; المجتمع التربوي: (العدد: 1144) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1144)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1144

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 04-أبريل-1995

وقفة تربوية

صنفان من الدعاة:

بسبب الأحاديث المتواترة والكثيرة في فضل تعلم العلم، يتجه جمع من الدعاة نحو كتب العلم يغترفون منها ما يستطيعون ليبدِّدوا ظلام الجهل بنور العلم.

وقد يوفق بعضهم «وهم قليل جدا» بالعثور على عالم يتعلمون العلم على يديه بمنهجية وأصول علمية، أو الدارسة في أمهات الجامعات الإسلامية، أما الذين لم يوفقوا لذلك، وهم الأكثر، فإنهم يتجهون إلى كتب العلم والأشرطة اعتمادا على أنفسهم، فإذا ما جهلوا أمرا لم يفهموه رجعوا إلى بعض العلماء يستوضحون منهم ما غُمَّ عليهم، ومن هؤلاء وأولئك يخرج صنفان من الدعاة:-

الصنف الأول: هم أولئك الذين تخرجوا من الجامعات العلمية الشرعية بالدراسات العليا وما دونها، وتتلمذوا على يد بعض المشايخ بالطرق العلمية المنهجية، فبعض هؤلاء يعتقد أنه هو العالم ودونه جاهل لا يفهم من العلم شيئًا. وأنه لا يمكن تحصيل العلم إلا بهذه الطريقة، والتي قد تكون متعسرة على معظم الدعاة، وإلا فلا يتعبوا أنفسهم، ويبالغ في ذلك إذ أنه يستكثر عليهم حتى اسم «طالب علم»، فيضيق بذلك واسعا، ويصرف الدعاة عن طلب العلم بصورة غير مباشرة دون أن يشعر. 

والصنف الآخر: هم جمهور الدعاة، والذين تعلم بعضهم العلم من بطون الكتب والأشرطة، وسؤال العلماء، فبعض هؤلاء يظنون أنهم قد وصلوا إلى أعلى الدرجات من العلم.

فيقومون بتسفيه رأى العالم الفلاني والعالم العلاني، ولا يقبلون من أحد نصيحةٍ اغترارا منهم بسبب كثرة ما قرؤوا.

كلا الصنفين من الدعاة قد سلك طريق الغُلُّو، وكلاهما مغرور، والعلم الحقيقي هو الذي يجعل صاحبه متواضعًا، كما أنه ليس حكرًا على أحد، وليس مستحيلًا على أحد تعلُّم العلم، وليس طريقه عسيرًا كما يصوره البعض إذا ما خلصت النيَّات، وابتغى بطلبه وجه الله تعالى.

أبو بلال

الإيمان البصير مصدر سعادة الإنسان

بقلم: محمد أبو سيدو

يقوم العالم على أركان أربعة: علم العلماء، وعدل الرؤساء، وصلوات الأتقياء، وشجاعة الشجعان.

والعلماء في كل العصور كالأسرجة المتألقة والمصابيح المعلقة، تمنحنا الضياء وتنقل لنا صور الأشياء.

﴿هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾.

لقد كان للعلماء المسلمين الفضل الأكبر في تقدم البشرية ولولاهم لتأخرت النهضة العلمية مئات السنين.

فقد توفروا على البحث والدرس، ونبغوا في كل ألوان المعرفة، وقدموا للبشرية، إنتاجا رائعًا لا يزال خالدًا على مر الزمان.

إن كثيرًا من النظريات العلمية الحديثة تمتد جذورها إلى علماء العصر الإسلامي منذ قرون وأجيال.

وما حضارة اليوم إلا وليدة لتلك الحضارة التي أوقد مشاعلها علماء الإسلام والتي حفظت العلوم والفنون والآداب، ويشهد بذلك علماء الغرب أمثال غوستقال لويون في كتابه «حضارة العرب».

مَا الفَخْرُ إلا لأَهلِ العِلمِ إنَّهُمُ *** على الهُدَى لِمَن اسْتَهْدَى أَدِلاَّءُ

وقَدْرُ كُلِّ امرِئٍ مَا كان يُحْسِنُهُ *** والجَاهِلُون لأَهلِ العِلمِ أَعدَاءُ

فَفُزْ بِعِلْمٍ تِعِش حَيًّا بِه أَبَدا *** النَّاسُ مَوتى وأَهلُ العِلمِ أَحْيَاءُ

إن هذا الكون يسير وفق نظام دقيق لو اختل أمر بسيط من أموره لأدى إلى اختلال الكون كله؛ وذلك أن أمور الحياة يعتمد أحدها على الآخر وقد سخرت من وراء ستار لخدمة هذا الإنسان.

فمن الذي علم الزهرة أن تخرج سائلا خاصًا له القدرة على جذب حبوب اللقاح؟ ومن الذي علَّم النحلة وزودها بهذه الأشعار المنتشرة على جسمها لحمل حبوب اللقاح؟ ومن الذي وضع الرحيق في بتلة الزهرة من قبل أن تتفتح؟ هذا النظام الدقيق الذي سخَّر الزهر وسخَّر النحل من نعم الله –سبحانه- الذي سخر لنا هذا.

هل في قلوب الملحدين عماءُ ... أم في قلوب الملحدين عناءُ

فإذا الطبيعة أدركت وتصرفت ... قلنا الطبيعة والإله سواء

الله أحيا الكائنات بسره ... وبسره تتفاعل الأشياء

إن مصمم العقل الإلكتروني الدكتور كلورم يقول: «إن الفيزياء الحديثة قد علمتني أن الطبيعة أعجز من تنظيم نفسها أو تسيطر على نفسها». 

جل العليم الحكيم الذي خلق فهدى، والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي جعل كل شيء عنده بمقدار.

 جل صاحب الفضل العظيم الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

والملحدون وكلهم متجاهل ... أو جاهل لا يقبل البرهانا

قالوا: الزمان هو الرقى وقولهم .. يوهى الجحود ويدعم الإيمانا

من أوجد الأسماك في أبحارها ... من كون الأجسام والإنسان

من قيد الأبحار في قيعانها ... من نظم الأفلاك والأكوانا

 يقول الدكتور واين أولت المختص بالكيمياء الجيولوجية وعضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية: هناك ظواهر عديدة لا يمكن تفسيرها أو إدراك معناها إلا إذا سلمنا بوجود الله، والاعتقاد بوجود الله لا بد أن يقوم على الإيمان، والإيمان هنا هو الإيمان البصير وليس الإيمان الأعمى -الإيمان الذي يقوم على العقل والتدبر- وقد آمن كثير من الناس بالله فذاقوا حلاوة الإيمان في أنفسهم وفي قلوبهم بل في العالم المادي الذي تهتم العلوم بدراسته. 

وفي كل شيء له أية تدل على أنه الواحد.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ « النساء: 174».

ترتيب الواجبات

روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لأصحابه بعد أن خذل الله الأحزاب ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ولم يحققوا هدفًا؛ بل عادوا يجرون أذيال الخيبة: «عزمت عليكم إلا تصلوا العصر حتى تأتوا بني قريظة»، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لم يرد أن تَدَعُوا الصلاة، فصلوا، وقالت طائفة: «والله إنا لفي عزيمة رسول الله، وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفة إيمانًا واحتسابًا، ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم  واحدًا من الفريقين»، من خلال هذا الخبر الذي يرويه البيهقي تتضح لنا القضايا التالية:

احترام الإسلام لآراء الفقهاء ما دامت صادرة عن اجتهاد برى سليم ومستندة إلى دليل يدعم حجيتها ويقوي وجهتها، والناس عادة أحد رجلين؛ رجل يقف عند حدود النص الظاهرة لا يتجاوزها ويلتزم بحرفيتها لا يتخطاها، ورجل يتبين حكمتها، ويستكشف غايتها ويستجلى الأهداف التي تجنى من ورائها، حتى ولو خالف ذلك الظاهر القريب منها، وكلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه سواء منهما من أصاب الحق، أم من بعد عنه من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر».

إن ترتيب الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهم ما يحدد رسالة المسلم في الحياة؛ بل إنه لا يفهم دينه فهمًا صحيحًا إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب، فالإسلام تعاليم وأعمال شتى، منها الفرائض، ومنها النوافل؛ ومن الفرائض ما يتعلق بالأعيان والأفراد، ومنها ما يتعلق بالجماعة والأمة، فالتقصير في الأولى ضرره يعود على الشخص وحده أولًا، ولكن التقصير في الثانية يعود بالوبال والدمار على الأمة كلها، ولا بد أن يعلم المسلم أن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، والذي يستكثر من النوافل والتطوع في الوقت الذي يهمل فيه الفرائض أو يشغل نفسه بفريضة يغني فيها غيره عنه، ويترك فريضة لا يسد فيها غيره شخص ضاعت عنده معالم الحق، وصار يضرب في بيداء التخبط والفرائض المطلوبة لحفظ الإيمان كالأغذية المطلوبة لحفظ الأجسام، وعلى المسلم الفاقه لدينه، العامل لدعوته، البصير بمعالم الحق: أن يقسم وقته وينظمه على هذه الفرائض المطلوبة، فلا يشغله واجب عن واجب، ومن باب أولى لا تشغله نافلة عن فريضة، قال أبو النصر التمار: «جاء رجل يودع بشر بن الحارث وقال قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم، قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك تزهدا، أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله تعالى؟ قال: ابتغاء مرضاة الله تعالى، قال فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفى درهم وتكون على يقين الله من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال اذهب فأعطها عشرة أنفس: مدين يقضي دينه، وفقير يرم شعثه، ومعيل يغنى عياله ومربي يتيم يفرحه، وإن قوى قلبك تعطيها واحدًا فافعل فإن إدخال السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان، وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام «إحياء علوم الدين 3/397».

-محمود علي

النافذة التربوية

كاسحات الذنوب (1)

يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: 68:70) يا له من رب رحيم بعباده، لطيف بهم، أبعد هذه الكبائر العظيمة من شرك بالله وقتل للنفس والزنى والتي توعد الله مقترفيها بالعذاب العظيم يوم الجزاء والخلود فيه مع المذلة والمهانة، أبعد ذلك كله يبدل الله سيئاتهم حسنات؟!! 

نعم إنها رحمة الله بعباده التي لا تحدها حدود!! ولكن ذلك لا يكون من فراغ؛ بل لا بد من أمور ثلاثة ذكرها الله وهي التوبة والإيمان والعمل الصالح مجتمعة، ونلاحظ أن الحق «زاد في الترغيب بالأمور الثلاثة بالإتيان بالإلغاء ربطًا للجزاء بالشرط دليلًا على أنه سببه». «نظم الدرر جـه ص۳۳۸»، وهكذا يبدل الله للنادم على ارتكابه هذه الذنوب، العازم على عدم الرجوع إليها، سيئاته حسنات، فيتمنى لو كانت سيئاته أكثر!!

ولقد روى مسلم في صحيحه أن بعضهم يقول: «رب إن لي سيئات ما رأيتها». لقد جعل الله التوبة هي أول خطوة في الاتجاه الصحيح لغفران الذنوب ولإبدال السيئات إلى حسنات، يقول ابن القيم معلقًا على قوله تعالى: «وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه وأتى بأداة «لعلَّ» المُشعرة بالترجي، إيذانًا بأنكم إذ تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون».

واسمعوا إلى النبي الكريم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو يقول: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، فالبدار البدار إلى التوبة والمسارعة المسارعة إلى الندم على التقصير في حق الله في الأيام الماضية، وقف بين يدي خالقك خاشع القلب راغم الأنف مستغفرًا عما بدر منك وردد معي قول الشاعر: 

أعف عني واقلني عـثرتي .. يا غياثي لملمات الزمن

لا تعاقبني فقد عاقبني .. ندم أقلق روحي في البدن

أن تؤاخذني فمن ذا أرتجي .. وإذا لم تعف عن ذنبي فمن؟

-عبد اللطيف الصريخ

الرابط المختصر :