العنوان المجتمع التربوي (العدد 1506)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002
مشاهدات 55
نشر في العدد 1506
نشر في الصفحة 54
السبت 22-يونيو-2002
وقفة تربوية
نظرة في كتب الإدارة
خلال اطلاعي على الكثير من كتب الإدارة الإنجليزية أو المترجمة، تبين لي ما يلي:
أولًا: غالب ما يُذكر في هذه الكتب له أصل في الإسلام، أو هدي النبي ﷺ، مما زاد من اعتزازي بهذا الدين، وزاد من حرصي على تنفيذ كل أمر من تعاليمه.
ثانيًا: جعلني أكثر قربًا من قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣)، فمؤلفو هذه الكتب في الغرب هم فئة من العقلاء، كتبوها بعد تجربة أو تجارب خاضوها في الحياة، فوجدوا أن الإنسان لا يمكن أن ينجح إلا بهذا السلوك الإداري.
قد تكون أهدافهم هي الحصول على المزيد من المكاسب المادية في الدنيا، ولكن هذا لا يتنافى مع ما دعا إليه الإسلام.
ثالثًا: ولأن هذه الكتب الإدارية كتب غالبها بأيدي نصارى أو يهود أو علمانيين لا دينيين، فإن فيها بعض الانحرافات الاعتقادية والسلوكية المخالفة لعقيدتنا وسلوكنا وقيمنا الإسلامية، لذلك وجب الحذر في أثناء قراءتها، وعدم التسليم بكل ما فيها، ولهذا السبب فإن من الخطورة بمكان أن يترجم كل ما فيها، خاصة إذا قام بالترجمة أو إعطاء الدورة من ليس لديه خلفية شرعية.
ومن الخطورة أن نجلب بعض هؤلاء إلى بلادنا ليقولوا كل ما في جعبتهم لجميع المستويات، وقد يكون ممن يستمع إليهم من لا يمتلك تلك الخلفية الشرعية المطلوبة فيبهره كل ما يسمع حتى وإن كان فيه بعض المخالفات.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
رحيل ركن العلم.. أبي تراب الظاهري
أثر ضخم في ضمير الأمة ونبع لا ينضب من العلوم
وقع مني الخبر موقع الصاعقة، ولئن لم يكن للمسلم إلا التسليم بقضاء الله وقدره، إلا أن النفس البشرية تضعف عند بعض الأمور، فيصيبها نوع من عدم التوازن عندما تفاجأ على غرة، أو توضع في موقع لم تحسب له حسابًا.
ليس في وصف أبي تراب الظاهري -برد الله ضجيعه- بأنه أمة وحده شيء من استرسال القلم بدواعي الشجن لحادثة الموت، وفوت الأماني بطلب البقاء، فإن سيرة هذا الرجل تنطق بأنه واحد في هذا العصر، فلا يشبهه أحد من علماء زمانه، وما ظنك بعالم قرأ كتب العربية في فنونها كلها، لا أستثني فنًا ولا علمًا؟
ولد أبو تراب في عام ١٣٤٣م، وتوفي في ٢١ صفر ١٤٣٣هـ، فهذه ثمانون عامًا، قضى منها سبعة عقود في القراءة والنظر والكتابة، وفي قضاء الليالي ذوات العدد منحنيًا على الكتب الصفراء «التي هي بحق صانعة الرجال».
كان شيخنا عبد الجليل بن عبد الحق الهاشمي بالعلم لصيقًا، والعربية حفيًا، وللتراث عاشقًا، ومحبًا.
ما تقول في رجل نشأ في كنف أمه وأبيه، وجده لأمه وجدته لأمه وجده لأبيه، وكانوا أهل صلاح وتقوى، صوامين قوامين، ثلاثين للقرآن، تعلم من جده لأبيه الفارسية والخط، وعلمه والده المحدث عبد الحق الهاشمي الصرف والنحو والمعاني والبيان، والشعر وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، وسمع منه سنن الدارقطني، وقرأ عليه الأم والرسالة للشافعي، وتفسير ابن كثير والطبري، وقرأ عليه أيضًا بعض كتب العقائد والفقه.
وتروح أيام وتجيء أيام... وأبو تراب يتقلب بين العديد من الأعمال والوظائف ومع هذا يظل بالكتاب لصيقًا، لا يدير وجهه عنه.
لقد ألقى شيخنا الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، ولم يبال بإقبالها وإدبارها، وفرغ للعلم والمعرفة... وقد أعانه على أمره عقل فذ، ونفس متوثبة، وأشياء كثيرة مركوزة في الطبع، مذخورة في أصل الخلقة مما يصطفي الله بها خلقه من الأنبياء وأصحاب الرسالات وصناع الحضارات.
يكفي أن تلقي نظرة عابرة على أحد كتب ومؤلفات أبي تراب «التي تبلغ الخمسين» حتى تستشعر مدى خسارتنا الفادحة في رحيل هذا المغوار.
حاول أن تتصفح كتاب «كبوات اليراع»- الذي من اسمه يدل على محتواه- لتوقن مقدار الجهد المبذول، والعناء المصروف ليعيدنا شيخنا إلى عهد أبي العلاء وأبي عبيد، والجاحظ، والخليل ومدرسة الكوفة والبصرة...
لقد تعلق شيخنا منذ صغره بمدرسة الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، وكرع من تراثه حتى الثمالة، واستفاد من قوة حجته، بل وعمل بنصيحته عندما قال في رسالته «مراتب العلوم» ص ۸۳: «وإن لم تمكن المرء الإحاطة بجميعها «يقصد المعارف بأنواعها» فليضرب بجميعها بسهم ما وإن قل».
قلت: والذي نفسي بيده لقد جاوز شيخنا القنطرة في جميع العلوم، فهو بحق نسيج وحده... وفي العلم بحر لا تكدره الدلاء.
أقوال العلماء والأدباء في أبي تراب
لأبي تراب- يرحمه الله- حشد من المعجبين والمحبين، فهذا صديقه الشيخ عبدالله خياط -يرحمه الله- يقول عنه في تقريظه لكتاب «شواهد القرآن»: «كم في الزمان من نوادر، ولست أعني نوادر الأشياء، أو نوادر الحوادث، أو نوادر التحف، أو غير ذلك مما يطلق عليه نادر، ولكني أعني النادر من الرجال في زمن قل فيه النوادر الأفذاذ الذين يرسمون الطريق فيدلج الساري على ما يرسمون... النادر الذي أعنيه، والفقيه الذي يدور حديثي عنه، والأديب الذي برع في أدبه من طراز آخر غير ما عهده الناس واصطحبوه من أدب مصري، هو الأستاذ أبو تراب الظاهري عفا الله عنه».
وينتهج المربي الكبير الشيخ عثمان الصالح طرائق قددًا، ليعبر عن مدى حبه لأبي تراب فلا يجد إلا أن يقول: «أيها الأديب الحبر، ويا أيها الحاذق الواعي في الشعر والنثر، أيها العميق في أدبنا، والعالم بلغتنا، والمنافح عنه بقلبه ولسانه، وفكره، وجنانه، وفي ذلك أقول:
يصوغ «أبو تراب» جم تبر *** به ازدانت مليحات الغواني
سهرت على صياغة كل لفظ *** «شواهده» صحيحات المباني
ويسطر الأديب الكبير الشاعر الظريف محمد مصطفى حمام- يرحمه الله- كليمات عميقة الدلالة على ما يحمله أبو تراب من ينابيع تزخر بالعلم... فيقول عنه:
«أخونا الأستاذ أبو تراب الظاهري له قدره عند الجميع عالمًا وكاتبًا وشاعرًا، وباحثًا لغويًا... وأبو تراب المحقق المدقق الذي يتعقب أوهام الكبار، والذي يقف من غلطات الكتاب موقف الشرطة من المخالفين للقوانين».
وفي «تباريح التباريح» لشيخنا العلامة أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وصف بديع للقائه الأول مع شيخه أبي تراب فيقول: «ولما عدمت المشارك «أي في علم ابن حزم» رحلت إلى الشيخ أبي تراب الظاهري في الحجاز، وكان صيته قد ملأ الآفاق، وكان قد قرظني بكلمة إعجاب... وبعد طول التساؤل عمدت إلى شقة أبي تراب في عمارة باعشن، فصادفت الظاهري يتوكأ على العكاز في السلالم مهدفًا إهداف النواعير!» إلا أن زيه زي عصري.
وكان لباسه من أخمصه إلى قدمه لباسًا أنيقًا، وكنت أحسبه من المعممين.
والتقينا ونسيت صورة اللقاء لشدة فرح الجانبين بلقاء الطرف الآخر، إلا أنه كان يتوقع أنني على سن أعلى من السن التي رآني عليها.
وكان صاحب مزاج لا يتفجر علمه في المجالس إلا في صفاء أريحي يخضع لحريته الإرادية، وكان لا يستحضر مذخور قراءاته الكثيرة إلا بالمناسبات».
وبعد: فالكلام عن شيخنا أبي تراب الظاهري لن ينتهي بنهاية هذه الكلمة، وسيظل هذا الرجل أثرًا ضخمًا في ضمير هذه الأمة: حراسة للعربية وذودًا عنها، ويصرًا بها، وإضاءة لها.
أبو تراب راشد بن عدوان الحزمي
دفاع عن الدعاة
د. أمير الحفناوي
عندما أرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى أهل المدينة لم يرسله لأنه أعلم أصحابه ﷺ بالحلال والحرام، أو أقراهم لكتاب الله أو أفضلهم وإنما الثابت لنا أن سيدنا مصعب كان أنسبهم بمعنى أنه عُرف في قومه بنسبه وحسبة ورقة أسلوبه ولين أخلاقه وحسن مجادلته حتى أسلم على يده أعتى أهل المدينة، وأتاه ساداتهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير عن قناعة ورضًا.
أقدم هذا المثل بين يدي دفاعي عن الدعاة المبتلين، فكاتب ينعتهم بأنهم «دعاة مودرن» و«أولاد ذوات»، وتارة ينعتهم بعض من يسمون أنفسهم بحراس العقيدة بالجهل وقلة العلم...
وأقول لهؤلاء وأولئك: اهدؤوا بالًا- فهؤلاء قد خرجوا يبغون وجه الله، ولن تردوهم- إن بجهل أو بعلم- عن دربهم.
لقاءات دعوة
لقد صدمني بعض التعليقات عن حسابات الأولويات والمنكر الذي يجلب أكبر منه من اللقاءات التي تحضرها النساء من غير المحجبات فأقول شيئين:
1- هذه ليست لقاءات علم وإنما هي دعوة وأعتقد أن الفارق كبير بينهما كما أن المحاضر لا يُشترط فيه أن يكون رجل علم معممًا، وعلى أي حال فكثير من علمائنا الآن ليسوا معممين كما السنة.
إن هداية الأرواح إلى طاعة الله درجة من درجات العودة إليه.. وهي أول الطريق ولا يطلب الرب من عبده فيها غير تصحيح النية وإظهار الاستقامة، وعلى هذا فلو مات عبد فيها فهو بإذن الله مغفور له.. على قلة عمله...
إذن فهو ملتقى دعوي كذلك الذي كان يفعله الأنبياء والدعاة والمصلحون في كل عصر مع عموم البشر، ولا يشترط أن يكونوا كلهم حافظين لكتاب الله أو عندهم علم شرعي.
2- إذا رأت الأخوات المسلمات أن دورهن هو عدم حضور مثل هذه اللقاءات التي تحضرها السافرات، وعللن ذلك بسبب المنكر المترتب عليه، فأقول إن الخلل فيهن وليس في الملتقى.. فهن إذن لسن صاحبات دعوة وإنما عليهن أن يبحثن عن حلق العلم في مظانها أو يكتفين بالجلوس في المنازل وجلب الأشرطة وهي كثيرة، أما حث الأخوات على ترك المجالس الدعوية أو التشكيك في القائمين عليها أو تنفير الناس من الصورة العامة لها.. فلتراجع الأخت عندئذ نفسها، وتستفت قلبها: هل هذا جائز أم لا؟
الحب في الله
أعرض أيضًا في غير توسع لقضية الحب لله والحب في الله وهل هو أصل للعبادة فأقول: «هناك من يعبد الله حبًا، هناك من يعبده خوفًا، وهناك من يجمع بين الاثنين، وهو الأقرب للشرع من خلال أحاديث رحمة الله بعبادة وقول الله تعالى في الحديث القدسي: «من أتاني يمشي أتيته هرولة».
أليس في ذلك دليل على الرحمة وهي أصل إعالة الله لعبادة وهي من الحب.. ألم يقل رسول الله في الحديث الذي رواه أبو هريرة عنه عن رب العزة: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.. فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» «رواه البخاري».
نعم، قد يجتمع في قلب ابن آدم الخوف من ربه والإحساس بعظيم فضله ونعمته إلا أن الرجاء والأمل والحب لربه يبقى هو أساس العبادة، ولله المثل الأعلى، كحال الطفل مع أمه يخشاها ويخشى عقوبتها ويكبرها إلا أن الحب يبقى هو المحرك في الطاعة.
أما الحديث عن طاعة الخوف وأنها أساس الخوف من الله فأكتفي بما صنفها به الإمام الغزالي من أنها عبادة العبد.. الذي يطيع خوفًا من العقاب، والأصل أن يجمع الإنسان الأمرين أبدًا: خوفًا ورجاء.. أما أن نجرم داعية لذلك القول فهو تصيد مكشوف للأخطاء لا ينبغي لمن خلصت توجهاتهم لإصلاح أمة- فيها علمانيون وشيوعيون ومن لم يسجد لله ركعة أو يفتح لله كتابًا- أن يشنوا الحرب على كل من رفع الله راية.
إن معالجة الأخطاء أصبحت سهلة على المخلصين فلم تعد الحدود والقفار تفصل بين الناس كما كان يحدث في خلافات الدعاة فيما سبق، فهناك وسائل سمعية وبريد ننصح بها كل مصلح ونوجهه لما نراه صوابًا، ونوفر له المراجع من باب الدال على الخير كفاعله.. فنأخذ الأجر كما لو كنا نحن الدعاة أنفسهم، ولا نفتر من عزمهم فنبوء بإثم أعظم.. ونصد عن سبيل الله ونكون عونًا لشياطين الإنس والجن على من شهد لهم بالصدق والأمانة.
لماذا لا ننصح دون أن نجرح؟ ولماذا ادعاء العلم على الدعاة وهم لم يدعوا العلم أصلا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل