العنوان المجتمع التربوي (العدد 1403)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1403
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 06-يونيو-2000
الانتقاديون المنفرون
الإشارة بأصابع الاتهام والتسلي بنقد الأنام والاقتصار على الملام من علامات اللئام.
وجدنا أناسًا من بني جلدتنا لا يقعون إلا على الجرح من الجسد المعافي فيغضون الطرف عن ألف حسنة وتشدهم سويئات رأوها أو سمعوا بها عن بعض الناس أو عن كل عمل فلا يسترعي ناظرهم إلا الجزء الفارغ من الكأس.
أتذكر في هذا المقام جزءًا من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ الذي يقول فيه: «.. لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيتُ منك خيرًا قط»، فهناك وجه مقارنة لأن هؤلاء مهما أحسن المحسن لم يلتفتوا إلى إحسانه بقدر ما نراهم منهمكين في تتبع عوراته وزلاته إن ذكر لهم أحد بخير يبادرون يجلبون عليه بكل ما يستطيعون بتلك الشنشنة المكرورة الممجوجة «إن فيه كذا وكذا وهو متساهل وعليه مآخذ قادحة ويخطأ كثيرًا».
يتمنى هؤلاء أن تسير الأمة في فلكهم وتقتدي بهداهم السقيم العقيم وهو منهج تتبع الزلات والتباري في تحين اللحظات للانقضاض على العلماء وعلى العاملين في حقل الدعوة بازدراء دون حياء، يدفعهم الشيطان دفعًا، قد يقول أحد العلماء في أقرانه كلامًا ربما متأثرًا بشيء أو لخطأ ما أو لأي غرض آخر وفي ذلك يقول الذهبي رحمه الله «وكلام الأقران في بعضهم لا يعول على كثير منه»، وقال أيضًا: «لا يلتفت إليه».
فهل يعني ذلك أن يتمنطق كل جاهل لتسليط قذائف القذف على علمائنا الأفاضل، فهؤلاء لم يسلم من ألسنتهم السلف حتى أئمة المذاهب كما لم ينج الخلف، ومنأراد أن يسلم فإما أن يتابعهم وإلا سوف يكون هدفًا لرشقاتهم بمنكر من القول وبهتان من التهم، ويظهر من تصرفهم أن الأصل عندهم سوء الظن بالناس مع أن الأصل في شرعتنا حسن الظن بالمسلمين، وفي الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم»، فبدل أن يكون هناك حفز للناس على التوبة يعينون عليهم الشيطان.. ماذا يقصد هؤلاء من وراء كل هذه الجلبة؟ إن من لوازم هذا النقد اللاذع للأمة من هؤلاء تزكيتهم لأنفسهم، وهل يسلم من يزكي نفسه من معصية القلب: الكبر غمط الناس»؟
نقول لأمثال هؤلاء: «ما أوتيتم من العلم إلا قليلًا أما بيوتكم فليست من زجاج أفلا ترموا بيوت الناس بالحجارة»، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار.
ونقول أيضًا:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
فلا أنتم عملتم للأمة شيئًا ولا أنتم سكتم عن المجتهدين، وكما قال أحد السلف رحمه الله: «تصيد أخطاء العلماء عزاء التافهين»، ونقول لهم أيضًا: سلم منكم أعداؤكم ولم تلتمسوا لإخوانكم الأعذار فلم يسلموا من سهامكم؟! فيالله للمسلمين.
لم أجد من هؤلاء من يتحدث عن أحوال المسلمين في العالم وما يجري لهم من ظلم، فهلا تركتم عباد الله وأشغلتم أنفسكم بأنفسكم، فالمسلمون يحتاجون إلى من يصلحهم لا إلى من ينفرهم عن صراط الله العلي الأعلى.
أبو حماد بن كمال العروسي
عندما نعيش لغيرنا
«عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض».
كلمات مضيئة سطرت عبر التاريخ، نقشت في القلوب، كانت حروفًا فأصبحت حقيقة يشهدها الأولون والآخرون.. سطرها صاحب الظلال سيد قطب رحمه الله.
كم يكون عمر الإنسان قصيرًا إذا كان يعيش لنفسه يتهافت للاستمتاع بطيبات الحياة وزينتها فقط، ناسيًا الرسالة النبيلة والهدف السامي الذي خُلق في الكون لأجله، والبون شاسع بين من عاش لنفسه ومن عاش ليحيا غيره، ألم يقل سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ﴾ (المائدة: ۳۲)؟
إن هناك نماذج حية شهدتها البشرية، وصورًا رائعة تجسدت عبر أجيال استطاعت أن تحيي أمة بعد موتها وتنقذ شعبًا كاد يغرق في دياجير الظلام والجهل.. لقد كان منهم رجال عاشوا قرآنًا يسير على الأرض، استعلوا على الشهوات التي تحول بينهم وبين الوصول إلى الأمان، سحروا الناس بإنجازاتهم قبل أن يسحروهم بلذة حديثهم وجمال منطقهم، ورفعوا راية الحق وشعارها الرباني، ونشروا دعوة عالمية اكتسبت صلابتها وقوتها من أصالة الإسلام، وسمو تعاليمه.
تلك نماذج صنعت تاريخًا، وحولت مجرى الطريق، صنعت فكرة مات صانعوها وبقي أثرها وامتد ليربي أجيالًا على حقيقة الإسلام، وعرضها بأروع صورة.. فلا يبلى ذكرهم، ولا يرقى النسيان إلى منازلهم، فهم كنوز كلما بحثت عنها -بعدما دفنت- بدت أكثر إشراقًا وأصالة، وازداد عبير ذكراها فامتلأ الكون بها ليوقظ أجيالًا صنعت على فكرهم، وامتلأ قلبها يقينًا بصدق دعوتهم ونبل هدفهم.
مها إبراهيم العطار- مكة المكرمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل