العنوان المجتمع التربوي.. العدد 1380
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1380
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
وقفة تربوية
ارْوِنا يا رمضان
ها أنت تعود يا أحب الشهور إلينا.
ها أنت تعود يا رمضان بعد شوق أخذنا كل مأخذ.
ها أنت تعود يا رمضان بعد أن قحطت العيون، وتصحرت النفوس، وجفت الأرواح وتيبست القلوب، وازداد الظمأ.
ارونا يا رمضان بماء الإيمان، ونسمات السحر، ورحيق قيام الليل، وعطر قراءة القرآن، وشذى الصدقات والقربات، وروعة الاعتكاف في العشر الأواخر، وعظمة ليلة القدر.
ارونا يا رمضان، فقد عصفت بنا عواصف المادة، اثني عشر شهرًا ودخلت ذرات غبار الغفلة في بصيرتنا قبل بصرنا طيلة هذه الشهور.
ارونا يا رمضان، فقد لسعتنا شمس الدنيا وزينتها، وابتعدنا وبعدت بنا عن روحانية المشاعر.
حللت أهلًا، ووطئت سهلًا يا رمضان فأنت الحبيب، وأنت الكريم، وأنت الطبيب يا رمضان یا رب هذا الشهر العظيم أعتقنا من النار، واجعلنا ممن يصومه إيمانًا واحتسابًا، وممن يروى في يوم العطش الأكبر يوم القيامة، وممن ينادى عليه من باب الريان.
أبو خلاد
مرحبا بشهر المنافسة في القربى من الله
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان ويخبرهم بأنه شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» «رواه أحمد وأصحاب السنن»، وروى الجماعة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: إن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك».
والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وفضائل الصوم كثيرة، فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة وهي ما من الله عليه من إدراك هذا الشهر الكريم، وأن يسارع إلى الطاعات، ويحذر من السيئات، ويجتهد في أداء ما فرض الله عليه ولاسيما الصلوات الخمس فإنها عمود الإسلام وأعظم الفرائض بعد الشهادتين. فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة، ومن أهم واجباتها في حق الرجال أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238)، وأهم الفرائض بعد الصلاة أداء الزكاة كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: 56).
وقد دل كتاب الله وسنة رسوله على أن من لم يؤد زكاة ماله يعذب به يوم القيامة، وأهم الأمور بعد الصلاة والزكاة صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» «رواه البخاري ومسلم».
ويجب على المسلم أن يصون صيامه وقيامه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال لأن المقصود من الصيام طاعة الله سبحانه وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرم الله وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم» «رواه أحمد ومسلم والنسائي» وصح عنه ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» «رواه البخاري».
فعلم بهذه النصوص وغيرها أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار، وقبول الصيام والقيام.
وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس منها أن الواجب على المسلم أن يصوم إيمانًا واحتسابًا بلا رياء ولا سمعة ولا تقليد للناس أو متابعة لأهله أو أهل بلده، بل الواجب عليه أن يكون الدافع له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرضه عليه واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك.
ومن ذلك ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وما يعرض لبعض النساء من تأخير غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر إذا رأت الطهر قبل الفجر فإنه يلزمها الصوم، ولا مانع من تأخيرها الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس، بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.
ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ما قد يعرض للصائم من جراح أو رعاف أو قيء أو ذهاب الماء إلى حلقه بغير اختياره فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم لكن من تعمد القئ فسد صومه لقول النبي ﷺ: من ذرعه القئ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض» «رواه أحمد».
وهكذا قيام رمضان يجب أن يفعله المسلم إيمانًا واحتسابًا لا لسبب آخر، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «عمرة في رمضان تعدل حجة» «رواه أحمد وابن ماجه».
ومن الأمور التي لا تفسد الصوم تحليل الدم وضرب الإبر غير المغذية، لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك لقول النبي ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «رواه البخاري».
صالح أحمد الترابي
طلب الشهادة أفضل ذخائر السعادة
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ﴾ (التوبة:۱۱۱)، وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٢٠- ١٢١).
لن يعجز مؤمن، وإن ضعف حاله، وقل ماله، أن يأتي بواحدة مما ذكر الله تعالى في الآيتين السابقتين، فكيف بك وقد زادك الله بسطة في قومك تستطيع بها تقويم طباعهم، وتهذيب عقولهم، وردهم إلى ما انحرفوا عنه من هدي الشرع، وتنبيههم لما غفلوا عن رعايته من طلب الشهادة، وعدها أفضل ذخائر السعادة؟
إن لله يدًا عندك بما أتاك، ولست تأمن مكره في حفظ نعمه عليك إلا أن تؤدي حقه فيها، ولا تؤدي حقه حتى يكون معظمها منصرفًا لإعزاز دينه وإعلاء كلمته.
وإياك وتعلات النفوس، وأهاويل الأوهام، فإنها من مضلات العقول، وطرائق الهلكة، وحيل الشيطان.
ليس بينك وبين الحق إلا أن تهم وتخلص لله همك فتكون يد الله على يدك يؤيدك ويأخذك للحق ويأخذ الحق إليك، والله عز وجل لا يعين خاذله.
إن الله اشترى منا حياة دنيئة لو طلبت من عاقل لجاد بها بلا عوض، ذلك أنها تقوم على قواعد الأتعاب وقوائم الأوصاب، بدايتها ضعف ونهايتها عجز لم يفت من لذاتها ما يولد الأسف على فواته، وما حضر مشوب بالجزع على ذهابه فلم اللهف الدائم على تحصيل ما يؤهل منها وليس فيها ما يخلو من آلام، وقد وعدنا ربنا -حقًا- أن يعوضنا عنها سعادة خالدة في حياة أبدية لا يشوب لذاتها ألم، ولا يمازج صفوها کدر حياتنا ذاهبة إلى الفناء بالرغم منا، وليس لنا من إمكان للخلود فيها، فانظر إلى رحمة الله في شرائها منا، وإجزال العوض وتعظيمه عنها حتى كأنه يساومنا ملكًا لنا، أو كان في سعتنا أن نستبد به عليه أو نمنعه مراده منا، جلت عظمته، وتعالت قدرته.
علي الصفتي- الكويت
تصرفات صغيرة.. حقيقتها كبيرة
في بيت الله الحرام كنت جالسًا: أتلو القرآن ومن حولي رجال كثر بعضهم يتلو وبعضهم يذكر، وبعضهم ينظر إلى الكعبة بتأمل، وفي هذه الأثناء جذب انتباهي طفلان، أحدهما في السادسة من عمره، والآخر في الثامنة تقريبًا، يجلسان مع أبيهما الذي يتلو القرآن أيضًا بينما هما يعبثان، وعبث أحدهما مزعج ومشوش إذ إنه كان يأخذ عددًا من أكواب الشرب المخصصة لكي يشرب بها الناس ماء زمزم ثم يمزقها بأسنانه، ثم يعمل منها أشكالًا زخرفية على شكل ورود وغيرها.
طال العبث والوالد ينظر إلى ولده في بعض الأحيان نظرة عابرة ثم يرجع إلى مصحفه دون أن يشير ولو إشارة بسيطة إلى ضرورة الكف أو التخفيف.
خطر ببالي أن أنبه الوالد إلى ذلك، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: يا أخي إن عبث ابنك -يحفظه الله- يسبب تشويشًا على من حولنا ممن يتلون كتاب الله ويسبحون، ويصلون، وهذا لا ينبغي، وخاصة في بيت الله الحرام، فأجابني الرجل إجابة لم أكن قد سمعت بها من قبل، قال: «هذا من السنة».
قلت: وأي سنة هذه؟ قال: النبي ﷺ كان يأتي بالحسن والحسين -رضي الله عنهما- إلى المسجد ويلاعبهما، قلت: يا أخي بارك الله فيك، لست مفتيًا ولا أسألك عن فتوى الآن إنما الذي نرجوه منك أن تكف عبث ابنك عن بيت الله، ولو أن كل من في الحرم جاؤوا بأولادهم، وطبقوا السنة التي تزعمها لأصبح الحرم فوضى: لا نظافة، لا قيام، لا خشوع، لا!
فقال الرجل: هذا كله لأنك ما جئت بأبنائك معك ولو جئت بأبنائك معك لما تكلمت كلمة وأنا أعرف أن هذا من السنة، ولولا أنه من السنة ما فعلته، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله وتلطف رجل آخر، وطلب إليه أن يأخذ ولديه وما خلفاه من قمامة وأن يرحل.
وبما أنني من قراء مجلة «المجتمع» الحبيبة إلى قلب كل مسلم، وقد اطلعت على ما كتبته الأخت عابدة المؤيد العظم في العددين ١٣٧٥، ١٣٧٦ وخاصة بدء المقال الثاني وهو استشهادها بكلام جدها العظيم أستاذنا المرحوم الشيخ علي الطنطاوي: «إذا مرض ولدك تأخذه إلى الطبيب» إلى أن قال -رحمه الله-: «فعندما انتقل النبي إلى الرفيق
الأعلى كان عدد المسلمين يزيد على مائة ألف فهل تظنون أن كل هؤلاء يرجعون إلى القرآن ويفتون لأنفسهم؟ لا، أبدًا وإنما كان أغلبهم يستفتون وكان عدد المفتين لا يزيد على المائة مائة فقط مجتهدون من أصل مائة ألف والباقون كلهم مقلدون».
أقول: وقد كان ذلك في زمن الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وهم أكثر الناس اقتفاء أثر المصطفى ﷺ والبحث عن أساسيات بنيان الدين، فقد كانوا قلما يشغلهم شاغل عن تعلم أمور الدين إلا أن يجاهدوا في سبيل الله ومع هذا كانوا يستفتون ويسألون، أما نحن اليوم -مع شدة انهماكنا في تحصيل الدنيا ومتعها وانشغالنا عن الآخرة، وسبيل النجاة فيها- تجدنا نسارع لإصدار الفتاوى المبررة لأخطائنا المتعمدة، وغير المتعمدة.
وليست المسألة مقصورة على تصرف مثل هذا الأخ، بل آخرون كثيرون يعتقدون حل هذا المنهج «أن يأخذ كل ما شاء كيف شاء» وبمجرد أنه أصبح يمكنه قراءة بعض كتب الحديث، يتصور أنه صار عالمًا يفتي حتى إن أحدهم جادلني وأقسم أن «بائع الفجل يمكن أن يقرأ في كتب الحديث ثم يفتي الناس».
هذا مذهب خطير وسبب عظيم في تمزيق صفوف الأمة، وشل فاعليتها، ومرجعه عائد إلى التربية الإيمانية، فالتربية والثقافة الدينية وقع عليهما الحيف ودخل فيهما النقص، ولو أننا رجعنا إلى أقوال سلف الأمة، وعلمائها الأفذاذ، واسترشدنا بتوجيهاتهم في تربية أبنائنا وتنشئتهم وعدم التهجم عليهم واستصغار شأنهم، نشأ من ذلك ترابط القلوب، وتآلف النفوس، وتلك قوة مطلوبة يعجز العدو عن اختراقها إلا ببث ضدها وهو الفرقة والخلاف، وذلك ما نحن واقعون فيه اليوم.
محمد إسماعيل -مكة المكرمة
دلائل الرحمة في آيات الصيام
منها: النداء المحبب، تبيان الغاية من التشريع، التدرج في التكليف
صالح أحمد العمودي
أنزل الله كتابه العظيم هداية ورحمة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان: ١- ٣)، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (النمل: 77)، وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89)، فالقرآن كله رحمة الله المنزلة على عباده، يحمل في آياته من الأحكام والتشريعات ما فيه رحمة وتيسير على العباد، ورفع للحرج عنهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ﴾ (الحج: ۷۸).
ومن العبادات والتكاليف التي تبدو في ظاهر أمرها شاقة متعبة: الصيام، والنفوس المتجردة عن الإيمان تستثقلها لأنها كما قال سيد قطب -يرحمه الله-: «مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، واحتمال ضغطها وثقلها «في ظلال القرآن ج١، ص ١٦٧».
ولكن الله عز وجل عليم بعباده وبضعفهم، وهو الرؤوف الرحيم بهم، ولهذا جعل سبحانه الرحمة واللطف قرين أحكامه المنزلة، ولهذا كانت آيات الصيام من سورة البقرة مقرونة بدلائل الرحمة وآيات اللطف الرباني، رحمة في الألفاظ والتعابير ورحمة في المعاني ورحمة في الأحكام تتعاقب فيها اللفتات الموحية التي تودد الله عز وجل لعباده وأوليائه.
ومن دلائل الرحمة وإشارات الرأفة بالمؤمنين من خلال هذه الآيات التي تضمنت الأمر بالركن الثالث ما يلي:
في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ۱۸۳)، يدعو الله المؤمنين بنداء محبب يذكر المؤمن بالرباط الذي يربطه بالله وهو الإيمان، وفيه ثناء عطر عليهم لتحليهم بهذه الصفة، وهذا النداء يستثير العزيمة نحو تحمل التكاليف التي تتلوه «إن الله سبحانه يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له، مهما يكن فيه من حكمة ونفع، حتى تقتنع به وتراض عليه، ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب» «في ظلال القرآن، ج1، ص ١٦٧».
في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: ۱۸۳)، جاء الفعل مبينًا للمجهول، ولم يذكر الفاعل، ومع أن الله سبحانه هو الذي كتب علينا الصيام، فإن العدول عن البناء للمعلوم فيه ملحظ تودد من الله، فلم ينسب الأمر إليه مباشرة، لأن في هذه العبادة نوعًا من المشقة والحرمان من أحب الأشياء إلى النفس.
في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: ۱۸۳)، حث وتشجيع على الصيام بعد فرضه وإيجابه، وفيه تسلية للمؤمنين حال تحملهم لهذا التكليف، وفيه إثارة للعزيمة نحو أداء هذه العبادة، وذلك من خلال بيان أن هذه الفريضة قد أوجبها الله على المؤمنين من قبل في الرسالات السابقة، وقد أداها عباد لله من قبل فهم أسوة وسلوة.
ومن طبيعة النفس أن تتردد أمام الجديد، وأن تقدم عليه إذا علمت أن لها فيه سلفًا.
وحين تراعي الآيات هذا الجانب في النفس فهي تراعي حاجتها إلى التلطف والرحمة.
في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) ذكر الله الغاية من الصوم، وهي حصول التقوى، وهي أعظم ما يتمناه المؤمن وغاية ما يسعى لتحقيقه، ويجهد لبلوغه، فإذا تيقن المؤمن أن الصوم -التكليف الجديد- قائد إلى تلك الغاية الغالية، أقبل إليه مسرعًا، فالنفس تزداد إقبالًا على الأمر إذا عرفت غايته، ويتزايد الإقبال حين تعرف أن نتيجة هذا الأمر هي الهدف الذي ترومه.
في قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ﴾ (البقرة: ١٨٤)، بهذه العبارة بين الله مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم لئلا يشق على النفوس، وتضعف عن حمله وأدائه، بل أيامًا معدودات «تفسير ابن كثير: ج۱، ص ۲۰۲» ذكر ابن كثير أن الصيام كان في أول الإسلام أيامًا معدودات من كل شهر ثم نسخ بصيام شهر رمضان، ولكن رمضان بأيامه كلها يظل جزءًا بسيطًا من العام.
قال السيوطي في تفسيره ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ﴾ أي قلائل مؤقتات بعدد معلوم -وهي رمضان- وقلله تسهيلًا على المكلفين.
في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ﴾ (البقرة:١٨٤)، بيان الرخصة ورحمة جعلها الله للمريض والمسافر، لقد جعل الله الصيام أيامًا معدودات، ومع هذا فقد أعفى من أدائه المرضى حتى يصحوا، والمسافرين حتى يقيموا، تخفيفًا وتيسيرًا، «في ظلال القرآن ج١، ص ١٦٨»، ورحمة بالمكلفين.
في تتمة الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٨) بيان للتشريع الأول في الصيام.
لقد فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة وكان تكليفًا جديدًا فيه مشقة على النفس، فكان من رحمة الله أن أباح للمسلمين -في مرحلة أولى- الفطر من دون سفر أو مرض، لكن بشرط إطعام مسكين مقابل كل يوم، وتلا هذا التشريع تحبيب إلى الإطعام مطلقًا، وتحبيب آخر إلى الصوم بذكر أفضليته على الفطر مع الإطعام. هذا التدرج في التكليف مظهر من مظاهر الرحمة الربانية بالعباد.
في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ﴾ (البقرة: ۱۸٥) بيان الخصيصة يمتاز بها شهر الصيام عن سائر الشهور هي أن القرآن نزل فيه من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا «تفسير الجلالين»، كما قرر ذلك عدد من المفسرين، وكان في نزول القرآن الكريم هداية للناس ونعمة ومنة ورحمة من الله على عباده، ففي الآية إشعار بمنة الله على عباده، وتذكير بالرحمة المنزلة توطئة للأمر بالصيام في الشهر الذي نزلت فيه هذه الرحمة.
حتى تكون عبادة الصيام في هذا الشهر مقابلة لتلك المنة، وهي إنزال القرآن الكريم، وشكرًا لها، في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ ﴾ (البقرة: ۱۸٥)، أمر صريح مباشر بصيام شهر رمضان على كل مسلم بالغ مقيم غير مسافر وهو تشريع ينسخ التشريع السابق بإباحة الفطر لمن أراد أن يطعم، ومع صراحة التكليف، فقد تلحظ في لفظه تلطفًا خفيًا، إذ إن الأمر بالصوم معلق بشرط، فالذي يشهد رمضان وهو مقيم في دار هو المكلف بالصيام.
أما المسافر فمن رحمة الله أن الصوم لا يجب عليه حال سفره، كما أن الأمر في الآية موجه إلى الضمير الغائب، وليس إلى المخاطب مباشرة ولا شك في أن التكليف بهذه الصيغة الطف من التكليف بصيغة مباشرة نحو: «فصوموه، فصمه فصوموا»، وهكذا القرآن لا تفارقه الرحمة الربانية.
١٠- في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ﴾ (البقرة: ١٨٥)، إبقاء على رخصة الفطر للمريض أو المسافر، مع قضاء ذلك الصوم في أيام أخر بعد زوال العذر، وكرر -هذا الحكم- لئلا يتوهم نسخه بتعميم: من شهر، «تفسير الجلالين»، وهو أيضًا إبقاء على رحمة الله وتيسيره على عباده، وهو أرحم الرحمين.
١١- في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ۱۸٥)، تقرير لقاعدة شرعية عامة كلها رحمة ورأفة ولطف، فالله عز وجل وفي كل ما يشرعه ويأمر به -يريد التيسير والتخفيف، وإن كان ظاهر العبادة غير ذلك أحيانًا، ومن غاية الرحمة واللطف أن تأتي هذه القاعدة الشرعية العامة في ثنايا أحكام الصيام فهي تضفي على الآيات ظلال المودة ونسائم الأنس بمحبة الله اللطيف الرؤوف بعباده المؤمنين، إذ إن القاعدة تنفي كل ما قد يخامر القلب من إحساس بثقل هذه العبادة التي كلف بها، وتزرع الثقة بأن كل أحكام الله يسر ومرحمة، وأن الله سبحانه لا يشرع ما فيه العسر والمشقة على العباد، كيف وهو أرحم الراحمين؟
١٢- في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ۱۸٥)، بيان لغايات، وحكم، وفوائد الصيام، فهذه التشريعات الربانية هي من أجل أن يكمل المسلمون صيام شهر كامل، ومن أفطر بعذر فعليه القضاء ليكمل عدة الشهر- وهي تشريعات تهدف إلى أن يكبر المؤمنون ربهم، ويشكروه على نعمه التي من أجلها هدايته لهم.
ومن المعلوم أن ذكر غايات وأهداف الأمر والتشريع مما يدعو إلى مزيد من الإقبال والامتثال للأمر.
۱۳- في الآية التالية يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186) وفي هذه الآية نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم والجزاء المعجل على الاستجابة لله «في ظلال القرآن، ج۱، ص (۱۷۳» إذ فتح الله سبحانه في هذه الآية باب الدعاء على مصراعيه.
ولعل من بعض أسرار ورود هذه الآية في ثنايا آيات الصيام أن تكون منة في مقابل التكليف فمقابل العبادة الشاقة التي تحرم النفس من بعض حاجاتها ومطلوباتها: هناك عبادة يسيرة تفتح باب العطاء والكرم والإجابة، إنها لفتة عجيبة تحمل رحمة وتوددًا عظيمًا من الرحيم الودود سبحانه.
في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: ۱۸۷)، بيان لتدرج من نوع آخر في التشريع نحو الرحمة، والتيسير، والتخفيف، وهي رخصة من الله ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الأمر بالصوم فقد كان الصائم حين يفطر إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو إلى أن ينام ومتى نام أو صلى العشاء حرم عليه كل ذلك إلى الليلة القابلة، فوجد المؤمنون الأولون في ذلك مشقة كبيرة «تفسير ابن كثير، ج۱، ص ۲۰۹»
ثم نسخ الله ذلك الحكم بهذه الآية: «فردهم إلى اليسر، وتجربتهم حاضرة في نفوسهم ليحسوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة «في ظلال القرآن ج١، ص ١٧٤».
لقد كان هذا التدرج نحو التيسير والتخفيف مقابلًا للتدرج السابق نحو الإلزام والإيجاب، فلما أوجب الله صيام الشهر جعل مدة الفطر فيه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وفي التدرج رحمة بالمكلفين ورأفة بالمؤمنين.
١٥- في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ﴾ (البقرة: ۱۸۷)، يمتن الله على عباده برحمته لهم ورأفته بهم حيث تاب وعفا عنهم مع ما وقع منهم من مخالفة شرعية في عهد التشريع الأول، فقد وقع بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- في ذلك حين جامع بعضهم زوجته بعد نوم أو بعد العشاء «ابن كثير ج١».
وفي توبة الله وعفوه عنهم رحمة عظيمة، وهو أيضًا بيان لعلة التخفيف السابق، وهو رفع الحرج والإثم عن المؤمنين، مما يدل على مدى رحمة الله بعباده المؤمنين.
١٦- في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ﴾ (البقرة: ۱۸۷)، نجد أربعة أفعال أمر متصلة بضمير المخاطبين وهي باشروهن ابتغوا كلوا اشربوا، لكن هذه الأوامر لا تفيد أكثر من الإباحة، وليست أوامر ملزمة مثل الأمر بالصوم في نهار رمضان، ومع ذلك نجد هنا الألفاظ مباشرة صريحة موجهة للمخاطبين غير مرتبطة بشرط، وهي في نفس الوقت أوامر محببة إلى النفس يميل إليها الطبع، بينما لم نجد هذه الصيغة المبنية للمعلوم الموجهة للمخاطب غير المقيدة بشرط، لم نجدها في بيان فرضية الصيام، وفي الأمر بصيامه لمن شهده، ذلك أن من رحمة الله وتودده بعباده في القرآن الكريم أن يعدل عن الصيغة المباشرة في الأمر الشاق الثقيل على النفس، وأن يوجه إلى الأمر المحبوب المألوف بصيغة مباشرة ومطلقة.
هذه بعض دلائل الرحمة الربانية التي تبينت في آيات الصيام، بعضها رحمة في الأحكام والتشريعات، وبعضها رحمة في الأساليب والصيغ والقرآن العظيم كله رحمة، فهو منزل من الرحمن الرحيم البر الكريم.
المراجع
القرآن الكريم.
تفسير ابن كثير.
تفسير الجلالين
زبدة التفسير الأشقر.
التفسير الوجيز: الزحيلي.
في ظلال القرآن: سيد قطب.
من رحمة الله وتودده لعباده أن يخاطبهم بالأمر المباشر فيما يحبون، وغير المباشر لما يستثقلون
التيسير قاعدة شرعية جاءت في ثنايا الآيات لتؤكد أن العبادات يسر ورحمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل