; المجتمع التربوي (العدد 1217) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1217)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1217

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-سبتمبر-1996

وقفة تربوية: كيف ننمي «صناعة القرار» عند الأطفال؟ (2 من 3)

نختم في هذا المقال باقي الخطوات العشر التي ذكرها د. فيرنون جونسون في كتابة «chemical‏ dependence» لتنمية «صناعة القرار عند الأطفال»:

7 – التشجيع: اهتم بالنتائج على المدى البعيد لما يقوم به الأطفال، وشجعهم بالهدايا وباقي المكافآت لتكملة ما يقومون به من المشاريع والأنشطة التي بدؤوا بها، ذلك؛ لأن الكثير من الأطفال يبدعون بحماسة عظيمة لا تلبث أن تخمد.

8- المساعدة في مشاريعهم: في الحقيقة، فإن العمل جنبًا لجنب مع الأطفال في مشاريعهم يحتاج للكثير من المعاناة والصبر حتى إتمامها، ولكن لابد من مساعدتهم في بداية مشاريعهم وذلك عن طريق سؤالهم عن أفكارهم لإتمام هذا المشروع، وعن طريق إفساح المجال لهم الصناعة خيارات صعبة كاختيار للمواد والألوان.

9ـ تجنب صناعة القرار: لا بد من تجنب اتخاذ قرارات من المفروض اتخاذها من قبل أطفالك كنوعية الملابس التي يريدون شراءها أو توفير المصروف اليومي أو شراء شيء فيه، حتى وإن كنا تعرف ما هو الأفضل لهم، ولابد من إدراك أنه ليس من المجدي التنصل في الخيارات التي تقع من ضمن مسؤولياتهم حيث إن هدف الأبوين بعد كل ذلك هو تربية الأطفال لمواجهة الحياة بحقائقها، لذلك لابد لنا من إشراكهم في أعمال تؤهلهم لتعلم مهارات الحياة والتي سوف تساعدهم على التعامل الفعال مع جميع الظروف اليومية.

10 - لا تحاضر: لا تحاضر وإنما استمع، فقاعدتنا في عمليات تنمية «صناعة القرار» عند أطفالنا هي أن نكون مصادر ومراجع؛ ذلك لأن الأطفال يتعلمون بالعمل «انتهى».

هذه الخطوات العشر في تنمية «صناعة القرار» عند الأطفال من الأمور الأساسية لصياغة الشخصية القوية لأطفالنا، لتلافي الصفات السلبية التي تكثر في أطفالنا بسبب عدم العمل بهذه الخطوات العشر والتعامل مع الأطفال كالعرائس الخالية من الأرواح نحركها كيفما نشاء، ومتى نشاء، وأينما نشاء.

لذلك كثر عندنا نوعية من الأطفال أقرب إلى المعاقين منهم إلى الأصحاء يعتمدون في كل شيء في حياتهم على والديهم وخادماتهم.

أبو خلاد

أشد الناس بتلاءً الأنبياء

نماذج من ابتلاء الله للأنبياء

آيات القرآن الكريم حافلة بالإشارات التي تؤكد أن مسيرة الأنبياء مع الابتلاء طويلة.

أصحاب الأخدود ومؤمن آل فرعون ومؤمن آل ياسين وماشطة ابنة فرعون نماذج إيمانية بارزة في الصبر على البتلاء.

بقلم: حجازي إبراهيم (*)

(*) من علماء الأزهر

عن مصعب بن سعد عن أبيه قال، قلت: يا رسول الله: «أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (1).

يقول صاحب التحفة في قوله ﷺ: «حتى يتركه يمشي...» كناية عن خلاصة من الذنوب، فكأنه كان محبوسًا ثم أطلق وخلي ســـــبيله ما عليه بأس». (2).

ويقول ابن الجوزي: في الحديث دلالة على أن القوي يحمل ما حمل، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلى هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم، ولا يعترض، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذذ به لأنه عن اختياره نشأ والله أعلم. (3).

ولما كان الأنبياء هم أشد الناس في الابتلاء فإننا نعرض لنماذج من ابتلائهم.

أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 68ـ71) (4).

ومن الابتلاء بالإلقاء في النار إلى الابتلاء بما هو أشق على النفس الابتلاء في العرض.. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتان منهن في ذات الله -عز وجل- قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (الصافات: 89) وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا﴾ (الأنبياء:63) وقال: بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له إنها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، قال: فلا تكذبيني فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: أدعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها، أو أشد، فقال: أدعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأنته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر -أو الفاجر- في نحره، وأخدم هاجر قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء» (6). 

يقول الإمام ابن حجر وفي الحديث مشروعية أخوة الإسلام، وإباحة المعاريض والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح، كما في قصة أصحاب الغار.

وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة وإنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في «التيجان» ولفظه فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحَّى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة ثم الصافية، فصار يراهما، ويسمع كلامهما.

القدوة في الأنبياء:

وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة، وفيه أن الوضوء كان مشروعًا للأمم قبلنا وليس مختصًا بهذه الأمة ولا بالأنبياء، لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور على أنها ليست بنبية (6).

ويقول الإمام القرطبي: إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها، ولم يقتل نفسه دونها، ولا احتمل أذية في تخليصها، ثم ساق حديث إبراهيم -عليه السلام- وسارة ثم عقب بعدها بقوله: ودل الحديث أيضًا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة (7).

  • وموسى -عليه السلام- يقول له فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء:29) (8)، وقصة موسى أفاض فيها القرآن الكريم في أكثر من سورة، ولذلك اكتفي بهذه الإشارة، يقينا مني أن المسلم سيجد في مصحفه أكثر مما سأنقله له.
  • ونوح -عليه السلام- يقول له قومه: ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ*قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ*ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء: 116-122) (9).
  • ولوط -عليه السلام- ﴿قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ* فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ*ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (الشعراء: 167-172) (10).
  • ويوسف: عليه السلام - يحكي لنا القرآن الكريم مقولة امرأة العزيز: .... ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف:32،33) (11). ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (يوسف:42)(12).
  • وزكريا: يقول ابن إسحاق كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى، ثم قال أيضًا: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا فقر منهم، قمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، فالتأمت عليه، فأخذ الشيطان بهدية ثوبه فرأوها، فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من وسطه في جوفها.
  • وأما يحيى فقتل بسبب امرأة أراد ملكهم أن يتزوجها، فقال له يحيي: إنها لا تحل لك لكونها كانت بنت امرأته، فتوصلت إلى الملك حتى قتل يحيى... وروى أن دم يحيى كان يفور حتى قتل عليه بختنصر من بني إسرائيل سبعين ألفًا فسكن..» (13).
  • وعيسى ابن مريم وتأمر يهود على قتله ورفع الله إياه.. والقرآن الكريم يعرض لذلك ويفصله.. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إلى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: 52-55) (14).
  • وخاتم النبيين والمرسلين محمد -عليه الصلاة والسلام- يلقى من الأذى والعنت من قومها لكثير ليصل بهم في نهاية المطاف إلى التآمر على قتله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

سحرة فرعون:

هذه إشارات عن المرسلين ومن يرد المزيد فعليه بالقرآن الكريم بما حواه من قصص كريم ليثبت قلوب المؤمنين: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (سورة هود:120) (16).

وعن ابتلاء اتباع المرسلين قص لنا القرآن الكريم الكثير، وحملت السنة النبوية والسيرة العطرة في طياتها من الأخبار، ما يزيد المؤمنين إيمانا مع إيمانهم ويثبت منهم الأقدام.

قف معي على سحرة فرعون لترى عظمة الإيمان حين يشرق في الفؤاد في لمح البصر، أو هو أقرب إنه يحول أصحابه من أجراء لدنيا إلى طلاب آخرة:﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ*قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (سورة الأعراف: 113-114) (14).

هؤلاء السحرة بعد إيمانهم يتوعدهم فرعون:﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ (طه:71)(18).

فكان ردهم على هذا التهديد والوعيد: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ*إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (طه: 72-79) (19).

أصحاب الأخدود:

ومن سحرة فرعون إلى قصة أصحاب الأخدود، والذين لم يكن لهم من ذنب سوى الإيمان بالله والكفر بما عداه ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ*إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ*وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج:4] (20).

يقول الإمام القرطبي أعلم الله -عز وجل- المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي قصة الغلام؛ ليصبروا على ما يلاقون من الأذى، والآلام والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار دعوته ودخول الناس في الدين، مع صغر سنه وعظم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار.

وكذلك كثير من الناس لما أمنوا بالله تعالى، ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار، ولم يرجعوا في دينهم (21).

عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن قبلكم كان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلى غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتي الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل على وكان الغلام يبرئ الأكمه (22) والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك، كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة. فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني؟ فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله، دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله، فأتي الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب، فجئ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فدعا بالمنشار (23) فوضع في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: أرجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرقه رأسه، فشقه به حتى وقع شفاه، ثم جيء بالغلام، وقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا. فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته (24) فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور (25) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بم شئت، فانكفات (26) بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد (26) واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس (28) ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك (29) قد أمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك (30) فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست (31) أن تقع فيها، فقال لها الغلام يا أمه أصبري فإنك على الحق (32).

مؤمن آل ياسين:

ومؤمن آل ياسين تحكي لنا سورة ياسين قصته في صدرها، فتقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ*إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ*قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ*قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ*وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ*قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ*قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ*وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ*اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ*وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ*إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ*إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ*قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس:13-27) (33).

مؤمن آل فرعون:

ومؤمن آل فرعون تحكي لنا قصته سورة غافر: في أسلوب حوار عقلي هادئ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر:28)... إلى أن قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ*فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾(غافر: 44-45)(34).

ماشطة ابنة فرعون:

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أنت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينما في هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدري من يديها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت أخبره بذلك، قالت: نعم، فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس، فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟، قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام أولادي في ثوب واحد، وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها، فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها في تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت، قال: قال ابن عباس: «تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم -عليه السلام-، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون» (35).

حبيب بن زيد:

هو حبيب بن زيد بن عاصم بن عمرو الأنصاري المازني، كان فيمن شهد بيعة العقبة من الأنصار وشهد أحدًا والخندق وغيرها (36).

وقد أخذه مسيلمة الكذاب الحنفي، صاحب اليمامة، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول نعم، فيقول: أفتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فجعل يقطعه عضوًا عضوًا حتى مات في يده، لا يزيد على ذلك، إذا ذكر له رسول الله آمن به وصلى عليه، وإذا ذكر له مسيلمة قال: لا أسمع، فلما كانت موقعة اليمامة - وكانت بين المسلمين وبين مسيلمة الكذاب- خرجت أمه نسيبة بنت كعبة مع المسلمين فباشرت الحرب بنفسها حتى قتل الله مسيلمة، ورجعت وبها اثنا عشرجرحًا من بين طعنة وضربة (34).

أبو مسلم الخولاني:

يروي ابن كثير بينما الأسود بن قيس العنسي باليمن أرسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، فأعاد إليه، قال: ما أسمع، فأمر بنار عظيمة، فأججت فطرح فيها أبو مسلم، فلم تضره، فقيل له: لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي، فبصر به عمر فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الله بصاحبنا الذي حرق بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن أيوب، قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم، قال: فقبل ما بين عينيه، ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ منفعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام.. (38).

عبد الله بن حذافة:

عن أبي رافع، قال: وجه عمر جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد، فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال: إذا أقتلك، قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب، وقال للرماة أرموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه، ويأبي، فأنزله، ودعا بقدر فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما، فألقي فيها، وهو يعرض عليه النصرانية، وهو يأبى ثم بكي، فقيل للملك: إنه بكي فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت اشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله.

فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال نعم: فقبل رأسه، وقدم بالأسرى على عمر، فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه.

وروى عن مالك بن أنس: أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة، فأمر به ملكهم، فجرب بأشياء صبر عليها، ثم جعلوا له في بيت معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثًا لا يأكل، فأطلعوا عليه، فقالوا للملك: قد انثنى عنقه، فإن أخرجته وإلا مات، فأخرجه، وقال: ما منعك أن تأكل وتشرب؟، قال: أما إن الضرورة كانت قد أحلتها لي، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام، قال: فقبل رأسي، وأخلي مائة أسير، قال: أما هذا، فنعم... فقبل رأسه: فخلى له مائة، وخلى سبيله، وفي رواية أطلق له ثلاثمائة أسير وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصيفة وثلاثين وصيفًا.

الهوامش:

1 - تحفة الأحوذي 7، 78/2509، ابن ماجة 2/1334/4023.

2 - تحفة الأحوذي 7/79.

3 - فتح الباري 10/112.     

    4 - الأنبياء: 68-71.

5 - فتح الباري جـ 6/388، 3358.

6 - فتح الباري 6/394.

7 - الجامع لأحكام القرآن 10/162.

8 - الشعراء: 29.       

    9 - الشعراء: 116-122.

10 - الشعراء 167-172.

11–يوسف 32، 33.

12 - يوسف 43.

13 - فتح الباري 6/468.

14 - آل عمران: 53-55.

15 - الأنفال: 30.

16 - هود 120.

17 - الأعراف: 113 - 114.

18 - طه 71.

19 - طه 72 - 76.

20 - البروج 4-9.

21 - الجامع لأحكام القرآن 19/193.

22 - الأكمه الذي خلق أعمى.

23 -المنشار مهموز وفيه تخفيف الهمزة بقلبها ياء «ميشار» وروي «منشار» بالنون، وكلها لغات صحيحة.

24 - ذروة الجبل أعلاه.

25 - قرقور السفينة الصغيرة، وقيل: الكبيرة.

26 – فانكفأت: انقلبت.

27 - صعيد: الأرض البارزة.

28 - كبد القوس: مقبضها عند الرمي.

29 - نزل بك حذرك أي ما كنت تحذر وتخاف. 

30 - الأخدود الشق العظيم في الأرض أفواه السكك: أبواب الطرق.

31 – تقاعست: توقفت ولزمت موضعها، وكرهت الدخول في النار خوفًا على صبيها.

32 - النووي على مسلم: 18/130 [300573].

33 - يس 13- 37.              

34 - غافر: 28 - 45.

35 - أحمد 1/209 -210، ابن ماجة 3/1377/4030.

36 - الإصابة 2/321 (1579) أسد الغابة1/443/1049.    

37 - سيرة ابن هشام 2/78.

38 - البداية والنهاية 6/272.

المسارعة في الخير.. عمارة للأرض

بقلم: عبد الرحمن اللعبون (*)

(*) كاتب سعودي.

اغتنام الأوقات سمة المتحفز للآخرة المترقب للرحيل ﴿وَسَارِعُوا إلىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133) فما يمر عليه وقت إلا وله فيه فكرة وعبرة وعمل، فتراه يبادر استغلال أنفاسه فيعمد إلى المسارعة في فعل الخيرات واقتناصها في فرصتها قبل أن يظهر ما يحول دونها، فمن تدارك عمره فقد أحسن استغلال أيامه قبل أن تتسلط عليه الآفات، ومما كان يكثر منه الرسول استعاذته بالله من الهم والحزن والعجز والكسل التي تعد من المعوقات الكبيرة عن فعل الخير وفوات فرص تزكية النفس ونفع الآخرين.

قال النبي : «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (1) وقال : «إن لله أقوامًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها الله منهم فحولها إلى غيرهم». (4)

لا تقطعن عادة الإحسان عن أحد *** ما دمت تقدر والأيام تارات

وأذكر فضيلة صنع الله إذ جعلت *** إليك لا لك عند الناس حاجات

والمسارعة في الخير فيه عمارة للأرض بما أمر الله، واستنفاد للوقت في خير مسلك لا يعاب فيه ولا يندم عليه، فإن كان في نفع نفسه وإخوانه فقد حصل فيه الظفر، قال الرسول الكريم : «خير الناس أنفعهم للناس»، كذلك فقد حث عليه الصلاة والسلام على فعل الخيرات وعدد بعضها فقال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (3)، وهذا ما حرص عليه السلف الصالح وتواصوا به وقدموه على نوافل الطاعات. 

إنه الشعور بوحدة المسلمين والاهتمام بمصالحهم حين مثلهم الرسول فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (6)، وحيث إنهم كالجسد الواحد، فيلزم أن يعين بعضهم بعضًا على الخير، ويردون عن بعضهم المكاره بذل الخير فيه كسب للقلوب وإحساس بقيمة الحياة وعظم الدور فيها، ونشر للفضيلة وإحياء لمعان سامية قد يغفل عنها الكثير.

قال أبو عثمان أحد شيوخ البخاري: «ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي فإن تم وإلا قمت له بمالي فإن تم وإلا استعنت له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان»، وكان الليث بن سعد يجلس للمسائل، يغشاه الناس فيسألونه، ويجلس الحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده، كثرت حاجته أم صغرت.

وما على العبد إلا أن يسعى ومن الله التوفيق، والله يهب الحسنات على حسن النوايا، فإن تم العمل فلله الحمد والمنة، وإلا فإن الله يثيب على سلامة الابتداء.

على المرء أن يسعى إلى الخير جهده    وليس عليه أن تتم المـــــقاصد

قيل لمحمد بن المنكدر: أي الأعمال أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي من لذاتك؟ قال: الإفضال على الإخوان.

الهوامش:

1 - مختصر صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب في تعاهد الجيران بالبر، عن أبي ذر رقم الحديث 1782.

2 - سلسلة الأحاديث الصحيحة عن ابن عمر رقم الحديث 1693.

3 - سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم الحديث 426.

مختصر صحيح مسلم كتاب الذكر، باب الاجتماع على تلاوة كتاب الله تعالى، عن أبي هريرة، الحديث 1888.

4 - سلسلة الأحاديث الصحيحة عن النعمان بن بشير رقم الحديث 1083.

تعالَ نؤمن ساعة

علي رقيب

يقول الشاعر:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب

فلا تحســبن الله يغفل ســــــــاعة *** ولا أن ما تخفيه عنه يغـــيب

ألم تر أن اليوم أـسرع ذاهب *** وأن غدا لناظره قريـــــــب

نعم.. علي رقيب، فكيف يعصي من استشعر عظمة الله تعالى وعلم أنه يراقبه في جميع أحواله، في سكناته وحركاته وحتى في خلجات نفسه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الأنفال: 43) فلا شك أن من يعلم ذلك علم اليقين ويكون هذا الأمر نصب عينيه سوف يلتزم بأوامر ربه وينتهي عن نواهيه ويمتثل لوصية رسوله الكريم حيث يقول له ﷺ: «يا بن آدم، اعمل كأنك ترى، وعد نفسك من الموتى وإياك ودعوة المظلوم».

فيا أيها المؤمن بربه هل يهنأ بالك وأنت تعصي خالقك مع علمك بأنه مطلع عليك ويراقبك؟ أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: 93) ألا تعلم أن عن يمينك وشمالك ملكان يحصيان عليك أعمالك قلت أو كثرت صغرت أو كبرت ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ق: 18)، فتلاقي الله بها فعندئذ لا ينفع الندم ولا ينفع المال أو الجاه لتفدي به نفسك فكل مشغول بنفسه وكما يقول تعالى واصفًا ذلك المشهد: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ*لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 34-37) أفلا تستحي أن تقابل ربك وأنت على معاصيك فما يدريك لعل الله يقبض روحك وأنت على حالك من اقتراف للمعاصي فتكتب لك سوء خاتمة والعياذ بالله، والعجب كل العجب أن تدعي محبة الله وتعصيه!! ألم تسمع قول الشاعر وهو يناديك:

تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا العمري في القياس شنيع

لو كان حبك صادقًا لأطـعته *** إن المحب لما يحب مطيع

علي رقيب.. كلمة لابد أن تستقر في النفوس وفي القلوب فتنيرها بجلال الهيبة والعظمة لله تعالى وترسخها كلمات المصطفى النورانية عندما يقول: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فحري بك أخي المسلم أن تتمكن هذه الرهبة في قلبك بعلم اليقين بأن الله على كل شيء بصير في هذا الوجود فما من مثقال حبة من خردل إلا وهو يعلمها، فلا تكن من المعرضين أو الغافلين وكن من المنيبين المخبتين للواحد القهار.

وقد روي عن عمر بن الخطاب عندما أراد أن يمتحن الراعي بأن يعطيه شاة ويقول لسيده: إنها قد أكلها الذنب، فقال الراعي كلمات خالدة تبقى شعارًا لنا إلى أن نلقى الله تعالى: «إن كان سيدي لا يرانا ولا يعلم الحقيقة في نقص الغنم وتفوت عليه الحيلة، فأين الله؟؟»، فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه.

نعم أخي المسلم... ذلك الراعي فقه معنى المراقبة، فالإنسان إذا استشعر مراقبة الله ومعيته ونظره إليه وعلمه بجميع أحواله ظاهرها وباطنها، حينئذ يرى عظمة الله وقدرته فيصلح حال الإنسان ولا يغفل عن طاعة ربه ويبتعد عن كل شيء يغضب مولاه ومدير رزقه وكما قيل: «من راقب الله في خاطره عصمه في حركات جوارحه».

خالد علي الملا

الرابط المختصر :