; المجتمع التربوي (العدد 1275) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1275)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1275

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

وقفة تربوية

طلاب الدنيا وطلاب الآخرة (1)

يقول تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَن كانَ يُريدُ العاجِلَةَ عَجَّلنا لَهُ فيها ما نَشاءُ لِمَن نُريدُ ثُمَّ جَعَلنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلاها مَذمومًا مَدحورًا وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكورًا كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحظورًا﴾ (الإسراء: ١٨-٢٠).

في هذه الآيات الكثير من الوقفات والمعاني الإيمانية العميقة التي يسعد المؤمن بتأملها، لما تمده من طاقة إيمانية تعينه على الثبات على طريق الإيمان، ومن أبرز هذه المعاني.

(1) الناس قسمان:

فريق يسعى ويلهث وراء الدنيا، يحب من أجلها، ويبغض من أجلها، وهؤلاء منهم كفار ومنهم مؤمنون بالله تعالى، فالكفار لا يتصورون أن هناك شيئًا غيرها، يعيشون من أجلها ويموتون من أجلها، ولا يعبدون سواها. والمؤمنون بعضهم أعمته الدنيا تمامًا حتى نسي عبادة الله في سبيلها، والبعض الآخر لا يعطي إلا فضول أوقاته للآخرة لأن قلبه معلق بالدنيا.

(۲) أنواع التعجيل في الدنيا:

 هناك قراءتان للآية ﴿ عَجَّلنا لَهُ فيها ما نَشاءُ﴾، فقد قرأها الجمهور «نشاء» وقرأها نافع «يشاء»، فعلى قراءة الجمهور كما قال ابن عطية في تفسيره ٤٦/٩: «من كان يريد الدنيا العاجلة، ولا يعتقد غير هذا، ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله تعالى يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء الله تعالى» .

وعلى قراءة نافع يكون المعنى: «أن الله تعالى يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد» ولعل هذا الأمر واضح جلي نلمسه ونراه، فإن أكثر الأثرياء وملاك الدنيا وزينتها هم من العصاة والظلمة والمبتدعون في منهج الله تعالى.

أبو خلاد

تعال نؤمن ساعة

الرياضة والداعية

يخطئ من يظن أن الداعية مكانه فقط المسجد وإن كان المسجد هو النبع الأصيل والمنبع الصافي الذي ينهل منه كل الدعاة إلى الله، لكن الذي تعنيه هو أن يكون للداعية نصيب في كل الميادين، فديننا شامل لجميع مظاهر الحياة فلا يقتصر الداعية على العبادة فقط في المسجد فكما قيل: ما يؤدي إلى طاعة فهو طاعة، ولنا نصيب بذل في كل المباحات إذا أخلصنا النية لله ، ومنها الرياضة وهي تنقسم إلى قسمين: رياضة النفوس، رياضة الأبدان.

رياضة النفوس: ما أحوج الداعية إلى رياضة يروض بها نفسه بأن تكون له وقفات محاسبة مع نفسه يختلي بها مع ربه، ووقفات يخرج بها إلى أرض الله الواسعة فيتفكر بآلائه العظيمة ووقفات يروح بها عن نفسه بما لا يغضب الله تعالى بما أباحه الله من طرافات وتسلية بريئة مع إخوانه الدعاة إلى الله فكما ورد «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت ملت». ذلك تؤجر عليه أيها الداعية إذا وجهت قصدك بما يرضي خالقك فالمقولة التي تُقَاَلُ: «ساعة لربك وساعة لنفسك» هي مقولة خاطئة فساعاتنا هي كلها لخالقنا، والداعية يصفه محمد أحمد الراشد «وقف لله تعالى».

رياضة الأبدان: فلك كذلك بالرياضة نصيب فـ: «المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف» فسارع إلى تقوية بدنك لتنال تلك الخيرية من ربك ولا تكن من الخاملين وتركن إلى الدنيا فكما يقول الجيلاني -رحمه الله-: «الحركة بداية والسكون نهاية ...»، نعم ففي الحركة بداية كل عمل ونجاحه، أما السكون فهو يحكم على كل مشروع بالموت أو الخسارة، فالرياضة تنشطك الطاعة الله عز وجل وتصح بدنك وإلا فاحذر من الأسقام والأوجاع وكما يقول الشاعر:

وحاذر أن تكون أخًا حاملًا

                                       فهذا يا أخي أمر عصيب

تنشَّطْ بالرياضة كل يوم

                                       وكل وسطا فلا يدعى طبيب

ونشِّطْ روحك العليا بطيب

                                      وبادر لا تهن وأعمل حبيب

داعية للمهام الصعبة: فاعلم إذا كنت صاحب رياضة نفسية وبدنية كنت أنت الهمام الذي نحتاجه للمهمات الصعاب لا يرتضي الهوان أو سفاسف الأمور فكما قيل لصاحب همة: «عندنا لك حويجة فقال بهمة عالية «اطلبوا لها رويجل...» نعم ففي ترويض النفس سمو لها وتطلعات عالية فكما يقول الشاعر:

ذريني أقل ما لا ينال من العلا فصعب

  العلا في الصعب والسهل في السهل

نعم إنها رياضة تجعل الداعية شعاره: «إذا دعي أجاب أو نودي لبي» لطاعة الله ..

خالد علي الملا

ظواهر في حقل الدعوة

الظاهرة: هز الثوابت والمبادئ الإسلامية.

التحليل: من المعلوم بديهة أن الشريعة الإسلامية تحوي ثوابت وأحكامًا قررتها لا مجال فيها للخلاف أو التنازع كحرمة شرب الخمر واقتراف الزني، وأكل المال الحرام من الربا وغيره إلا أننا بدأنا نشاهد ونسمع ونقرأ في الفترة الأخيرة برامج ناشرة ولقاءات وتحقيقات تتناول تلك الثوابت والأسس بالمناقشة وأخذ الآراء بشأنها وكأنها متغيرات قابلة للبحث والدراسة والنقد والتقويم فأصبحت- مثلا - الفوائد البنكية «الربا» مطروحة للنقاش، وموضوع تعدد الزوجات أمر يمكن رده وغير مسلم به ولو قرر القرآن والسنة حكمه من ألف وأربعمائة سنة أو تزيد وسمح لكل من سفه نفسه بالإدلاء في ذلك برأيه وتصوراته بل والإنكار على من يستنكر هذا العبث بأحكام الله وآياته ويوسم - أيضًا - بأنه ضيق الأفق قصير النظر غير ملم بفقه الواقع والفهم الصحيح لروح الإسلام وتشريعاته وأنه ليس من أصحاب الجيل المستنير.

 النتيجة: إن استمر هز هذه الثوابت بهذه الصورة فلن يبقى للمسلمين بعد ذلك حكم واحد ثابت من أحكام الشريعة يمكن الرجوع إليه والتقيد به بل سيفتح الباب على مصراعيه المناقشة كل مسلمة في الدين كالصلاة أو الزكاة، بل ولا عجب أن يأتي اليوم الذي نناقش فيه وجود الخالق - - أو صدق الرسالة وحقيقة النبوة، نسأل الله السلامة والعافية.

العلاج: يمكن علاج هذه الظاهرة من خلال الموضوعات الآتية:

1- ثوابتنا كما قررتها الشريعة.

2- تعليق حول آية ﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا﴾ (الأحزاب:36)

3- من هم أهل الاجتهاد في الإسلام.

4- صور رائعة من حياة العلماء العاملين ....وواجبنا نحوهم.

5- الاستجابة لله والرسول «قصص».

 محمد عبد الله الشيخ

إلى منهاج الله

بقلم: محمد طالب

لو أراد أحدنا أن ينطلق في طريق لا يعرفه، وفيه خيارات منها رجل يعرف الطريق ويسير على رجليه وآخر يستخدم سيارة، وآخر يستخدم طائرة ليدله على الطريق، أو أن بإمكانه أن يستعين بقمر صناعي يستشرف له الطريق ويزوده بأدق التفاصيل عنها. فلا شك أنه سيختار الوسيلة التي تكون قادرة على استشكاف أكبر قدر من الطريق وما يحيط بها، ولذلك فإنه سيختار القمر الصناعي، لأنه الأعلى والأقدر على بيان أكبر قدر من المساحة أمام سالك من المخاطر ما فيه، فإنه سيبحث عن دليل ومرشد يدله إلى غايته، فلو كان له أن يختار بين عدة الطريق، وتنبؤاته ستكون أدق.

وكذلك المؤمن الذي يريد أن يسلك طريق الجنة أيستعين بإنسان مثله أو أكثر خبرة منه؟ أم يستعين بمن هو أقدر على وصف الطريق والعقبات التي تعترض الذي يسير عليها، ومن هو أكثر قدرة على ذلك من الله من فوق سبع سماوات ليس ذلك فقط بل إنه هو الذي وضع الطريق وبين لنا وسائل السير عليها عن طريق الرسل والأنبياء وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام، وقد أرسل لنا معه أفضل وسائل الهداية، فما على الذي يريد أن يسير في طريق الجنة إلا التزام هذا المنهاج، وإلا فإنه من السهولة بمكان أن يضل، خاصة إذا اتبع أصحاب الأهواء والشهوات، ولذلك فإن الله أمر رسوله بهذا الأمر وأمر أمته كذلك:

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الكافِرينَ وَالمُنافِقينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليمًا حَكيمًا﴾ (الأحزاب:1). ﴿المص كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ فَلا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكرى لِلمُؤمِنينَ اتَّبِعوا ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبِعوا مِن دونِهِ أَولِياءَ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾ (الأعراف:1-3).

فإلى منهاج الله يا من أردتم الجنة ...!!

وإن العقبة الكؤود التي تقف أمام الناس ودراسة هذا المنهاج واتباعه هو ما رسخ على مر السنين والدهور من أن فهم هذا المنهاج مختص بطائفة معينة من الناس فقط، ومن الصعب بمكان أن تقنع أحدهم بقدرته على ذلك مهما كان مستواه. حتى أنها أصبحت من المسلمات التي لا يجوز النقاش فيها، وإذا أخبرت أحدهم بأن هؤلاء الذين يفهمونه ويستطيعون تدبره لم يخلقهم الله على هذه الحالة، وإنما تعلموا، فبإمكان أي أحد أن يتعلم مثلهم بعدها يقول لك لابد من شيخ يتعلم على يديه، فإذا قلت له لم لا تذهب إلى هذا الشيخ خرج بأعذار لا يقبلها الله الذي سيحاسبه، ومما لاشك فيه أن هذه الفتنة الخاصة بعدم فهم منهاج الله قد ابتدعها بعض من يتصفون بالعلم حتى يبقوا في مكان عال ولهم اتباع وتلاميذ، وقد زينوا للعامة هذا الأمر، ونسوا أنهم بهذا لن يحاسبوا عن العامة، وأن الله سيحاسب الجميع على أساس منهاج الله خاصتهم وعامتهم، ولو أن عندنا ما يثبت أن الخاصة سيحاسبون عن العامة لكنت أول العامة، فلماذا التعب ويذل الجهد مادام غيرنا قد تكفل بحمل العبء عنا.

حساب الله!

ولكن الذي نعرفه أن الله سيحاسب الناس كلهم على أساس هذا المنهاج، فهل يعقل أن ينزل الله هذا المنهاج لا يفهمه إلا القلة القليلة وهل يعقل أنه لابد لكل من أمن أن يتعلم على شيخ وإذا لم يتوفر له هذا الشيخ فماذا يقول الله؟ فالله سيسال ويحاسب كل من أمن على أساس هذا المنهاج إذن لابد لكل من أمن أن يدرس ويتدبر ويبذل أقصى جهده، فإن لم يستطع يكون قد عذر نفسه بين يدي الله هل تقبل من طالب في الجامعة أن يقول بأن المنهاج صعب ولا استطيع فهمه قبل أن يبذل جهده أما أن نعتقد اعتقادًا جازمًا بأن فهم هذا المنهاج لا يقدر عليه إلا قلة قليلة، فهذا ما لا يقبله الله ولا يقبله عقل أو منطق خاصة وأن الله الذي أنزله وهو خالق الخلق وهو أعلم بهم وبطاقاتهم قد يسره للذكر والفهم حتى للأميين فكيف بمن يحملون أعلى الدرجات الجامعية وغيرها، ألا يخجلون من أنفسهم، وماذا هم قائلون لربهم غدًا؟

﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾ (القمر:17)، ﴿فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُدًّا﴾ (مريم:97). ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفسًا إِلّا وُسعَها وَلَدَينا كِتابٌ يَنطِقُ بِالحَقِّ وَهُم لا يُظلَمونَ﴾ (المؤمنون:62).

فالله سيحاسبنا على الوسع الصادق، بمعنى أن الله يعلم أن فلانًا من الناس يستطيع خلال عمره أن يحفظ عشرين جزءًا من كتاب الله، فإذا جاء يوم القيامة وهو يحفظ تسعة عشر سيحاسب على تقصيره هذا هو الوسع الذي سيحاسبنا الله عليه وليس الوسع الكاذب الذي يزينه الشيطان لنا وبعض أولي العلم الذين لا أدري بم يقابلون الله وقد زينوا للناس صعوبة فهم منهاج الله؟ هل هؤلاء أولو العلم حقًا.

 فإلى منهاج الله.. الميسر المبين، المفصل العربي النور الهدى الشفاء، كما قال الله ﴿وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ حَديثًا﴾ (النساء: ٨٧)، ﴿وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ قيلًا﴾ (النساء: ١٢٢).

 وهناك نقطة يجادل بها العاجزون الذين لم يستجمعوا هممهم للمضي على درب الإيمان والتقوى والنجاة، وهي أنستطيع أن نتدارك ما فاتنا من عمر؟ وهل تبدأ من جديد؟ وهل عندنا الطاقة لحفظ كتاب الله وتدبره في الأيام الباقية من عمرنا ؟ ونسي هؤلاء أن الله انزل كتابه على محمد عليه الصلاة والسلام وعمره أربعون سنة، ثم أنزله في ثلاث وعشرين سنة لتثبيت فؤاد الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يواجهه من أحداث ومواقف ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلًا﴾ (الفرقان:32)، فمن منا اليوم ليس بحاجة إلى من يثبته خاصة ونحن في زمن كل يوم هناك فتن كثيرة تواجهنا من هنا وهناك، لا نكاد نحصيها ولا تعرف من أين تأتي فمن يثبت المؤمن إن لم يثبته منهاج الله في كل ما يستجد من فتن وأحداث ومواقف إن المطلوب ليس حفظ كتاب الله في فترة زمنية قليلة دون تدبر، بل المطلوب أن يعيش المؤمن مع منهاج الله كل يوم من عمره، ويعود إليه في كل ما يواجهه.

تثبيتًا للفؤاد

فإلى منهاج الله تثبيتًا للفؤاد على درب الجنة المحفوف بالمخاطر والفتن.

 ويا من يريد النجاة بين يدي الله فليس أمامك إلا منهاج الله، فهو حبل النجاة الذي لا ينقطع لكل من أراد أن ينجو، فلو أن أحدنا كان على شاطئ وكان هناك من يغرق، ثم القى له بحبل فأمسك به، فكيف يمسك به أيمسك به بقوة وعزيمة أم يمسك به بضعف ووهن فإن أمسكه بوهن فلسوف يغرق وإن أمسكه بقوة فسوف ينجو، وهذه النجاة ليست هي كل شيء، ولا تعادل النجاة من عذاب جهنم والفوز بالجنة، فحتى ننجو من النار فقد بعث الله لنا حبلًا لنتمسك به كلنا وإلا سقطنا في جهنم والمطلوب من الكل أن يتمسك به وليس العلماء فقط وليتخيل كل منا نفسه ماسكًا بهذا الحبل وجهنم تحته، وهذا الحبل يجذبه بعيدًا عنها إلى الجنة فكيف يجب أن نتمسك به؟

 ﴿وَالَّذينَ يُمَسِّكونَ بِالكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضيعُ أَجرَ المُصلِحينَ﴾ (الأعراف:170). يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴿يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ (مريم:۱۲)، ﴿فَاستَمسِك بِالَّذي أوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾ (الزخرف:43)، ﴿وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللَّهِ جَميعًا وَلا تَفَرَّقوا﴾ (آل عمران: ۱۰۳).

 «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وتركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله، وسنتي»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ..

كلمة إلى الداعيات

إياك.. والقنوط

أختي الصغيرة:

في جنحة الحياة وبين زحامها المتكتل أرسل إليك هذه الرسالة الصغيرة مقدرة وقتك الثمين وحياتك الغالية... هذه اللحظات هي بداية التواصل المتجدد بإذن الله أتواصل معك بأفكاري وقلبي وخاطري الخفاق في نفسي أريد منك يا غاليتي قلبك ووجدانك الحي، وأدبك الجم ولتقدمي لنا خلاصة تجاربك.

عزيزتي: أرى على وجهك وجبينك خطوط الحزن ومأساة الدهر ... لا أكاد أقابلك صباحًا ومساء إلا وتلك الخطوط علت على وجهك، وعبرت عن ما في قلبك... فها هو الحزن ذلك الكابوس المزعج يكسر علينا قفص حياتنا ويدمرها ... تسألت مرارًا إلى متى وأنت على هذه الحال وما السبب یا تری؟!

أهو لعزيز فقد أم لصديق رفض أم لمطالب لم تتحقق، أم لنفس حبت الحزن وكتبت على نفسها العيش فيه أبد الآبدين.... واعلمي يا صغيرتي أنك في أوج شبابك وأجمل رياحين عمرك، فها أنا أمد يدي ليدك وأخاطبك من أعماق قلبي وأقول لك يا صديقة دربي، إياك والحزن، عليك بالابتسامة المنعشة والنفس الفرحة والمرحة ... إياك أن تلتفتي إلى الحزن فإنه هم قاصم للظهر ومقض للمضجع.

واعلمي أن الله جل جلاله لا يخلق، ولا يضع شيئًا في هذه الدنيا سدى إلا له به علمًا فالحزن نعمة يكفر بها الله ذنوبك إذا كانت كثيرة وبه يرفع درجتك في أعلى الجنان، وبه تعلمي سر هذه الحياة المتعاقبة والمتتالية....

فيا أيتها الحبيبة.

انظري إلى هذه الحياة بمنظار أمل وامسكي به بكل قوتك ولا تلجئي أبدًا إلى القنوط واليأس وكوني دومًا على اتصال بالله وإذا أصابك هم أو غم أو حزن أو نصب أو وصب... فنادي من لا يغفل النداء ويسمع الدعاء وقولي يا سامعًا كل شكوى ويا عالمًا بكل نجوى، ولا تلجئي لخلقه أبدًا لما بها من الذل والمهانة إلا في التخفيف عما بك والبوح بما في صدرك.

وأخيرًا عليك بالدعاء فإنه سلاح المؤمنة وغذاؤها الذي تواجهين به مصاعب الحياة وأزماتها .. وتقبلي خالص تحياتي .

إيمان بنت حمد الجاسر

هاجر من مالي إلى أرض الحرمين طلبًا للعلم

الشيخ حماد بن محمد الأنصاري

فجع العالم الإسلامي بعامة والحرمان الشريفان بخاصة بوفاة شيخنا العلامة المتفنن المحدث حماد بن محمد الأنصاري؛ حيث وافاه أجله المحتوم بعد مرض ألم به منذ السنة الماضية، وقد صلى عليه في المسجد النبوي يوم الأربعاء ۲۱ من جمادي الآخرة ١٤١٨هـ الموافق 22/10/1997م.

عرفت شيخنا العلامة حماد الأنصاري منذ أكثر من اثني عشر عامًا وقد فتح مكتبته الطلاب العلم، فما من طالب علم في المدينة النبوية أو قادم إليها من أهل العلم إلا وزار الشيخ حماد الأنصاري، واستفاد من مكتبته العامرة بنفائس الكتب والمخطوطات وكذلك طلاب الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بل وفي غيرها من الجامعات قلما يستغنون عن هذه المكتبة، وعن مشاورة صاحبها فيفيدهم من فيض علمه الواسع وينير لهم الطريق. هذا وقد رزق شيخنا الاطلاع الواسع على علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، وكان رحمه الله وجها للسنة النبوية في المدينة المنورة، يشهد له بذلك أهل العلم والفضل، يقول المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في معرض كلام له: «مع اعترافي بعلمه وفضله، وإفادته للطلبة، وبخاصة في الجامعة الإسلامية، جزاه الله خيرًا». الأحاديث الضعيفة، له (3/319).

هذا فضلًا عن معرفته لعلوم أخرى كان مشاركًا فيها وعلى رأسها علم التوحيد الذي كان من المبرزين فيه، كما كان رحمه الله آية في الحرص على المخطوطات وتتبع أخبارها وتصوير ما يمكن تصويره منها.

 ولد رحمه الله تعالى بـ «تاد مكة» من بلاد «مالي» عام ١٣٤٤هـ، وأخذ العلوم في بلاده عن مشايخ عدة، ثم رحل إلى الحرمين الشريفين واحد عن علمائها، فأخذ في مكة عن العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشاط، واستجاز جماعة من العلماء الواردين على مكة المكرمة كالشيخ المحدث عبد الشكور الهندي والشيخ عبد الحق العمري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني، وعبد الحفيظ الفلسطيني وغيرهم.

 ودرس - رحمه الله - في دار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة على الشيخ عمر بري؛ حيث درس عليه الفقه «الحنفي» و«صحیح مسلم» و«دیوان المتنبي» و«ألفية ابن مالك»، ودرس على الشيخ محمد بن تركي النجدي «الموطأ» للإمام مالك و«المغني» لابن قدامة، كما أن من الشيوخ الذين تركوا أثرًا في حياته الشيخ محمد عبدالله ابن محمود المدني، إمام المسجد النبوي، والمفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحم الله الجميع.

عمل الشيخ حماد الأنصاري مدرسًا في صار في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، ثم انتقل مدرسًا إلى المعهد العلمي بالرياض سنة ١٣٧٤هـ ثم في معهد إمام الدعوة سنة ١٣٧٥هـ ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨٥هـ وقد حضر عنده الطلبة صغارهم وكبارهم إلى أن بلغ سن التقاعد عام ١٤٠٧هـ.

أما عن مؤلفات الشيخ حماد فليست على قدر علمه الواسع وإفادته للطلبة، فمن مؤلفاته:

  1 - بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني

2- سبيل الرشد في تخریج احادیث ابن رشد.

3 - فتح الوهاب في الألقاب

4- إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلس من الشيوخ.

5 - ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي تحقيق وتعليق، وغيرها من الكتب والرسائل.

 أما حافظة الشيخ وقدرته العلمية على استخراج ما يسأل عنه فهذا أمر مشهور عنه يقول الشيخ الأديب محمد المجذوب في كتابه علماء ومفكرون عرفتهم (١/59).

"في رحلة جامعية صحبناه فيها استمعنا إليه يحدثنا عن فاتحة الكتاب وأشهد لقد تدفق كالسيل الهادر يقذف أفانين الدرر فما تلكأ ولا أرتج عليه، فكأنما يقرأ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من كنوز هذه السورة، فهو يتحف سامعيه من هذه الكنوز".

 رحم الله شيخنا العلامة حماد الأنصاري فلقد غاب وفي صدره علم كثير، وإنا والله بفراقه لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الرب.

الرابط المختصر :