العنوان المجتمع التربوي- العدد 1215
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الاثنين 02-سبتمبر-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1215
نشر في الصفحة 58
الاثنين 02-سبتمبر-1996
وقفة تربوية: كيف ننمي «صناعة القرار» عند الأطفال (1من2)
إن من أهم الصفات القيادية التي يحوزها الناجحون في هذه الحياة هي «صناعة القرار», ومن غير هذه الصفة لا يمكن الوصول للأهداف، ولا يمكن النجاح في جميع المهام الملقاة علينا في هذه الحياة.. وكما أن هذه الصفة تعتبر من الصفات الأساسية للشخصية القوية والناجحة، كذلك فإن الضعف باتخاذ القرار يعتبر من أسوأ الصفات في الفاشلين في هذه الحياة وصناعة القرار، ليست دواء يعطى على جرعات فيتحول المرء من متردد ضعيف إلى متخذ وصانع للقرار بل لابد من تنشئة الإنسان منذ نعومة أظفاره على هذه الصفة حتى تكون طبعًا فيه ويطورها كلما توغل في هذه الحياة وزادت سنوات خبرته الدكتور فيرنوت جونسون تناول هذا الموضوع المهم والشائق في كتابه الحديث Chemical depndence ولخص «صناعة القرار» عند الأطفال في عشر نقاط تعتبر من أجمل وأعمق ما كتب في هذا الموضوع:
1– القدوة بصناعة القرار:
تحدث مع الأطفال عن القرارات التي واجهتك في الحياة واشرح لهم الخطوات التي اتبعتها بصناعة القرارات وافسح لهم المجال بالمشاركة بصناعة القرارات التي نواجهها.
۲ – كن مصدرًا لصناعة القرار:
بدلًا من إعطاء الأطفال الحلول والتوجيهات، ولأننا نعرف ما هو الأفضل يجب أن نقوم بدور المصدر أو المستشار لمساعدتهم على القيام بالخطوات الأربع الصناعة القرار وهي:
- تعليمهم نتيجة التأثيرات للشيء الذي سيختارونه على المدى الطويل.
- تعليمهم كيفية تقييم هذه النتائج والتأثيرات وما يترتب عليها على المدى الطويل.
- الصبر والتدريب على تعليمهم كسب هذه المهارات لأنه ليس من السهل أن يهضم الطفل عملية اتخاذ القرار على هذه الأسس.
- نحتاج إلى ما هو أهم من الصبر، وهو استمرار التفكير بطرق عملية لتعليم أطفالنا هذه المهارات..
أبو خلاد
الحملات على الدعوة والداعية في العهد النبوي (٢ من ٢)
بقلم: شوقي محمود الأسطل
تحدثنا في المقال السابق عن أبرز الشبهات التي يضعها أعداء الدعوة والدعاة في العهد النبوي، والتي من أبرزها التشكيك في المنهج، والتشكيك في الداعية الرسول وما يتبع ذلك من زعم مخالفته للأنبياء وعدم التزامه بمنهجهم، وزعم مخالفته للمنهج الذي يدعو إليه، ويدللون على هذه الشبهة بعدة أمور منها:
- استغلال حادثة تقطيع وإحراق النخيل في غزوة بني النضير لاتهام الداعية وأتباعه بالإفساد في الأرض والتناقض بين القول والعمل، وقد كان سبب هذا ما وقع من المسلمين من تقطيع وإحراق لنخيل بني النضير أثناء حصار النبي وأصحابه لهم فإذا باليهود يستغلون هذه الحادثة لإثارة البلبلة في الصف المسلم عساهم يدركون بعض مرادهم الذي عجزوا عنه من خلال المواجهة العسكرية فقالوا: محمد يزعم أنه ينهى عن الإفساد في الأرض ثم يأمر أصحابه بإحراق النخيل وأي إفساد أكبر من هذا ويجييء هنا الرد القرآني ليكون البلسم الشافي للقلوب المؤقنة والرد الكافي على هذه الشبهة المتهافتة فيقول تعالى:﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الحشر:5).
- الزعم بأن ما جاء به الداعية فيه إساءة إلى صورة الوطن وأهله في عيون أعدائه وإضعاف للوحدة الوطنية والجبهة الداخلية: فقد أخرج عبد بن حميد عن جابر أن قريشًا أرسلت عتبة بن أبي ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاوضه كي يكف عن دعوته فلما أتاه قال له: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت كذلك فقال عتبة إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى» «انظر حياة الصحابة ج ا ص ۲۸».
فالمطلوب إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن الدعوة ويرضى بالوضع الباطل القائم حرصًا على الوحدة الوطنية القائمة على الكفر والضلال، وإن أتباعه ليواجهون بالطلب ذاته في كثير من الأحيان وإنه لمنطق عجیب, أما درى هؤلاء أن التفرق على الحق خير من الاجتماع على الباطل؟ وبئست الوحدة القائمة على الزيغ والضلال والصد عن سبيل الله والرضا بالكفر, ثم من أين لهؤلاء الضالين أن أتباع الحق والانضواء تحت لوائه يهدد الوحدة ولا يستقيم معها، وقد رأينا كيف وحد الإسلام بين أجناس شتى على اختلاف الميول والمشارب فجعل فيهم كتلة واحدة فريدة متجانسة في ظله وهو أمر لا يمكن تحقيقه ولو بذلت دونه كل الإمكانات المادية، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٣).
نعم ففي ظلال الحق اجتمع بلال الحبشي, مع صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، مع أبي بكر العربي في مظهر من مظاهر الوحدة من الله، والثمرة الطبيعية للاستسلام لحكمه والرضا بشرعه القويم.
- استغلال فقره للتشكيك في نبوته صلى الله عليه وسلم إذ قالوا أما وجد الله للنبوة غير هذا اليتيم الفقير وفينا السادة والأثرياء والأشراف لقد أرادوا أن تكون مقاييس السيادة عند الله مماثلة لما عندهم وغفلوا عن حقيقة حقارة دنياهم وتفاهتها في ميزان الله الخالق لها الذي لو كانت تعدل عنده جناح بعوضة ما سقى أحدًا منهم وممن هو على شاكلتهم منها شربة ماء, وقد عرض الله سبحانه وتعالى في كتابه لشبهتهم السخيفة وتولى الرد عليها فقال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: ۳۱ – ۳۲).
- وقد أوردوا شبهة أخرى في نفس المقام فقالوا: لو كان نبيًا لأغناه الله عن السعي في سبيل تحصيل الرزق واكتساب المعيشة ولأغدق عليه من النعم والخيرات إكرامًا له قال تعالى حاكيًا شبهتهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ (الفرقان: ۱۰۷).
- إثارة الشبهات حول صدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم فعندما اشتد الخطب على الجماعة المؤمنة في غزوة الأحزاب وتكالبت عليهم قوى الشر والعدوان من كل جانب في محاولة مستميتة لاستئصال شأفتهم والقضاء على دولتهم فكان حالهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾(الأحزاب: ۱۰-۱۱).
في ظل هذه الأوضاع القاسية والمحنة العظيمة التي كان يعيشها أولئك الرهط الكرام من ذلك الجيل القرآني الفريد ومعهم نبيهم وقائدهم وجد أهل الزيغ من الطابور الخامس المحسوب عليهم فرصتهم لبث سمومهم الفكرية وإخراج مكنونات صدورهم من أضغان، فيقوم أحدهم ليقول لأحد الصحابة مشككًا وطاعنًا في صدق النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك کسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا» «انظر تفسير الطبري».
وفي عصرنا الذي استدار فيه الزمن كهيئته يوم الأحزاب فأطل ليل المحنة من جديد نسمع نفس المقولة يرددها ببغاوات جدد تقليدًا لأسلافهم من قبل ظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧), ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ۲۱).
هذه صور منتقاة عرضناها آملين أن يكون فيها زاد للسائرين على الطريق ليعلموا أن إخوانًا كرامًا لهم واجهوا من الطعن والتشكيك أكثر مما يواجهون فصبروا حتى أتاهم نصر الله لا مبدل لكلماته ولا راد لأمره ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠).
- تعال نؤمن ساعة.
- حديث النفس.
إن النفس البشرية تختلف بطبيعتها من إنسان لآخر، ويعتمد ذلك على حسب سيطرة الشخص على نفسه وكما يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10) فترويض النفس مهمة خاصة للداعية إلى الله تعالى، فكما يقول الإمام الشافعي نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فاحرص أخي الداعية على ذلك.
النفس المتواضعة: من ترويض النفس على خلق التواضع وعدم الكبرياء تعويدها على خلق فكما قيل: من تواضع لله رفعه، وقد روي أن ابن الخطاب صعد المنبر فخطب وقال للناس «أيها الناس لقد رأيتني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم فكنت استعذب لهن الماء فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب...» ثم نزل وقال لعبد الرحمن بن عوف– وقد كان مستغربًا من كلامه هذا وما مناسبته: «خلوت بنفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها قدرها!»، أخبار عمر، نعم إنه حديث النفس بين أمير المؤمنين ونفسه ليروضها على التواضع.
النفس اللوامة: قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: ١-٢) إنها تلك النفس التي تحدث صاحبها وتؤنبه إذا وقع بمعصية أو قصر بحق ربه، فذلك الشخص لا يعدم خيره ويجب أن نساعده لتصحيح مساره ونكون عونًا له على نفسه الأمارة بالسوء وكما يقول تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٣) فهل تحدث نفسك وتلومها وتحثها على الخير أم تترك السبيل للنفس الأمارة بالسوء لتستمر في غيها؟.
النفس التواقة: معنى جميل أن يحدث الداعية نفسه بالسهو وعلو الهمة فيرتفع بها عن سفاسف الأمور، فكما قيل عن النفس علمها التحليق تكره الإسفاف «الرقائق» وهذا عمر بن عبد العزيز يحدثنا عن نفسه فيقول: «خلقت لي نفس تواقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة» «رسالة تقويم الذات» وكما يقول الشاعر:
كن رجلًا رجله في الثرا *** وهامة همته في الثريا
النفوس الحية: نعم هي النفوس الحية التي تكون سعادتها بسعادة الآخرين وهمها رضى ربها وخالقها عليها، وراحتها عند أول قدم تضعها في الجنة وطموحها أن تصل إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولنستمع إلى قول الإمام حسن البنا –رحمه الله– وهو يخاطب الدعاة فيقول: «نحن نريد نفوسا حية, قوية، فتية، وقلوبًا جديدة خفاقة غيورة ملتهبة, وأرواحًا طموحة، متطلعة، متوثبة، تتخيل مثلًا عليا، وأهدافًا سامية، لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل «الرسائل».
خالد علي الملا
تأملات في نصوص تربوية
طباع الإنسان وسبل ترويضها
بقلم: عبد الله حمود البوسعيدي
كاتب من الإمارات.
• لقد كان لتغييب التربية الإسلامية أثر في تعزيز الطبائع السلبية في النفس البشرية.
• إن مجاهدة النفس ومغالبة الطبائع تعتبر علاجًا ناجعًا وكفيلًا بتهذيب الطبائع الشاردة.
عن عمرو بن دينار أنه سمع جابرًا– رضي الله عنه يقول: «غزونا (1) مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب (۲) معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل (۳) لعاب فكسع أنصاريًا (٤) فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية، ثم قال ما شأنهم فأخبر بكسعة المهاجري للأنصاري قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها خبيثة (5) وقال عبد الله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث -لعبد الله- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا... يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه» (٦).
جبل الناس على طبائع شتى، فهذا غضوب أحمق، وذاك هين لين، وترى رجلًا عجولًا بطبعه, وآخر بطيئا وكأنه يجر جبال الدنيا بقدميه.
والطبائع لا تورث للأجيال كما يورث اللون والحجم والعرق، ولكنها التربية بدءًا من تربية الوالدين: كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (۷).
وللبيئة المكانية التضاريسية الطقسية أثر في تعميق الطبائع، فالجبلي شديد اللهجة عنيف غليظ وذلك لما استوجبت عليه الجبال من شدة في التعامل معها صعودًا ونزولًا وفي تكسيرها ليبني بيته، وفي التخلص من حيواناتها والثبات عند تزلزلها، بينما البحري بين أخذ وعطاء كما البحر بين مد وجزر صاحب مرونة ولين وهكذا...
ويؤكد ابن القيم رحمه الله أن للبيئة المصاحبة لبيئة الآدمي تأثير على طبائعه فيقول: «وكل من ألف ضربًا من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه» (۸) وبين –غفر الله- له أن طعام الإنسان أيضًا له أثر في صياغة طبيعته فقال: «حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث أكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم» (۹) ومع ما سلف من أسباب تطبيع الإنسان بطبائع محددة أقول: لقد كان لتغييب التربية الإسلامية أثر في تعزيز الطبائع السلبية في النفس البشرية ذلك أن الإسلام دين يدعو إلى مكارم الأخلاق والطبائع والتعامل الذوقي الرفيع، وقبل أن أشرع في بيان منهج الإسلام في التعامل مع الطبائع استسمحكم في استعراض بعض ما ورد في الكتاب الحكيم من تصویر دقيق لبعض الطبائع البشرية قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ (يونس: 12) (۱۰) يقول صاحب الظلال رحمه الله: «الإنسان في قوته على اختلاف مظاهرها وألوانها مندفع إلى الأمام مغتر بالقوة مستجيب للحيوية بشتی طرائق الاستجابة حتى يوجد الحاجز على اختلاف أنواع الحواجز، فينظر إلى الخلف نظرات متباينات» (۱۱) وإليك طبيعة إنسانية أحسن الأستاذ سيد قطب الوصول إليها عبر صولته في ظلال القرآن فقال: «من الناس من يعتز بالحق إن كان من عمله، فإذا جاء بالحق غيره انقلب عليه وتنكر له» (۱۲) قال تعالى: «ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاهم ما عرفوا كفروا به» (۱۳)، ومن الناس من يحب أن يصفق له ويرحب به ويؤشر إليه ويتقدم الصفوف لالتقاط الصور ليبقى في تاريخ الإنجازات من الخالدين والمشكورين وإذا ما ذكرت أسماؤهم أطال بعض الحمقى بيان سيرتهم الذاتية، هؤلاء قال عن أمثالهم سبحانه وتعالى: ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (آل عمران: 188) (١٤).
وأجاد صاحب المعالم حين قال: «وكم من الذين يأكلون على جميع الموائد ويتظاهرون أنهم أولياء كل فريق وبأنهم ضروريون لكل فريق» (١٥), ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: 141) (١٦).
ولصاحب المدارج رحمه الله تشخيص دقيق للنفس لا أراه إلا فتحًا ربانيًا، قال رحمه الله: «فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب، إن تحمل عليه يلهث، إن أطمعته بصبص بذنبه ودار حولك، وإن منعته هرك ونبحك» (۱۷) أ.هـ, ففريق من الناس يريد الغنيمة لنفسه ولو شاركه الجهد والفكرة والتخطيط والإعداد والعمل غيره لنسب الخير لنفسه مغيبًا بذلك جهد الآخرين، وهو معك ما دمت تثني عليه وإلا نسي الإحسان الطويل كله, وقال رحمه الله: ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة» (۱۸) أهـ. فترى كمًا من الناس شعلة من النشاط والحركة بلا بصيرة يشرق ويغرب ولا يعرف السبب وليس له غاية ولكنها الطبيعة غلابة، وقال: غفر الله له ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات ومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعة قمه، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله، ومنهم من هو على طبيعة الطاووس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء, ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدًا، ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث» (۱۹) أ. هـ، فكم من صامت يعجبك صمته فتظنه حكيمًا يصون جهده إيمانه من عثرات لسانه ولكنه إذا تكلم فجر قنابل كانت موقوتة، فتلفظ بفاحش القول وبذيء الكلام أبكم خبيث كالدب.
وبعد أيها المحب إليك ما وصل إليه جهدي إنه المنهج الإسلامي في التعامل مع الطبائع:
أولًا: الإقرار بوجودها:
يأبى البعض أن يقر بطبائع للإنسان وخاصة بعض الدعاة إلى الله، والذين لا يستوعبون بل لا يتصورون في تلاميذهم طبائع سلبية فلا يملكون تفسيرًا لبعض سلوكياتهم لو نظرنا إلى النص التربوي الوارد لرأينا أن الصحابة رضوان الله عليهم أقروا لرجل اكتحلت عيناه برؤية النبي فهو صحابي ومن المهاجرين المجاهدين اقروا له بطبيعته فقال جابر بن عبد الله –رضي الله عنه: «وكان من المهاجرين رجل لعاب» ولعاب على صيغة فعال وهي من صيغ المبالغة بمعنى كثير اللعب، قال ابن حجر: «لعاب بطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة» (۲۰)، ثم بين جابر –رضي الله عنه– إفرازات لعب المهاجري فقال: «لعاب الكسع أنصاريًا» قال ابن حجر «الكسع: ضرب الدبر باليد أو بالرجل» (۲۱).
ثانيًا: الإعذار لصاحبها:
من نتائج الإقرار بطبائع الآدمي أن نتلمس له العذر فلعل ما دفع فلانًا لفعل ما نذكره غلبة طبيعة جبل عليها من أثر تربية سيئة باختلاف أشكالها ومواقفها، فقد يكون أول وأكثر المنزعجين من طبيعته وأسرع التائبين من إفرازاتها ومضاعفاتها يتمنى اليوم بل الساعة الفكاك منها، فلابد من إعذاره مع السعي الحكيم لعلاجه، فإن المتمعن في النص الوارد وفي غير ما موقف للرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الطبائع يرى الإعذار واضحًا منه مع العلاج الحازم الحكيم، فلا ترى في النص توبيخًا أو حكمًا على الكاسع مع فظاعة فعله ولو كان غير الرسول الله لقال وقال ولأصدر الأحكام القاتلة, وفي السيرة أن أعرابيًا قد تربى على الشدة والعنف في بيته وبيئته وتضاريسه وطقسه وحيواناته، هذا الأعرابي بهذه الطبائع يأتي رسول الله فيجذبه جذبة شديدة أثرت على عاتق النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: يا محمد هكذا وبلا ألقاب يستوجبها الذوق الرفيع, مر لي وبصيغة لا تناسب أولياء الأمور, «من مال الله الذي عندك» ورسولنا صلى الله عليه وسلم يلتفت إليه ضاحكًا، ويأمر له بما يريد.
ثالثًا: تنبيه صاحبها ولفت نظره:
في الغالب لا يرجع المرء ما صدر منه مما ينكره الناس إلى غلبة طبعه بل قد لا يرى أنه أتى شيئًا ينكر لاعتياده عليه ولعدم لفت نظره إلى ما يستوحشه الناس من نفسيته، لهذا حرص الرسول في غير ما موقف على لفت الأنظار، ليتابع المبتلى بعد ذلك نفسه وليسعى لعلاجها، فذلكم الصحابي الأعرابي الذي بال في المسجد أرشده الرسول الله إلى التصرف المناسب ولم يتركه يعيد طبيعته ثم إن رسول الله دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله –عز وجل– والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (۲۲).
رابعًا: توجيهها:
إن الانتقاد الشديد لبعض الطبائع لا يعني القضاء عليها ولكن النقد مطلوب, بقدر ما يساهم في العلاج، في نفس الوقت الذي توجه فيه الطبيعة لتفريغها في قوالب مناسبة بل لعلها ثغرة لا يسدها إلا هذا لطبيعته التي قد ينكرها من يحسن النقد ولا يجيد فن التوجيه هناك رجل إذا همس صرخ بأعلى صوته هي طبيعته ويظن أنه أألف الناس صوتًا، توبيخ هذا وانتقاده قد لا يجدي كثيرًا ولكن يا حبذا توجيهه، فهذا العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم: كان شديد الصوت، يوجهه الرسول في غزوة حنين فينادي فيمن تخلوا بأعلى صوته فيردهم جميعًا إلى الكرامة عن العباس بن عبد المطلب قال: «إني لمع رسول الله آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت قال ورسول الله يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أو الناس يلوون على شيء فقال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة: قال: فأجابوا لبيك لبيك قال فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» (۲۳).
خامسًا: الثناء على جميلها:
من الناس من يتصف بطبائع محمودة، فيا حبذا تشجيعهم والعمل على إصلاح النوايا لتكون تلك الطبائع في خدمة الإسلام والمسلمين، فالبعض لا يحسن إلا تلمس الهنات والطبائع المذمومة والحكماء من قديم بينوا أهمية تلمس مواطن الخير فهذا نبي الله عيسى عليه السلام (٢٤) «يمر وحواريوه على حیوان ميت فقال الحواريون: ما أنتن ريحة، فقال عيسى عليه ما أبيض أسنانه» وإن من التشجيع الشكر والتأييد والتطوير، فالمضياف بطبعه والكريم سجية، والحيي سليقة، كل هؤلاء وغيرهم من أصحاب الطبائع الخيرة، يشجعون، فهذا رجل يأتي صحابيًا لينصحه في ترك الحياء، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن الحياء من الإيمان» (٢٥).
سادسًا: مغالبتها ورياضة النفس:
إن مجاهدة النفس ومغالبة الطبائع من العلاج الناجع الكفيل بتهذيب الطبائع الشاردة، قال ابن القيم: «سبحان الله، في النفس من أخلاق البهائم: حرص الغراب, وشره الكلب, ورعونة الطاووس, ودناءة الجعل, وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد, وصولة الأسد, وفسق الفارة، وخبث الحية , وعبث القرود, وجمع النملة، ومكر الثعلب, وخفة الفراش, ونوم الضبع, «وهنا الشاهد»، غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك، فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ولا تصلح سلعته ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111) (٢٦).
الهوامش:
- قال ابن حجر «غزوة المريسيع» قاله في الفتح ج 6، ص ٥٤٧، وقال في الفتح أيضًا في ج. ص ٦٤٩ غزوة بني المصطلق.
- ثاب: اجتمع.
- هو جهجاء بن قيس الغفاري، قاله ابن حجر في الفتح جـ ٦، ص ٥٤٧.
- قال ابن حجر في الفتح، ج 6، ص ٥٤٧ هو سنان بن وبرة حليف بني بني سالم الخزرجي.
- دعوها فإنها خبيثة: قال ابن حجر أي دعوى الجاهلية وقيل الكسعة والأول هو المعتمد، فتح الباري، ج6، ص ٥٤٧.
- مختصر البخاري للزبيدي ١٤٦٧، مختصر مسلم للمنذري ۱۸۱۱
- صحيح الجامع.
- مدارج السالكين جـ ١، ص ٤٣٥ .
- مدارج السالكين جـ ١، ص ٤٣٥
- يونس: ۱۲
- التصوير الفني بالقرآن، ص ١٧٦
- التصوير الفني في القرآن ص ۱۸۸ ١٤
- التصوير الفني في القرآن، ص ۱۷۸
۱۷- ۱۸-۱۹ -مدارج السالكين: ج 1 ، ص ٤٣٢
20- فتح الباري، ج6، ص ٥٤٧
۲۱- فتح الباري، ج۸، ص ٦٤٩
22- مختصر مسلم ص ١٨٦
23- سيرة ابن هشام جـ ٣، ص ٤٤٤.
24- البعض يخصص عبارة ص للرسول محمد بينما في حديث البخاري قال ص.
25- صحیح أبو دواد ٤٠١٠.
26- الفوائد الآية من (التوبة: ۱۱۱).