; المجتمع التربوي العدد 1433 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي العدد 1433

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1433

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 09-يناير-2001

وقفة تربوية 

لماذا تتقدم الظاهرة الإدارية؟

قال لي أحد أصحاب المكتبات الإسلامية المشهورة بإحدى دول الخليج: «إن أكثر مبيعاتي من الكتب هي الكتب الإدارية المترجمة»، فالكتاب الإداري المترجم لا يلبث أن ينفد من السوق بمجرد وضعه على أرفف المكتبات!

وعندما بدأ الأخ الفاضل د. طارق السويدان بث دوراته الإدارية في العالم العربي، لم تلبث كتبها وشرائطها حتى انتشرت في العالم بأسره، حتى إنني زرت إحدى المكتبات في بروكسل فإذا بي أشاهد إحدى مؤلفاته الإدارية في مقدمة المكتبة. 

ترى ما الأسباب وراء ذلك الانتشار الملحوظ لهذه النوعية من الكتب، بينما يقل الإقبال على الدروس والمحاضرات والخطب التقليدية، كما يقل الإقبال على قراءة بعض الكتب الإسلامية التقليدية؟ 

لا شك في أن وراء هذه الظاهرة بعض الأسباب التي من أبرزها – فيما أرى – ما يلي:

 1 – يجد القارئ فيها مشكلات وقضايا يعاينها يوميًا ويحتاج لها حلًا.

2 - طرح الكتب المترجمة يتناسب أكثر مع ثقافة ومستويات القراء في العصر الحديث. 

3 – يجد القارئ سلاسة وسهولة في الإلمام بالموضوع وفهم العبارات.

 4 - الناس جبلوا على الإقبال على الجديد. 

من هذا المنطلق ينبغي على العلماء والكتابة والمشايخ أن يطوروا طرق عرضهم للمعلومات، بما يتناسب وأفهام الجيل الحديث، وأن يستخدموا الطرق الحديثة في إيصال المعلومة، وأن ينتبه جمهور القراء للكتب المترجمة، والدورات المسموعة والمرئية التي قد تحمل ما يخالف عقيدتنا، وأخلاقنا، وقيمنا. 

أبو خلاد

  albelali@bashaer.org

 

حصاد رمضان..

ملامح خطة لشهور العام

كيف نحافظ على التغيير الذي تحقق ونداوم على طاعة الله؟

عبد الوارث سعيد

طوال شهر رمضان، عاش المسلمون - بدرجات متفاوتة - في جو مشبع بالطاعة والخير والقرب من الله، والتواصل الاجتماعي، والتغير نحو الأفضل، واستعادة الكثير من مقومات الشخصية المسلمة التي بهتت أو ضاعت خلال دوامة الحياة وضغوطها على امتداد الشهور التي سبقت منذ رمضان الماضي، وكذلك التخلص من عدد من الخلال السيئة التي أصابتنا من قبل. 

ومن الغبن الشديد للنفس أن تتبخر – في أيام – كل تلك الثمرات الطيبة التي تحققت خلال شهر رمضان ببرامجه الحافلة البناءة، أو أن نستسلم للانتكاس مرة أخرى إلى المستوى الهابط الذي انتشلنا منه رمضان إلى حد ما. 

من الواجب، والأمر كذلك، أن نقف بوضوح على حصاد رمضان، أيًا كانت الدرجة التي وصلنا إليها في تحصيل هذا الخير، وأن نشتق من دورة رمضان ومدرسته التربوية الفذة ملامح برنامج نستهدي بها خلال بقية شهور السنة حتى يأتينا رمضان المقبل – عساكم من عواده - ليجدد ويزيد لا أن ينشئ من جديد. 

أولًا: حصاد رمضان

  1. مع القرآن الكريم: 

    • استعادة الصلة بكتاب الله المجيد، بشكل مكثف أحيانًا، من خلال التلاوة الشخصية والاستماع إليه في الصلوات الجماعية والفردية: فروضًا أو نوافل – خاصة التراويح وقيام الليل - والنجاح في ختمه، ربما أكثر من مرة، خلال شهر الصوم. 

    • تحسين مستوى التلاوة من خلال الاستماع المكثف إلى تلاوات المجيدين من الأئمة أثناء الصلوات أو من المسجلات أو حضور بعض دروس في هذا العلم.

    •  زيادة الوعي بمضمون القرآن وقضاياه وهداياته من خلال الاستماع إلى دروس العلم العامة في المساجد أو عبر وسائل الإعلام، أو  إلى الخواطر الإيمانية أثناء التراويح، أو قراءة المقالات التي تكثر الصحف من نشرها خلال هذا الشهر، وكلها تركز على عرض الكثير من الزوايا والقضايا المستمدة من القرآن الكريم في المقام الأول. 

  2.  مع السنة النبوية: 

زيادة الوعي بالسنة النبوية ومكانتها في التشريع إلى جانب القرآن الكريم، إذ لا يكاد يخلو حديث أو خاطرة أو مقال عن أي موضوع إسلامي إلا وتكون السنة هي الرافد الأول النصوص القرآن في الاستشهاد وتقرير إسلامية الطرح وشرعيته. 

وللسنة في هذا المقام دور متميز من حيث إنها المصدر الثاني للتشريع والمشتمل على التفاصيل والإيضاحات في كل قضية، ولا شك في أن المسلم في تعرضه لنصوص السنة على النحو السابق، قد تكررت على سمعه أهم خصائص السنة من حيث التوثيق من نحو ذكر الرواة وكتب السنة ودرجات توثيق الأحاديث من حيث الصحة والقبول أو الضعف والرد.

  1. مع قضايا الإسلام الكبرى: 

لا ريب أن المسلم خلال رمضان قد عرضت عليه أهم القضايا الإسلامية التي يجب أن تكون حاضرة وواضحة في ذهنه بصفة دائمة وبانت له أهميتها وآثارها العظيمة في حياته وحياة الأمة وكذلك خطر التهاون في الالتزام بها، من نحو قضايا العقيدة وأركان الإسلام وأصول الأخلاق الإسلامية ومعالم التشريع الإسلامي التي تمس حق الله وحقوق العباد على المسلم ونتائج الأخذ بتلك التشريعات أو التهاون في ذلك كما ظهرت خلال أحقاب تاريخ الأمة الإسلامية الطويل «نحو 1434 عامًا من البعثة إلى اليوم». 

  1. مع أحوال الأمة: 

مما تعنى به كثيرًا محاضرات العلماء وأحاديثهم ومقالاتهم في رمضان التأمل في أحوال الأمة الإسلامية وقراءة تاريخها واستعداد العبر والدروس منه، الأمر الذي يوقظ في المسلمين الاعتزاز بأمجاد هذا التاريخ وإنجازات المسلمين الحضارية فيه عبر القرون، وكذلك يحرك في نفوسهم الأسى والحسرة على ما أصاب تلك الأمة من انحطاط وتفريط في مسؤوليتها الداخلية والخارجية مما حول وضعها من مكان الوحدة والقوة والريادة والقيادة – كما أراد لها الله (البقرة: 143 آل عمران 110) – إلى وضع التفرق والضعف ثم التأخر والتبعية، مما عاد على البشرية كلها بالخسران كما بين أبو الحسن الندوي - العالم والأديب والداعية المسلم الهندي – في كتابه القيم «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، ولا شك في أن دراسة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الكرام كانت على رأس ذلك البيان التاريخي بحكم أنها تمثل النموذج القدوة والأسوة. 

وفي رمضان هذا العام، كان لهموم الأمة وجراحاتها، التي لا تزال تنزف هنا وهناك، حظ وافر في شتى قنوات الإعلام وأدواته فضلًا عن الخطب والدروس في المساجد. وجاء في مقدمة تلك الهموم هم فلسطين وانتفاضتها الإسلامية المباركة التي استقطبت اهتمام نسبة عالية من المسلمين وغيرهم، وأظهرت مدى ما لدى الشعوب من إمكانات التأثير على مجريات الأحداث محليًا وعالميًا. 

  1. مع النفس والمجتمع: تغيير إلى الأفضل: 

كل هذا كان يصب في اتجاه التأثير على الجانبين الشخصي والاجتماعي للمسلمين، فتحسنت في رمضان – تحسنًا ملحوظًا – أحوال الكثيرين على مستوى الالتزام الشخصي عباديًا وخلقيًا وعلى مستوى التواصل الاجتماعي عبر لقاءات المساجد في الصلوات والنشاطات الأخرى، وعبر تبادل الزيارات ودعوات الإفطار الجماعي في البيوت أو في المساجد وتبادل التهاني والدعوة بالخير والبركة، فضلًا عن تحري الإكثار من أفعال الخير في الشهر الفضيل كإخراج زكاة المال وزكاة الفطر والتبرعات لذوي الحاجة ولدعم إخوانهم في الجهات المنكوبة من العالم الإسلامي كفلسطين والشيشان وغيرهما. 

ثانيًا: برنامج العام

في ضوء ثمار رمضان السابقة، على كل مسلم إنقاذًا لنفسه وأداء لواجباته نحو ربه وأهله ومجتمعه وأمته، أن يعكف على مراجعة حاله ومحاسبة نفسه - بصدق وتجرد - ليتبين ما الذي استفاده وما الذي فاته، وليتمكن من إعداد خطة مناسبة لظروفه، «وقتًا ومالًا وجهدًا، من ناحية، ونقصًا وحاجة إلى التزود والتزكي من ناحية أخرى» كي يسير عليها بقية شهور السنة مستهديًا بمقاصد رمضان وثماره، وهي مقاصد الإسلام وثماره ولا ريب؛ خطة واضحة المعالم محددة الأهداف والأعباء والوسائل، وكفى ما فات من العمر سيرًا على غير هدى أو بصيرة ويمكن تقديم نموذج تقريبي لخطة قابلة للتعديل والتكييف حسب مختلف الحالات مع استبقاء مقاصدها ومقوماتها الأساسية: 

أولًا: أهداف الخطة: 

  1. استدامة الصلة الواعية بالله تعالى وتنميتها، وذلك عن طريق: 

    • المحافظة على الصلوات المفروضة: أوقاتًا وأركانًا وروحًا، وعلى السنن الرواتب والنوافل المستحبة، ومنها قيام الليل. 

    • المحافظة على أوراد الخير بدءًا بالورد القرآني ثم أدعية «أذكار» اليوم والليلة. 

    • التحلي بـ «الإحسان»، في كل شأن؛ أي «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبادة في الإسلام تشمل كل فكرة أو قول أو فعل، سواء تعلق بالخالق سبحانه، أو بالمخلوقات.

  2. القيام بحق فريضة «طلب العلم». أيًا كانت المرحلة العمرية التي أنت فيها. فالمسلم الحق طالب علم من المهد إلى اللحد. ويكون ذلك عن طريق:

  3. استشعار أهمية العلم والتعلم وفضلهما، خاصة علوم الشريعة التي تصحح العقيدة وتضبط السلوك وتوقف المسلم على الكيفية الشرعية لأداء أي عمل هذا – مع النية الخالصة لله – وهما شرطان ضروريان لقبول العمل عند الله واستحقاق صاحبه الأجر. 

  4. جعل القراءة والدرس جزءًا أساسيًا ودائمًا من برنامج حياتك، كالطعام والشراب وقضاء مطالب الجسد، بل أهم من ذلك، إذ تلك مطالب الجسد المادي، أما العلم فمطلب العقل الذي ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات كما أن العلم هو أساس صلاح العبادة التي هي غذاء الروح، وهي أشرف مكونات الإنسان ونفحة من روح الله. 

    • تفسير القرآن الكريم، مثلًا: «صفوة التفاسير» الصابوني، 3 مج. 

ج– تكوين مكتبة إسلامية متكاملة – ولو في أضيق الحدود – تشبع حاجتك وحاجة أهلك وأولادك من فروع العلم الشرعي واللغوي والأدبي والكوني ويكفي – كبداية أو نواة – اقتناء كتاب واف في كل واحد من الفروع التالية: 

«تفسير القرآن الكريم وتلاوته، السنة النبوية، العقيدة الإسلامية، السيرة النبوية، التاريخ الإسلامي، الفقه الإسلامي وأصوله وفروعه، الأخلاق الإسلامية، التزكية اللغة العربية، الأدب العربي، العلوم الإنسانية «كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية وعلم النفس والإدارة.... ».

 د. الحرص على حضور المحاضرات والدروس الإسلامية والثقافية، أو الاستماع إليها من الأشرطة. 

هـ - الحرص على متابعة أخبار الأمة الإسلامية وقضاياها، وأخبار العالم عبر الوسائل المختلفة: الصحف، المحلات الإسلامية «كالوعي الإسلامي، المجتمع العالمية،... إلخ». القنوات الفضائية، المواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت «أفضلها: Islam – online.net» 

نماذج من الكتب في الموضوعات المشار إليها: 

  • أحكام تلاوته: أي كتاب في علم التجويد - أشرطة أحكام التجويد، الشيخ ررق خليل حبة. 

  • نصوص من السنة النبوية، مثلًا: «نزهة المتقين شرح رياض الصالحين» النووي «2 مج» 

  • العقيدة الإسلامية، مثلًا: تعريف عام بدين الإسلام، علي الطنطاوي.

  • السيرة النبوية، مثلًا: 

  • «السيرة النبوية دروس وعبره»، د. مصطفى السباعي.

  • و«الرحيق المختوم» صفي الرحمن المباركفوري. 

  • التاريخ الإسلامي، مثلًا: «نهر التاريخ»، د. إبراهيم أحمد العدوي. 

  • الفقه الإسلامي وأصوله وفروعه، مثلًا:  

  • فقه السنة. السيد سابق، 3 مج. 

  • فقه الأولويات. د. يوسف القرضاوي. 

  • تيسير أصول الفقه، الشيخ بدر المتولي عبد الباسط. 

  • الاخلاق الإسلامية، مثلًا: خلق المسلم الشيخ محمد الغزالي. 

  • التزكية، مثلًا: «منهج الإسلام في تركية النفس. د. أنس أحمد كرزون. دار نور المكتبات. جدة. السعودية». 

  •  اللغة العربية، مثلًا: 

  • النحو الأساسي، د. أحمد مختار وآخرون. 

  • الأدب العربي «شعرًا ونثرًا»، مثلًا: 

  • شعراء الدعوة الإسلامية، أحمد الجدع وآخر. 

  • قصص الدكتور نجيب الكيلاني. 

  • مجلة الأدب الإسلامي العالمية. 

  • العلوم الإنسانية «كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية وعلم النفس والإدارة...» مثلًا:

  • نظام الحياة في الإسلام أبو الأعلى المودودي. 

  • القرآن وعلم النفس. ومحمد عثمان نجاتي.

  •  فن تربية الأولاد محمد سعد مرسي. 

ولا شك في أن التعود على زيارة بعض في الإسلام مكتبات بيع الكتب الإسلامية سيمكن طالب العلم من الوقوف على المتاح من الكتب ويعينه – مع الاستشارة – على اختيار الأفضل والأنسب. ويمكن– بوجه عام الاستعانة أيضًا بما يلي:

1- المكتبات العامة المفتوحة للجمهور اطلاعًا واستعارة.

2- مؤلفات العلماء المعروفين بالعلم والاعتدال والإخلاص، «مثل الأساتذة الأفاضل: محمد متولي الشعراوي، محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، محمد عمارة أبو الأعلى المودودي، أبو الحسن الندوي، فتحي يكن، محمد عبد الله دراز،...»، وكذلك بعض السلاسل الإسلامية الجيدة مثل سلسلة «كتاب الأمة» «كل شهرين»، تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر «77 كتابًا حتى الآن».

 

وماذا بعد رمضان؟

هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه الآن. 

فخلال رمضان: كان المسلم يعيش بين صيام، وقيام، وتلاوة قرآن، وربما اعتكاف، وخلوة، واعتمار لله تعالى، فالنهار في الصيام.. والليل في القيام.. والنهار والليل معًا في الذكر والدعاء والعبادة، ودرجات ترتقي بالمرء لأعلى ذرا الإيمان... جهادًا للنفس، ولجمًا لها عن الوقوع في المنكر، ودفعًا لها إلى الاستمساك بالطاعة، والثبات على الهداية، والمسارعة إلى الخير. 

فإذا انتهى رمضان، بحكم أن لكل شيء في هذه الدنيا نهاية، كان المسلم أحد ثلاثة أقسام: فهو إما أن يعود إلى سابق عهده  – قبل رمضان – من الغفوة، والغفلة عن ذكر الله، والنوم عن الصلوات المكتوبات وعدم الصوم إلا ست شوال على مشقة، مع الحرص بالكاد على إدراك بعض – وليس كل – الصلوات في جماعة.. وهذا حال الكثيرين.. وهؤلاء في شقاء لأنهم إن لم يتغيروا برمضان، فلن يتغيروا بغيره من وسائل الطاعة إلا أن يشاء الله.

 وهناك قسم ثانٍ من الناس تعامل مع رمضان على أنه غاية وليس وسيلة للتقوى والعبادة.. فإذا انتهى توقف جهاده مع نفسه، وتصور أنه صار حلالًا له كل معصية إلى رمضان من العام المقبل! فعاد إلى سوء خلقه، وفاسد عمله.. وتعامل مع إخوانه من المسلمين تعامل اللئيم.. لا تعامل الطيب الكريم.. فهذا أشد شقاء من سابقه، ويكاد لا يتقبل الله عمله.. كيف لا وهو تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27)؟!

أما القسم الثالث من الناس فهو الذي عقد النية على الانتفاع بفوائد رمضان، واستمرار الاكتساء بحلته النورانية الجميلة.. فاستمر على حاله من تقوى الله ومخافته واستعان بوسائل ذلك من صلاة وصيام وقراءة قرآن ودعاء وقيام... إلخ، فانصلح حاله، وبورك في حياته واستضاء كل من حوله بنوره ... وهذا الصنف من الناس نرجو الله أن يكون من المقبولين ومن الفائزين بعطايا الله في رمضان، وفي غيره من سائر شهور العام. ف

ماذا عليك – أخي الكريم – لو صارت حياتك كلها رمضان، وكنت من الصنف الثالث... ولم تكن من الصنفين الأولين، وما عداهما من الأصناف المقبوحة والمرذولة؟! . 

مسلم ناصح

لن ينال المفاخر من جاء في الآخر!

هل انقضت تلك الأيام الروائع؟! 

هل انجلت تلك المزن الموسومة بالخيرات؟! هل مضت العبادة والقيام والصيام التي خالجتها أحاسيس السعادة التي فاضت من ينابيع الإيمان.. التي فاضت من ربا الأتقياء، وجنان العباد؟! ألن تدوم تلك المشاعر التي يبقى صاحبها طائرًا محلقًا بإيمانه وراحة باله ونفسه، وسكون روحه؟! 

تساؤلات تزاحمت وتكاثرت.. لكن الحقيقة تتجلى لأولي الألباب أن هذه هي نهاية البداية.. هي نهاية مرحلة التجنيد الإيماني والروحاني التي توافرت فيها المهيئات من تكبيل الشياطين، ونزول الرحمات وفتح أبواب الجنان، وتغليق أبواب النيران.. فترة كانت مكثفة بالأعمال العبادية، وكسر حاجز الشهوات.. فترة من اجتهد فيها وثابر وحاول تحصيل أفضل التدريبات وأعلى الدرجات سيحصد أجود الثمار وأفضل النتائج.. إنها مرحلة قد مضت، ويبدأ الآن المشوار الحقيقي.. فمن حصل في رمضان زادًا وفيرًا، وإيمانًا عاليًا.. سيكون ذلك معينًا له في مستقبل أيامه على طاعة ربه.

وتبدأ الآن المرحلة الثانية وتظهر النتائج الحقيقية.. فانظر في حالك، وقلب نفسك.. هل بخلع ثياب رمضان وزوال أيامه انخلعت معها العبادات والروحانيات التي كانت فيها؟! هل قمت تصلي في ليلة العيد بقدر ما كنت تقومه في ليالي رمضان؟! هل داومت على تلاوة كتاب الله عز وجل في كل يوم بجدية وتدبر وإمعان وتفكر، واجتهاد وتبحر؟ هل جاهدت نفسك على الابتعاد عن الشبهات ومواطن الرذيلة؟ هل كنت مقدامًا في حسن الخلق لأنه جامع الخصال الحميدة؟!

 عندما تجيب عن هذه الأسئلة ستتضح لك الرؤية الحقيقية وستعلم حينها حقيقة نفسك؟! وستعلم حقيقة العبرات التي ذرفت وسألت: هل كانت دموع عاطفة أم إقلاع فندم ثم عزم على التعديل؟! ستعلم حينها حقيقة نارك المتأججة على ذنوبك.. حقيقة حرقتك على ما حصل وما جرى. فإذا هممت فبادر.. وإذا عزمت فثابر.. واعلم أنه «لن ينال المفاخر من جاء في الصف الآخر».

قطوف دعوية من حقل التجارب الإسلامية

في غيبة العقلاء يرتع الجهلاء!

بقلم:

د. فتحي يكن

  • الساحة الإسلامية مستباحة وليس لها من حارس!

في كل يوم تتكرر المأساة عينها على امتداد الساحة الإسلامية، ويدفع الإسلاميون جميعًا وبدون تمييز بين ظالم ومظلوم عاقل وجاهل، ثمنًا باهظًا من الأموال والأنفس والثمرات. 

إنها الفتنة التي حذر منها الخطاب الرباني القائل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: 25). 

 هذه الفتنة العمياء تتجلى هذه الأيام في ظاهرة العنف والتطرف، التي لم تترك بلدًا إلا طبعت فيه بصماتها السوداء، وأساءت فيه إساءات بالغة إلى الإسلام، وإلى ساحة العمل الإسلامي، وكان المراد من كل هذه الحلقات وقف مسيرة الإسلام المستنيرة المظفرة الحضارية التي أخذت تطل على العالم كله مؤكدة أن المستقبل لهذا الدين. 

تعددت هذه الظواهر من خلال أسماء ومسميات كثيرة في: مصر، والجزائر، واليمن، وأفغانستان، والشيشان، ولبنان... إلخ. 

ترى.. لماذا ذلك كله؟ 

  • قد يقول قائل: إنه الجهل بمقتضيات وأصول التعامل الإسلامي مع هذا العصر، جهل بالإسلام.. جهل بالسياسة.. جهل بموازين القوى.. جهل بالسنن الإلهية.. جهل يفقه الحياة.. فقه الواقع.. فقه التغيير.. فقه التمكين.. فقه الأولويات.

  • وقد يقول آخر: إنه اختراق القوى المضادة للساحة الإسلامية.. اختراق الاجهزة المخابراتية.. اختراق القوى المالية.. اختراق الأفكار الغربية.. اختراق مواقع النفوذ والسلطة، وعبثها ببعض الشرائح المحسوبة على الإسلام وقد يكون هذا وذاك وغيره صحيحًا، إنما الصحيح كذلك – بل الأصح – أن كل ذلك ما كان يمكن أن يتسبب بهذه الكوارث والمآسي التي تتكرر على ساحة العمل الإسلامي، لو لم تصبح هذه الساحة مستباحة ومن غير مرجعية قوية وحاضرة ونافذة تضع الأمور في نصابها، تقول للمخطئ أخطأت وتلزمه حده، مرجعية لها القول الفصل فيما يمارس باسم الإسلام من عبثية وهزل.

مرجعية قادرة على أن تحجر على مختلي العقول ووقف تصرفاتهم الشاذة باسم الإسلام، وتجريدهم من كل نفوذ معنوي، وتعريتهم أمام المسلمين والناس أجمعين. 

إن غياب المرجعية الإسلامية «الأم» عن القيام بهذا الدور من شأنه أن يغري الكثيرين باللعب بالنار لتحرق بحممها الجميع وبدون استثناء!

لا بد من الأخذ على يد المسيء والمختل والمتنطع والمتهور، وسوقه إلى الحق سوقًا، وأطره عليه أطرًا، مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم القرآن فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78)، فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 81)، قال: وكان نبي الله  صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس فقال: «لا حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرًا» (رواه الترمذي). 

وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» (رواه البخاري).

مزيد من تنقيح السيرة

عندما نفحص كتب السيرة ونستعرض وقائع الغزوات وأحداث السرايا التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، لا نجد – خصوصًا – في كتب السير القديمة – تقديمًا تصويريًا للمعركة، بل نجد سردًا لأحداث ووقائع متفرقة لا تحصل من نتاجها إلا على لمحات جزئية فقط عن أحداث ضخمة، كان لها تأثير كبير في سير الدعوة الإسلامية. 

أريد هنا أن أجذب النظر إلى جانب يمكن تداركه إذا اهتمت جامعاتنا ومؤسساتنا الإسلامية بتحقيقه ولنضرب مثلًا لذلك بغزوة أحد، تقرأ في كتب السير والتاريخ - قديمها وحديثها – أن سير المعركة تحول لغير مصلحة المسلمين بعد أن خالف أكثر الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا أماكنهم واشتركوا مع الآخرين في الغنائم مما ممكن خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل من القيام بحركة التفاف نجحوا فيها في تصفية بقية الرماة الذين امتثلوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا شن المشركون هجومًا على المسلمين من الوراء، وأدى ذلك إلى تحويل دفة المعركة. 

تحدثنا كتب السيرة كذلك عن الفوضى التي أصابت صفوف المسلمين حتى فكر بعضهم في العودة إلى المدينة كي يتوسط المشركون من قومه بينه وبين قريش فيما وضع بعضهم سلاحه وولى بعضهم الآخر الأدبار صاعدًا الجبل. 

نقرأ كذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت ومعه قلة قليلة من أصحابه، وأن أعظم هؤلاء ممن التقوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمايته صلى الله عليه وسلم  وقت الشدة، كان طلحة بن عبيد الله، بيد أن المرء يقرأ ما ورد في سيرة ابن هشام وغيرها من السير وكتب الأحاديث الصحيحة عن غزوة أحد مرات عدة دون أن يدرك أو تتضح في ذهنه هذه الحقيقة وهي أن المشركين ركزوا قواهم في هجوم مكثف له هدف محدد وهو قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

لعل السبب الرئيس في ذلك أن مؤرخينا ومترجمي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماضي كانوا يقتصرون في دراستهم وعملهم على تسجيل الروايات بعد ضبطها والتحقق منها فحسب، وعملهم هذا له فضله الكبير، وجهدهم فيه مشكور إلا أن التماس القدوة الصحيحة بما فعله الرسول الكريم وصحابته الأبرار يتطلب أكثر من ذلك، فهو يحتاج إلى الربط بين الروايات لاستخلاص الصورة الشاملة لما جرى في أحد التي لها مكانة خاصة بين غزوات الرسول، استدعت تسجيل أحداثها والعبر فيها، في شطر كبير من سورة «آل عمران».

لقد بذلت في الآونة الأخيرة بعض الجهود لاستكمال هذا النقص، بيد أن هذه الجهود تظل دون استيفاء الغاية التي تحتاج عناية خاصة لا يقوى عليها الأفراد ما لم تتوافر على رعايتها الجامعات والمؤسسات والأكاديميات الإسلامية العلمية المتخصصة. 

محمد سلمان خان الندوي

الرابط المختصر :