العنوان المجتمع التربوي (العدد 1548)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1548
نشر في الصفحة 54
السبت 26-أبريل-2003
عمر بن عبد العزيز .. قصة نجاح في مكافحة العنف
مهيوب خضر محمود
ظاهرة العنف وزعزعة أمن المجتمع وإثارة القلق والخوف والبلابل فيه ظاهرة عرفها التاريخ على مر عصوره المختلفة، وبقي الأمر منوطًا بأهل المسؤولية وأصحاب القرار في كيفية معالجة أسباب هذه الظاهرة وعلاج جذورها.
عمر بن عبد العزيز، هذا الرجل الذي استحق لقب الخليفة الخامس، والذي ملأ الدنيا عدلًا، كان له سياسته الخاصة وأسلوبه الحكيم في إصلاح المجتمع وتفكيك جذور العنف واحدًا تلو الآخر، رغم قصر فترة خلافته التي استمرت قرابة السنتين وخمسة شهور.
لقد رأى عمر بن عبد العزيز في استبعاد منطق القوة والقهر والاستبداد مقابل استخدام لغة الحوار والإقناع، ورفع الغطاء عن البخار المحبوس قبل أن يتحول إلى قذائف يمطر بها المجتمع هنا وهناك، رأى في ذلك الدرب الأمثل في استيعاب الخارجين عن القانون والمروعين للناس، بل جعل من العدل مفتاح الحل الوحيد لوقف شلال الدم وترويع الآمنين.
تجربته - رضي الله عنه - مع إرهاب الخوارج الذين عاثوا في الأرض فسادًا منذ مقتل سيدنا علي - رضي الله عنه - على أيديهم في عصره تجربة فريدة أسفرت عن ذكاء خارق ومعرفة دقيقة بطبيعة النفس البشرية، وأدت إلى أن يضع الخوارج أسلحتهم للمرة الأولى في عهده بينما استعصوا على خلفاء بني أمية الذين سبقوه في الحكم، فكان انتصارًا سجله التاريخ لهذا الخليفة العادل. خرجت إحدى فرق الخوارج في الأيام الأولى لخلافته مستأنفة تمردها المسلح، فأرسل إلى زعيمها كتابًا يقول فيه: «أما بعد فقد بلغني أنك خرجت غضبًا لله ورسوله ، ولست أولى بذلك مني.. فهلم أناظرك.. فإن يكن الحق معنا تدخل فيه، وإن يكن الحق معك نراجع أنفسنا وننظر في أمرنا ....».
فما لبث الزعيم الثائر بعد أن قرأ رسالة الخليفة حتى شعر بالخجل من نفسه أمام منطق الخليفة الجديد، فأرسل وفدًا يفاوض الخليفة فكانت النتيجة أن ألقت هذه المجموعة أسلحتها وعادت ؛ لتمارس حياتها الطبيعية بين أفراد المجتمع بكل رغبة واقتناع.
لا شك أنه منطق العدل الذي جبلت الفطرة البشرية على حبه وحب كل من يرفعه شعارًا.
ومع مجموعة أخرى من الخوارج ساحت في الأرض،تنشر أفكارها وأراءها الفاسدة تسمى «حرورية الموصل» ، أرسل إليه حاكم الموصل يستأذنه في قمعها وإسكاتها، فأرسل الخليفة عمر للوالي كتابًا يقول فيه: « إذا رأوا أن يسيحوا في البلاد في غير أذى لأهل الذمة.. وفي غير أذى للأمة.. فليذهبوا حيث شاءوا، وإن نالوا أحدًا من المسلمين، أو من أهل الذمة بسوء فحاكمهم إلى الله..» هكذا كان يرى الخليفة ألا له حق له في الحجر على آراء الآخرين ولا الوصاية عليها رغم المقدرة على ذلك، فقد كان ينظر إلى حلول جذرية تجتث جذور المشكلة بدلًا من الوقوف عند حلول آنية هي أشبه بالمسكنات، وهذا هو المنهج الشوري والحوار الراشد الذي كان يتبناه عمر بن عبد العزيز، وكلما طولب باستخدام القوة كمنهج سريع لقطع دابر الفكر التصادمي في البلاد كان رده من القرآن الكريم: ﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس:99]وقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ ق: 45] وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [لغاشية: 23].
عمر بن عبد العزير كان يدرك تمامًا أن آخر الدواء هو الكي، ولكن ليس هو أوله على الإطلاق، فقدم – رحمه الله – منطق التعامل بالعدل والحرية في التعبير والشورى والإقناع حتى مع خصومه.
كتب له والي خراسان يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والشدة مع أهلها قائلًا في رسالته للخليفة:« إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط».
فكان رده حازمًا مبنيًا على فهم دقيق للأسلوب الأمثل في التعامل مع انحراف الفرد والجماعة: «كذبت، بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين ».
رحم الله عمر بن عبد العزيز فقد أتعب من بعده من حكام المسلمين، ولقد كان قربه من كتاب الله وهدي نبيه وتربيته الصالحة سببًا في نجاحه الباهر في إدارة دولة خلت من العنف وغدا فيها العدل والخير والحق ملكًا للجميع.
الحمد لله
أسامة على متولي
تسأله: كيف حالك؟ يجيب في ألم ومعاناة:
ماذا نفعل؟! دنيا متعبة، حياة مؤلمة، صحة معدمة، أسعار نار، عيال ضائعة، لقد أهانني ربي!
ينسى نعم الله وأفضاله، أعمه من جوع، آمنه من خوف، سقاه من عطش،
كساه من عري، هداه من ضلالة..
رزقه عقلا وأذنين، وعينين ويدين ورجلين، «ولسانًا وشفتين»وكليتين، لو تعطلت لأنفق عليها الآلاف مع الآلام، يقول: رب ارجعون، يارب، أعد إلي عافيتي، أعمل صالحًا فيما تركت، ولو ردوا لعادوا.
إذا أنعم الله عليه بعلم عظيم، بمال كثير، بمنصب كبير، يقول وأنفه في السماء: «إنه اجتهادي .. ذكائي.. خبراتي.. علاقاتي..»، ولو رجع إلى نفسه قليلًا لنظر، وعبس وبسر، يقول في تيه وكبر:﴿رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ﴾ [الفجر:15]، أنتم لا تعلمون.. إني والله لأستحقن ذلك الكرم، فأنا على خير، إنه قلبي الأبيض، وروحي الطاهر!
ثم ينطلق الكريم، يرتكب المعاصي، يظلم الناس، يكذب وينافق، يطلق بصره فيما حرم الله يطلق لسانه في الغيبة، يتعامل بالربا ...
ينظر إلى ما في يد غيره، فقره بين عينيه لو أن له واديًا لتمنى اثنين، غير راض عن حاله:
صغير يطلب الكبرا وشيخ ود لو صغرا
صور من جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم -
د. حمدي شلبي
كلية الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر
اقتضت حكمة الله – تعالى - أن يكون هناك صراع دائم بين الحق والباطل والضلالة والهدى، وتلك سنة من سنن الله – تعالى - التي لا تتغير ولا تتبدل، قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] وإذا كان للحق رجاله وجنده فإن للباطل كذلك سيادته المدافعين عنه قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:76]، وبما أن النبي هو خاتم النبين وصاحب الرسالة الخالدة، فلا غرو أن يحرص القرآن الكريم على أن يصوغ شخصية القائد الأعظم على الجهاد في سبيل الله – تعالى - والشدة والغلظة على الكفار والمنافقين.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ﴾ [التحريم: 9، والتوبة :٧٣].
الأمر بالجهاد والغلظة لا يتنافى مع الأمر بالرحمة: ربما يسأل سائل: أليس بين أمر النبي الله بالشدة والغلظة وبين كونه رحمة للعالمين تناقض؟.
والإجابة لا تناقض، بل إن الأمر بالجهاد والغلظة على الأعداء لون من ألوان الرحمة النبوية، وذلك من أكثر من جهة أولاها: أن الجهاد قد شرع لرد العدوان فقد قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ [البقرة: 194]، وعندما ترد الظالم عن ظلمه، والمعتدي عن اعتدائه، فذلك عين الرحمة به، وهذا ما وضحه النبي ﷺ عندما قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل يا رسول الله: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟، فقال: إن ترده عن ظلمه، فذلك نصر له».
وهناك صنف من خلق الله لا يرعوي إلا إذا كان السيف فوق رأسه يخيفه ويرهبه:
والشر إن تلقه بالخير ضقت به زرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم
ثانيتهما: أن الجهاد قد شرع لإعلاء راية الله تعالى وفتح الآفاق أمام نور الإسلام؛ ليعرف الناس حقائقه ثم يكون لهم الخيار بعد هذا بين قبوله أو البقاء على أديانهم ودفع الجزية التي يعني دفعها علو كلمة الله ورفع رايته، ولاشك أن هناك طغاة سيتصدون لدعوة الإسلام حتى لا تبلغ خلق الله، وهؤلاء هم الذين أمر النبي بقتالهم، قال الله تعالى: ﴿ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:12] وإزاحة هذه الطواغيت من أعظم ألوان الرحمة للبشرية كلها ..
من خصائص الجهاد النبوي: يتميز جهاد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بخصائص من أهمها ما يلي:
أولًا: أنه جهاد حتمي لا مناص منه، فقد أوجب الله على نبينا –صلى الله عليه وسلم- أن يعيش حياته مجاهدًا ومقاتلًا، حتى ولو لم يكن معه أحد من خلق الله تعالى، قال تعالى ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ [النساء:84]
ثانيًا: أنه جهاد مستمر حتى يخضع العالم كله لله تعالى، قال تعالى ﴿ وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال :۳۹]، والدين هنا بمعنى الخضوع أي حتى لا يخضع العالم الجبار إلا لله، وكان - صلى الله عليه وسلم -يقول وسط أصحابه والله لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أقتل، ثم أبعث، وهو في الصحيح.
ثالثًا: جهاده - صلى الله عليه وسلم -من أجل نصرة الحق لا لمجرد الانتصار. لم يكن هدف النبي- صلى الله عليه وسلم - في يوم من الأيام أن يبسط نفوذه، أو أن يذل خلق الله إنما كان هدفه - صلى الله عليه وسلم - نصرة الحق ولهذا نراه - صلى الله عليه وسلم - يعقب على كلمة العباس بن عبد المطلب يوم فتح مكة: اليوم يوم الملحمة فقال - صلى الله عليه وسلم - : «بل اليوم يوم المرحمة»، ودخلها - صلى الله عليه وسلم - في خشوع وخضوع الله تعالى، حتى كادت رأسه - صلى الله عليه وسلم - تمس ركبتيه وهو فوق بعيره، كما جاء في كتب السيرة، ثم عفا عن أهلها الذين قاتلوه وحاربوه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
رابعًا: اليقين المطلق في نصر الله تعالى.. مع الإعداد الكامل والأخذ بالأسباب فقد علم الله المجاهد الأعظم - صلى الله عليه وسلم -وأمنه أن الذي يملك النصر هو الله فقال تعلى: ﴿ إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ ﴾ [آل عمران: 160] ﴿وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الانفال:۱۷]
خامسًا: جهاده - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف الوهن ولا الضعف ولا الاستكانة:
ومن خصائص جهاده - صلى الله عليه وسلم -أنه جهاد لا يعرف الوهن حتى في ساعات الشدة، فعندما انهزم المسلمون في معركة أحد بسبب عصيان معظم الرماة لرسول الله وكسرت رباعيته - صلى الله عليه وسلم -وشج وجهه قام أبو سفيان يرفع صنمه قائلًا: اعل هبل فشعر بخطورة تلك الكلمة، وأنها تمثل حربًا إعلامية رهيبة تفوق في خطورتها حرب السلاح، وقد تغلب حرب اللسان حرب السنان – فقال - صلى الله عليه وسلم - :«ردوا عليه أيها المسلمون»، فقال عمر- رضي الله عنه- :« فماذا أقول يا رسول الله» ؟ قال: «قل الله أعلى وأجل»، فقال أبو سفيان : «يوم بيوم بدر، فيأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -عمر أن يقول: «قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار».
وهكذا يعلمنا - صلى الله عليه وسلم -ألا نهن وألا نشك في نصر الله تعالى حتى في ساعات الهزيمة وهو بهذا ينطلق - صلى الله عليه وسلم -من قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ﴾ [العمران:139] تلك أهم ملامح حياته - صلى الله عليه وسلم - الجهادية التي يجدر بالمسلمين أن يدرسوها؛ ليتعلموا منها؛ وليستحضروا روح الجهاد الذي هو الحل الوحيد لاستعادة عزتنا وكرامتنا وتخليص مقدساتنا وإخواننا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل