العنوان رؤية أمريكية لـ: صناعة القرار في السياسة الخارجية الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995
مشاهدات 64
نشر في العدد 1154
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-يونيو-1995
بقلم: ريك مارشال
يعتبر الرئيس الأمريكي تقليديًا أقوى سلطة في الولايات المتحدة في مجال تقرير السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى الرغم من السلطة القوية الممنوحة له، فإن الرئيس أبعد من أن يكون قادرًا على وضع السياسة الخارجية بمفرده؛ إذ يتعين عليه أن يأخذ في الاعتبار طبيعة السلطات المتشعبة في الولايات المتحدة، والنفوذ القوي الذي يمتع به الكونجرس وجماعات المصالح الخاصة والعامة، ووسائل الإعلام والرأي العام في صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها.
إن دستور الولايات المتحدة، الذي كُتِبَ قبل أكثر من ٢٠٠ عام لا يذكر الشؤون الخارجية بشكل مباشر، ويعين الدستور الرئيس قائدًا عامًا للقوات المسلحة، ويخوله السلطة لتعيين السفراء وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية شريطة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ على ذلك.
ويكون لدستور الكونجرس السلطة لتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية وإعلان الحرب، وقد اتجهت هذه السلطات في السنوات الأخيرة نحو الدوران في فلك الرئاسة على الرغم من أن ذلك قد أثار نقاشًا كبيرًا في بعض الأحيان.
والأهم هو أن الدستور يحول الكونجرس سلطة مراقبة الإنفاق الحكومي ومع أن الرؤساء حديثًا هم الذين يقترحون التشريعات بانتظام، فإن الكونجرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب، هو الذي يقرر مقدار الأموال الفدرالية التي تستطيع الحكومة إنفاقها وأوجه إنفاقها والبرامج التي ستنفق عليها.
إن التشريعات التي تؤثر على الشؤون الخارجية تتبع المسار نفسه الذي تتبعه الشؤون المحلية سواء أكان البيت الأبيض هو مصدر الاقتراح الأصلي، أو كان المصدر عضوًا من أعضاء مجلس النواب، ولدى موافقة أكثرية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ على تشريع، يتعين أن يوقعه الرئيس لكي يصبح قانونًا.
العلاقة بين الرئيس والكونجرس
ويتمتع الرئيس بحق استخدام الفيتو لمعارضة تشريع لا يوافق عليه، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يصبح قانونًا، ما لم يبطل الكونجرس معارضة الرئيس، ويتطلب ذلك موافقة الأعضاء في المجلسين وهذا صعب في أغلب الأوقات لما يتمتع به الرئيس من سلطات ومنزلة رفيعة.
وتتفاوت عدد المرات التي يستخدم فيها الرئيس حق الفيتو بشكل ملحوظ من حكومة إلى حكومة، وغالبًا ما يعكس ذلك الخلافات السياسية بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، فمثلًا استخدم الرئيس ريفان من الحزب الجمهوري، والذي كان يواجه أغلبية ديمقراطية في كل من مجلسي النواب والشيوخ خلال معظم ولايتيه لمدة ثماني سنوات حق الفيتو لمعارضة عدد كبير من مشروعات القوانين ولكن نادرًا ما تمكن الديمقراطيون من الحصول على الأغلبية اللازمة لإبطال معارضته، وهي ثلثا عدد أعضاء المجلسين.
وبالمقارنة استخدم الرئيس كلينتون وهو من الحزب الديمقراطي، وكانت لديه أغلبية ديمقراطية في كل من مجلسي الكونجرس أثناء العامين الأولين من ولايته حق الفيتو في معارضة عدد قليل جدًا من مشروعات القوانين، ولكن الانتخابات التي جرت في نوفمبر تشرين الأول الماضي، جاءت بأغلبية جمهورية في كلا المجلسين لأول مرة منذ الخمسينيات ونتيجة لذلك فقد يبدأ الرئيس كلينتون في استخدام حق الفيتو ضد مشروعات قوانين يراها غير مقبولة.
وفي بعض الأحيان يكون التهديد باستخدام حق الفيتو من جانب الرئيس كافيًا لمنع الموافقة على مشروع قانون يجده البيت الأبيض موقع معارضة، فمثلًا في ٢٤ مايو "أيار" هدد الرئيس كلينتون باستخدام الفيتو لمعارضة مشروع قانون خاص بالشؤون الخارجية، كان مجلس النواب يدرسه، ووصفه الرئيس بأنه لا يقل عن كونه هجوما مباشرًا على سلطة الرئيس في إدارة السياسة الخارجية.
ومع أن مشروع القانون احتفظ بمستويات الإنفاق الحالية لكل من مصر وإسرائيل، فقد كان من شأنه أن يؤدي من بين أشياء أخرى إلى اقتطاع ۲۸۰۰ مليون دولار من الميزانية التي اقترحتها الحكومة للشؤون الخارجية ومقدارها ٢۱,۱۰۰ مليون دولار إلى جانب تخفيض المساعدات الخارجية لعدد من الدول، ووضع قيود على عدد من البرامج الحالية مع روسيا وكوريا الشمالية وتخفيض برامج تنظيم الأسرة وإدماج وكالة الإعلام الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ووكالة ضبط التسليح ونزع السلاح كلها في وزارة الخارجية ونجح تهديد كلينتون باستخدام حق الفيتو الذي أبرزته الصحف على نطاق واسع في إضعاف مشروع القانون، وفي نهاية المطاف سيسعى واضعو مشروع القانون إلى التوصل إلى حل وسط مع الرئيس؛ لأن الجمهوريين ينقصهم على الأقل في الوقت الراهن العدد اللازم من الأصوات لإبطال معارضة الرئيس وبالمثل تمامًا سيسعى الرئيس إلى التوصل إلى حل وسط معهم، وإلا فلن تكون هناك ميزانية للشؤون الخارجية للسنة المالية ١٩٩٦م، وذلك أمر من العسير أن يحدث.
السلطات الخاصة للرئيس
ومع ذلك يتمتع الرئيس بسلطات خاصة ذات شأن في بعض الأمور ذات الصلة بالشؤون الخارجية، فمثلا كان الرئيس هو الذي اتخذ مؤخرًا قرارًا بوقف تعامل الشركات الأمريكية مع إيران، ومع أن الحكومة كانت تتشاور بانتظام مع الكونجرس بشأن هذا الأمر، لم تكن هناك حاجة إلى تشريع لتنفيذ الأمر التنفيذي.
وبالمثل، فإن الرئيس يمارس بصفته قائدًا عامًا للقوات المسلحة قدرًا كبيرًا من السلطة في مجالي الشؤون العسكرية والأمن القومي فمثلاً عندما بدأ صدام حسين يحشد قواته بالقرب من حدود الكويت في الخريف الماضي اتخذ الرئيس إجراءات مناسبة بدون انتظار موافقة الكونجرس، وبالطبع أحيط الكونجرس علمًا بقرار الرئيس، وفي هذه الحالة وافق بحماس على هذه الإجراءات.
ويساعد الرئيس في إعداد مقترحاته في مجال الشؤون الخارجية سواء الخاصة بالمعونة الخارجية أو إدارة السياسة ككل هيئة موظفي الرئيس ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية والمكاتب الدولية لوزارتي التجارة والدفاع، إلى جانب عدة وكالات متخصصة، والأمر الذي لا يبعث على الدهشة هو أنه لا يتفق كل عنصر من عناصر هذا الجهاز الضخم على كل نقطة من نقاط كل برنامج أو حتى لديه علم تام بما تغطه الوكالات الأخرى في أي وقت من الأوقات.
ومع ذلك فإن الخلافات في الرأي تتم تسويتها من خلال الاتصالات بين الوكالات ويتم وضع الميزانيات والبرامج المختلفة مقدمًا، ثم تعرض بعد ذلك على الكونجرس المنظر فيها.
قرارات الكونجرس
ويتخذ الكونجرس قراراته من خلال عملية معقدة تقوم فيها لجان الكونجرس بعملها إلى جانب ما يجري من مشاورات وتوجد لجان للشؤون الخارجية في كلٍ من مجلسي النواب والشيوخ تمارس مسؤولياتها في الإشراف على معظم التشريعات الخاصة بالسياسة الخارجية، كما توجد لجان لشؤون القوات المسلحة في كلٍ من المجلسين لمعالجة الجوانب الدولية ذات الصلة بأمن الولايات المتحدة إلى جانب لجان فرعية خاصة؛ حيث يتم اعتماد أموال للعمليات الخارجية، وبهذا تجد أن إشراف الكونجرس على قضايا السياسة الخارجية غالبًا ما يكون موزعًا بين عدة لجان.
وأكثر النشاطات الملحوظة للجان في جلسات الاستماع وكلها تقريبًا عامة يسمح للمواطنين والصحافة بحضورها، فمثلًا دوارين كريستوفر وزير الخارجية، وروبرت بليترو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، بتصريحات بانتظام في الجلسات التي تعقدها هذه اللجان لشرح سياسة الحكومة والرد على الأسئلة التي توجه إليهما حول قضايا الشرق الأدنى وغالبًا ما نرى المسؤولين الحاليين إلى جانب مسئولين سابقين من حكومات سابقة وأكاديميين مشهورين وخبراء في شؤون هذه المناطق التي تسترشد اللجان بآرائهم.
ويعاون كل عضو من أعضاء الكونجرس مثله مثل الرئيس هيئة موظفين خاصة به لمتابعة القضايا التي تهم دائرته الانتخابية والمهام التي تتولاها اللجنة، وبالإضافة إلى ذلك لدى كل لجنة هيئة موظفين مهنيين تلعب دورًا مهمًّا في صياغة التشريعات ووضع التفاصيل التي ستتضمنها تلك التشريعات.
كما يعاون الكونجرس مكتبًا للبحوث إلى جانب سيل متدفق باستمرار من الأصدقاء والناخبين والصحفيين، وأصحاب المصالح الخاصة الذين يجرون اتصالات لخدمة مصالحهم، وجميع تلك الأطراف تحاول التأثير على سير العملية.
وعندما توافق اللجنة المختصة على مشروع قانون، فإنه يحول إلى الكونجرس لمناقشته، وفي هذه الحالة ينعقد مجلس النواب أو مجلس الشيوخ بكامل هيئته، وفي معظم الحالات يوافق المجلسان على نسخ مختلفة لمشروعات القوانين، ولذلك يتعين التوفيق بين صياغة المشروعات المتعارضة قبل أن يتمكن التشريع من مواصلة مسيرته ليوقعه الرئيس، وتتولى عملية التوفيق بين الصيغ المتعارضة لجان خاصة يختار زعماء مجلسي النواب والشيوخ أعضاءها، وهذا يفضي إلى منح من يتم اختيارهم الكثير من السلطة لتقرير نصوص مشروع القانون الذي سيصدر في نهاية المطاف.
ولا تتم العملية التشريعية المذكورة في فراغ، وإنما في الواقع تستطيع وسائل الإعلام وجماعات المصالح والرأي العام أن تلعب دورًا كبيرًا في التأثير على الرئيس والكونجرس والهيئات التي تساندهم.
تأثير الصحافة في القرار
وتقوم الصحف مثل نيويورك تايمز، واشنطن بوست بتغطية الأحداث الدولية أكثر مما نقلته وسائل الإعلام المحلية وفي واقع الأمر، يقوم كل صانع قرار في واشنطن إجمالًا بقراءة هاتين الصحيفتين، مما يعطيهما قوة هائلة في تشكيل تفكير البيت الأبيض والكونجرس، وفي نهاية المطاف تشكيل القرارات السياسية.
ومن ناحية أخرى لا تمارس أي من النيويورك تايمز، واشنطن بوست، تأثيرًا على الرأي العام القومي يقترب بأيَّةِ حال من الأحوال من التأثير الذي تمارسه شبكات التليفزيون التي تعد مصدر المعلومات التي يحصل عليها حوالي ٩٠ بالمئة من الشعب، وبالتالي فإن الوقت الذي يكرسه التليفزيون لتغطية حدث معين ونوع هذه التغطية، يخلق موقفًا يستطيع أن يكون له تأثير ضخم على الرأي العام، وذلك بدوره يشعر به دائمًا المشرعون.
تأثير جماعات اللوبي في القرار
كما تلعب أيضًا جماعات المصالح الخاصة وجماعات اللوبي التي تحاول الوصول إلى صانعي القرار السياسي على جميع المستويات لخدمة مصالحها دورًا في التأثير، وهو وإن كان غير ملحوظ ولكن له شأنه، وتعد واشنطن المقر لعشرات الآلاف من الاتحادات العمالية وشركات العلاقات العامة، والمنظمات غير الحكومية، وجماعات اللوبي وشركات المحاماة، ومكاتب الاستشارات وغيرها من الجماعات الخاصة التي تناصر قضايا أخرى، وجميعها تتنافس من أجل جذب اهتمام المشرعين وكبار المسؤولين الحكوميين.
التأثير الخاص للوبي اليهودي
وأشهر هذه الجماعات على الأقل بين المشتغلين بشؤون الشرق الأوسط في اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة:
Committee The American Israeli Puplic Affairs ويرمز لها بالأحرف AIPAC وتعرف اختصارًا بـ: إيباك وتتمتع الإيباك بتلك الشهرة لدرجة أن أقوى ثلاثة رجال في الولايات المتحدة الرئيس كلينتون وزعيم الأغلبية روبرت دول ورئيس مجلس النواب نيوت غينغريتش كلهم ألقوا خطبًا في اجتماع اللجنة السنوي في الشهر الماضي، وتعهدوا بالتزامهم بدولة إسرائيل، وفي واقع الأمر أعلن دول الذي يسمى الفوز بترشيح الحزب الجمهوري له في انتخابات الرئاسة القادمة في اجتماع إيباك هذا رعايته لمشروع القانون من شأنه أن ينقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس مع حلول نهاية هذا القرن.
ولكن أولئك الذين يعتقدون أن إيباك تتمتع بقوى خفية يجب أن يدركوا أن المنظمة لا تقف وحدها، فهناك نسبة ساحقة من الشعب الأمريكي تؤيد إسرائيل، وغالبًا ما يكون هذا التأييد من القوة بدرجة جعلت تأييدها يصبح قضية داخلية تقريبًا وليست قضية خارجية ويمكن رؤية هذا طبعًا في المستوى المستمر من المساعدات المالية التي تحصل عليها في السنة المالية وإسرائيل، ومصر، شريكتها في اتفاقيتي كامب ديفيد في وقت تتعرض فيه المساعدات الخارجية، والتي لم تلق مطلقًا أي تأييد شعبي من جانب الشعب الأمريكي للهجوم من جانب الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون.
وليس من الغريب أن يجد المراقبون في الخارج صعوبة أحيانًا في فهم طريقة صنع السياسة الخارجية الأمريكية، وبصفة خاصة من جانب أولئك الذين يميلون إلى الاعتقاد بأنها تتبع من مصدر واحد، فالعملية هي مثل أمريكا نفسها متنوعة ومعقدة، ويتقاسم السلطة فيها عدد من اللاعبين المختلفين اختلافًا كبيرًا، وهو أمر يتوقف على القضية المطروحة والإطار الزمني الذي تطرح فيه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل