخطيط مسبق أو نظرًا لطول مدة الممارسة.
من هذا المنطلق تأتي الحاجة الماسة للنظر في تكوين وإعداد الاحتياطات والكفاءات التي تستطيع أن تعمل عند حدوث «المحن» والملمات والشدائد وتسير بالركب إلى بر الأمان والسلام.
والمربي طليعة الركب ورأس القافلة وتأثيره على الصف بليغ وعميق وواضح، فإن هو صمد أمام الملمات ووقف أمام عواصف الفتنة أشاع في نفوس الأفراد روح الأمل والإقدام، وإن هو انهار وعجز تصدع الصف وتساقط البنيان.
لأن الفتن والمحن والابتلاءات التي تتعرض لها الدعوات هي سنة من سنن الله التي لا تتبدل حتى يميز الله الخبيث من الطيب، وحتى ينقى الصف من الدخن والشوائب.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت: 1 – 3). يقول الأستاذ سيد قطب «رحمة الله تعالى» في تعليقه على هذه الآيات: «لا يكفي أن يقول الناس أمنًا وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به»، «الظلال: 5/ 2720».
ونحن نريد هذه الكفاءات التي تستطيع أن تحول المحنة إلى منحة ربانية.. وكيف يكون السبيل إلى إعداد هذا الصنف؟
هناك عدة خطوات يمكن أن نتبعها في إعداد الاحتياطات المربية:
1- إننا كدعوة يجب أن نعد المناهج والأسس والمعايير لإعداد ذلك الصف من الناس وذلك بإيجاد البيئة الصالحة والتربة التي يمكن أن يغرس فيها، فكم من شخص قيادي لأنه لم يؤبه له ولم يلتفت إليه، ولم يلق العناية المناسبة ضاعت مواهبه وقدارته في وسط الجمع الكثير، لذلك كان الإمام البنا- رحمه الله- يردد قول الشاعر:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له **** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
2- ومما يساعد على تنمية الشخصية القيادية في الأفراد أن نتيح الفرصة للدعاة في المشاركة في وضع البرامج والأنشطة حسب مواهبهم وقدراتهم، وألا يحتكر وضع البرامج ورسم الخطط على فئة معينة وأن تتقبل اقتراحاتهم وآراؤهم فإن ذلك من شأنه أن يثري عملية التخطيط من ناحية وأن يجعل للأفراد دورًا إيجابيًا فعالًا، وأن يكون النقد والاقتراح مجاله الإظهار لا الإضمار، الأمر الذي يوجد الشخصية القيادية الواثقة لا الشخصية الضعيفة المهتزة.
3- وعلى المربين أن يبحثوا في صفوفهم عن تلك النوعية التي تتوفر فيها الصفات القيادية ولا يكون هذا البحث نظريًا فقط، وإنما بإعطاء الفرص لكل فرد في الجماعة لإثبات طاقاته وإمكاناته وجعل الفرد يعيش مع جماعته في آرائها وبرامجها.
4- وواجب المربي تجاه أفراده أن يغرس فيهم الصفات القيادية وألا يقتصر فقط على بعض الجوانب الإيمانية التي قد تجعل الفرد منطويًا ومنعزلًا، من هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر: النظر الثاقب- الإرادة القوية- الرأي السديد- الجرأة في قول الحق بأدب وحكمة- الشجاعة والأقدام- وغيرها من الصفات القيادية.
وفي الوقت الذي نغرس فيه الصفات القيادية علينا أن نغرس في نفوسهم عدم طلب الإمارة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد شدد في النصيحة الصريحة لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»، رواه البخاري في صحيحه.
ثمرات إيجاد الاحتياطات القيادية:
1- بإيجاد الصف القيادي نستطيع أن نواجه مشكلة الأعداد الكبيرة التي تقبل للعمل في الدعوة إلى الله، فباستطاعة ذلك الصف القيادي بما أتاه الله تعالى من إمكانات وقدرات من استيعاب واحتواء أكبر عدد ممكن، ونحن الآن أوجدنا النشاط والبرنامج الذي استطاع أن يحتوي الناس وعلينا الآن أن نكمل المسيرة بأن نوجد مع النشاط الصف القيادي حتى يحقق فينا التكامل والشمول.
2- وبإعداد ذلك الصف القيادي فإننا نضمن إن شاء الله المحافظة على خط الجماعة وسمتها وقوتها في المجتمع فلا يمكن أن تظهر مدارس فكرية أخرى في الجماعة لأن ذلك الصف أعد من قبل الجماعة وشرب من معينها الصافي.
3- وإذا ما سارت خطة الإعداد كما ينبغي لها فإننا نحصل في المستقبل على أكثر التخصصات القيادية التي تستطيع أن تسد النقص في مجالات الحركة ومراحلها، فسيكون عندنا القيادي النقابي، والقيادي الاقتصادي، والقيادي السياسي، وكذلك القيادي الجماهيري، وغيره من القياديين المتخصصين.
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
المشكلة: ضعف الرد على الشبهات
التعريف: استماع أعضاء المؤسسة لبعض الشبهات عن منهج المؤسسة أو قياداتها من بعض الخصوم للتيار الإسلامي أو من الإسلاميين المخالفين لأسلوب ومنهجية المؤسسة أو من عوام الناس، وعدم القدرة على الرد على هذه الشبهات مع معرفة خطئها.
المظاهر:
1- سكوت العضو في مجلس تذكر فيه الشبهات في مؤسسته.
2- الرد الركيك على قائل الشبهة.
3- الانفعال والغضب وفقدان السيطرة على النفس أثناء سماع الشبهة.
الأسباب:
1- ضعف القراءة، والجهل بمنهاج المؤسسة والأصول التي قامت عليها، والجهل بتراجم رجالها المؤسسين.
2- الجهل بأصول الحوار.
3- الجهل بنقاط ضعف منهج المحاور أو صاحب الشبهة.
4- الغضب السريع وعدم ملكة النفس.
5- ضعف العلم الشرعي والعلم بالحركات الهدامة ومنطلقاتها «معرفة الجاهلية».
6- تعظيم صاحب الشبهة وإعطائه حجمًا أكبر منه والمؤدي للخوف والهيبة من مواجهته.
7- عدم الإحاطة بالبواعث على طرح الشبهة، ويقولون في المثل: «إذا عرف السبب بطل العجب».
العلاج:
1- عدم الانفعال، ومحاولة السيطرة على النفس ما أمكن.
2- الاستماع إلى صاحب الشبهة حتى النهاية وعدم مقاطعته.
3- معرفة الباعث على إيراد الشبهة.
4- عدم الرد المباشر إذا كنت لا تعلم، واضرب موعدًا للحوار والمناقشة حتى تستكمل إحاطتك بالمسألة.
5- الرد يكون مدعمًا بالدليل الشرعي والمنطقي والعقلي.
6- معرفة خلفية صاحب الشبهة ونقاط ضعف منهجه ومنهج المؤسسة التي ينتمي إليها.
7- الاستماع إلى الشبهة بدقة والتأكد مما يقصد منها.
8- معرفة جميع ردود صاحب الشبهة، وتحضير الأجوبة عليها.
9- الحذر من سحب صاحب الشبهة لك إلى مواضيع بعيدة عن الموضوع الرئيسي، ودائمًا أرجعه للموضوع الرئيسي.
10- الإصغاء وإبداء الاهتمام.
11- إياك ورفع الصوت أثناء النقاش، وعليك بالهدوء أثناء الفرح.
12- المخاطبة بالتوقير والاحترام أثناء النقاش مثل «أخي العزيز.. مع احترامي لرأيك.... إلخ».
13- أبحث عن نقاط التقاء بينكما لتكون المدخل للنقاش، وإياك والبدء بنقاط الاختلاف.
إن من طبيعة هذا الدين، أنه لا يتحقق في دنيا البشر إلا بجهدهم وعلى قدر ما يبذلون من جهد ومن النقطة التي يبدؤون منها، فيتفاعلون معه، ويمتزجون بروحه، وينهلون من نوره، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾([1]). ولقد وصف سبحانه «طبيعته الخالصة، طبيعة هذا الوحي، هذا الروح، هذا الكتاب، إنه نور نور تخالط بشاشته القلوب التي يشاء الله أن تهتدي به بما يعلمه من حقيقتها، ومن مخالطة هذا النور لها([2]).
لذا فإن النقوس التي تحمل هذا المنهج السابق وتخالطه تكتسب نفس مميزاته وخصائصه الفريدة هي: «الربانية»، و«الثبات»، و«الشمول والتكامل»، و«التوازن أو الاعتدال والوسطية»، و«العالمية»، و«الإيجابية».
إيجابية بناءة:
ولهذا فإننا نجد أن الشخصية المسلمة السوية تمتاز بأنها إيجابية بناءة في علاقتها مع نفسها ومع الأشخاص والأشياء والأحداث، فالمسلم يشعر «أنه- شخصيًا- مطالب بأداء شهادة لهذا الدين، لا يستريح ضميره، ولا يطمئن باله، ولا يستشعر أنه أدى حق نعمة الله عليه بالإسلام، وأنه يطمع في النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة، إلا أن يؤدي الشهادة كاملة، بكل تكاليفها في النفس والجهد والمال. فيؤديها في نفسه بجعل واقع حياته منسجمًا ومنضبطًا مع المنهج، فيصلح نفسه، ويؤديها مع غيره بدعوتهم لهذا الخير لينجو بنفسه وبهم فهو مستخلف في تبعة الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- لهداية الناس، ويؤديها بالعمل على تحقيق منهج الله في الأرض، فهو يعرف أنه قوة إيجابية فاعلة ليغير نفسه وليغير الناس وليغير المجتمع، وفق منهجه سبحانه، وهو بتصوره هذا يرفع من قيمته في نظر نفسه، كما يرفع اهتماماته، بقدر ما يشعر بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وهو حينما يؤدي هذه الأمانة وهذه الشهادة يكون قد أدى شكر نعم الله عليه وطمع في النجاة من عذاب الله، وزحزح عن النار»([3]).
سياحة.. ورهبانية:
وحينما يتربى المسلم في محضن هذا المنهج الفذ، فإنه يوجه إيجابيته هذه إلى توظيف جيد متكامل ومتوازن، ويشعره أنه «صاحب رسالة عالمية شاملة لا يصلح لها السلبيون، الانعزاليون، وإنما يحملها الإيجابيون المجاهدون. رسالة غايتها أن يسود الحق والعدل وتعلو كلمة الله في أرضه. رسالة جاءت لتقاوم الضعف في النفوس، والزيغ في العقول، والانحراف في السلوك، والبغي في الجماعات، والطغيان في الحكومات، والتظالم بين الأمم والشعوب، وقد يوجد في كل مجتمع أفراد ينزعون إلى الزهد في الدنيا، والزهد في لقاء النسا، والرغبة في الانقطاع إلى العبادة، ولكني نبي الإسلام يوجه الطاقات الروحية عند هؤلاء إلى ساحة الجهاد الروحية بدل الصومعة الضيقة، وما أعظم الفرق بين صاحب الصومعة وصاحب الجهاد! ذاك يفر من الشر خائفًا، وهذا يهاجمه واثقًا، ذاك يعيش في حدود نفسه وهذا يعيش لأبناء جنسه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمن طلب منه أن يسيح في الأرض كالرهبان: «سياحة أمتي في الجهاد» وقال لأبي ذر- رضي الله عنه- «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي»([4]).(الراوي: أبو أمامة الباهلي، المحدث: الألباني، المصدر: ضعيف الجامع، ص 1924، حكم المحدث: ضعيف جدًا).
فقه تصنعه الحركة:
والإيجابيون هم المرشحون لفقه هذا الدين، لأن «فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ من فقيه قاعد حيث تحجب الحركة ففي الآية: ﴿۞ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ ([5]) ترجح أن المؤمنين لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة- على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون- لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وفقهته من هذا الدين في أثناء الجاهد والحركة، ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين، ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين، إن الحركة هي قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، المجاهدون لتقريره في واقع الناس، المندمجون في الحركة العملية به»([6]).
ازدواج.. لكنه متزن:
ومن خلال التفاعل اليومي للداعية مع هذا المنهج فإنه يكتسب صفة الاعتدال والتوزان التي من شانها أن تضبط سمته الإيجابية، فتكون وسطًا بين مخالطة الناس لينشر دعوته وعزلة يصفو فيها لنفسه لتربيتها ولمحاسبتها، فالمسلم يدرك أن الله عز وجل قد خلقه وأمده «بطائفة من الغرائز تشبه الخطوط المتقابلة الدقيقة المتوازية، كل غريزتين منها متجاورتان في النفس، وهما في الوقت ذاته مختلفتان في الاتجاه، وتعد الفردية أي الاعتداد بالنفس، والحفاظ على كيانها، وكذلك الجماعية أي الميل إلى العيش في الجماعة، والتعايش معها من الغرائز الأساسية المزدوجة في الكيان الإنسان، فإذا أحسن توجيه هذا التوازي مع التقابل والتضاد، كان له دوره الإيجابي الفعال في الحياة، وإذا أهمل أنتج التناقض والقلق»[7].
حق الوقت:
وتلك الحركة الإيجابية الوسطية المتزنة تعطي المسلم إيجابات لتساؤلات يومية قد ترهق غيره ممن لا يدرك أولوياته، مثلًا «أيهما أفضل للمسلم المخالطة أم العزلة؟ فالأفضل للمسلم أحبهما إلى الله تعالى نظرًا لظروف حال ومكان وزمان العبد، أما المخالطة فلابد منها فإن الإنسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمفرده، هذا في أمور الدنيا وحوائجها، وكذلك في أمور الدين لأن من فرائض الإسلام ومستحباته ما لا يمكن تأدية إلا بالمخالطة مع الناس وتعاونهم، والمخالطة واجبة على الداعي وهي المقدمة إلى الدعوة، وحدود المخالطة الواجبة هي ما كانت ضرورية لأعمال الدعوة إلى الله تعالى أو أداء فروض الإسلام الأخرى، والداعي في مخالطته للناس يقيم علاقاته معهم على أساس الحب في الله والبغض في الله، لذا من البديهي للداعي أن يختار لصحبته ورفقته وأخوته، المطيعين لله القائمين بحق العبودية لله، ويرفض مصاحبة وموادعة العصاة والفساق المعرضين، ومع هذا لا ينفك عن دعوته والدعاء لهم بالهداية، والداعي يعرف حقوق الصحبة ويحمل نفسه على الوفاء بهذه الحقوق ومنها مواساته لأصحابه وقضاء حوائجهم وسكوته عن عيوبهم، فالإنسان لا يخلو من عيب، وكما قال عبد الله بن المبارك- رحمه الله- «المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات»، وأما بالنسبة لعزلة الداعي فهي على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: فهي التي وضحها الإمام ابن تيمية- رحمه الله-: «لابد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسها في دعائه وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه»، وقد تكون في أوقات ندب الشرع فيها كالاعتكاف في رمضان والصلاة فيه، وقد تمتد لأوقات أخرى للاستجمام والمراجعة والراحة حسب حاجة وظروف الداعي وهي كاستراحة المجاهد.
النوع الثاني: عزلة غياب فكره عن الحاضرين مع بقاء جسمه معهم، كما أن يكون في مجلس غيبة مضطرًا.
النوع الثالث: هي مفارقة الكفرة، الرافضين، ليتحول إلى غيرهم»[8].
مسئولية الفرد:
ولأن مسئولية التغيير الحضاري للأمة تبدأ من الفرج وتقع على عاتقه وعلى قدر تغييره الإيجابي في نفسه وعلى قدر تجاوبه مع الآخرين، فهي مسؤولية فردية وجماعية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾([9]).
لذا كان الحبيب صفى الله عليه وسلم يحذر من نتائج السلبية التي قد يتوارثها من يتبعون سنن من كان قبلهم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» (الراوي: عبد الله بن مسعود، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج رياض الصالحين، ص 196، الحكم: إسناده ضعيف لانقطاعه) ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾([10]) ثم قال: «كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضهم بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم»[11].
حصاد السلبية:
وللسلبية أخطار وضحايا، منهم الذي حكى عنه صلى الله عليه وسلم: «أوحى الله إلى ملك من الملائكة، أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها: قال: اقلبها عليه وعليهم»- وفي رواية أحمد: فابدأ به- «فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط»، أي لم يحمر وجهه غضبًا لي»[12].
وتأمل تحذير ابن عباس- رضي الله عنه-: «ويحك هل تدري ما كان أيوب- عليه السلام-، فابتلاه الله بالباء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه، فلم يغثه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله»[13].
وفي قصة «جريج عابد بني إسرائيل» والتي تمثل نموذجًا للسلبية والتصومع: «وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها»[14] حين تتأمل سلوك شخصية جريج تجد أن سلبيته وتقوقعه قد نتج عنها أنه لم يتحرك بقضيته مما نتج عنها نقص في رصيده الفقهي خاصة فقه الأولويات، وجهل جماهيري به فكان موقفهم القاسي منه، كذلك تلك العزلة لم تنجه من الابتلاء.
بنائية البنا:
وفي مسيرة الدعوة الإسلامية الحديثة والتي يقع على عاتقها عملية النهوض الحضاري للأمة لتخرج من «مرحلة القصعة»، كان من الأهمية أن تتجه وسائلها التربوية «إلى الإيجابية والبناء، وكان حسن البنا- مؤسس الحركة- له نصيب من اسمه أي نصيب، حيث تميزت حركته بحُسن البناء، لهذا اتجه بطاقته وطاقاته أتباعه، إلى الإيجابية والإنتاج، بدل الاشتغال بلغو القول، والبحث عن عيوب الآخرين، استمع إليه في «رسالة التعاليم» وهو يشرح حقيقة العمل ومراتبه، في الركن الثالث من أركان البيعة بعد الفهم والإخلاص، يقول: «وأريد بالعمل.. ثمرة العلم والإخلاص»، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، ومراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق: إصلاح نفسه، وتكوين بيت مسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة، وإعادة الكيان الدولي للأمة المسلمة، وأستاذية العالم بنشر الإسلام في ربوعه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وفي الأصل التاسع من الأصول العشرين لفهم الإسلام، وجه أتباعه أن يعنوا بالكليات قبل الجزئيات، وبالأصول قبل الفروع، وبواقع وقضايا الأمة. وفي الأصل الثامن يحذر من خطر التعصب والتفرق والعداوة، كذلك تبدوا معاني الإيجابية في وصاياه العشر والتي تبدأ بقم إلى الصلاة متى سمعت النداء، وفي شعار «أصلح نفسك وادع غيرك»، دعوة إلى التحرك البناء»([15]).
والداعية.. حينما يلقي بصره على واقع أمته، فيردد مع هاشم الرفاعي:
وما فتئ الزمان يدور حتى **** مضى بالمجد قوم أخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي **** وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر **** سؤال الدهر أين المسلمونا؟
فله أن يرجع البصر كرتين، ليعلم أن هذا التحول القيادي للبشرية ما حدث إلا بسبب أمراض اجتماعية، منها مرض التشرنق والتصومع الدعوى، والعزلة قد تستعوي البعض حيث أنها مطلوبة، ولكن بقدر الحاجة إليها، ولكن أن تدوم فهذا هو الخطر بل المرض، فالشرنقة خيوطها حريرية ولكنها معوقة، وضعيفة ولكن تجمعها وترابطها مهلك.
[1] الشورى: 52- 53.
[2] في ظلال القرآن: سيد قطب 5/ 2171.
[3] خصاص التصور الإسلامي: سيد قطب 158- 162 بتصرف.
[4] مجلة الدعوة: د. يوسف القرضاوي- نقلًا عن: الدعوة إلى الإسلام حسني أدهم جرار 190- 191 بتصرف.
[5] التوبة: 122.
[6] في ظلال القرآن: سيد قطب 11/ 1724- 1725 بتصرف.
[7] شخصية المسلمين بين الفردية والجماعية: د سيد نوح 10- 14 بتصرف.
[8] أصول الدعوة: د. عبد الكريم زيدان 364- 368 بتصرف.
[9] الرعد: 11.
[10] المائدة: 78- 81.
[11] رواه أبو داود وحسنه الترمذي.
[12] رواه الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعًا.
[13] في الحلية لأبي نعيم عن: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: ابن القيم 94.
[14] متفق عليه.
[15] التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا: د. القرضاوي 95- 104 بتصرف.