; المجتمع التربوي :العدد 1599 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي :العدد 1599

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004

مشاهدات 124

نشر في العدد 1599

نشر في الصفحة 54

السبت 01-مايو-2004

توفيق علي

towfeekali @hotmail.com 

حتى يضحك الله لنا (2)

الإيثار أعلى مراتب الجود.. تتعدد صوره ومراتبه و يضحك الله لصاحبه

عن أبي هريرة رضي الله عليه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما عندنا إلا الماء!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضيف هذا؟، فقال رجل من الأنصار: أنا فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان، فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، ففعلت، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين -أي جائعين- فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ضحك الله الليلة - أو عجب- من فعالكما.. فأنزل الله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9) (رواه البخاري).

الفائدة التربوية والسلوكية من الحديث هي الإيثار:

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: أي لا يحسدون المهاجرين على ما أتاهم الله من فضله، وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها، ثم يقول: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها عمن سواهم الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي ومحبة لله تعالى مقدمة على شهوات النفس ولذاتها... (تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص: 1025).

قال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل، الإنسان إذا تعفف عن أموال الناس هذا أول مراتب الإيثار، فإذا أعطاهم كان أرقى... العطاء لا يُبنى إلا على التعفف.

وهذا سيدنا قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما كان من الأجواد المعروفين حتى إنه مرض مرةً فاستبطأ إخوانه في عيادته فسأل عنهم فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين (الدين الذي عليهم حال بينهم وبين أن يعودوك)، فقال سيدنا قيس بن سعد بن عبادة أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة.. ثم أمر مناديًا يُنادي من كان لقيس عليه مال فهو منه حل، فما أمسى حتى كُسرت عتبة بابه لكثرة من عاده.

مراتب الجود

1- الجود بالنفس: هذا الذي يُقتل في ساحة المعركة شهيدًا، هذا الذي قدم لله ذاته قدم نفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وهذا الذي يعدم على أعواد المشانق أو يقتل في غياهب السجون من أجل رفع راية الله راضية.

2- الجود بالرياسة: إنسان يكون له منصب رفيع أو مكانة معينة، ويشعر أنها ربما تكون سببًا في فتنته أو وقوعه في معصية الله، فإذا أراد أن يستقيم على أمر الله وإذا أراد أن يرضي الله عزّ وجل لا بد من التخلي عن هذا المنصب أو عن هذه المكانة أو عن هذه المنزلة؛ فهؤلاء الذين ضحوا ويضحون بمراكزهم الاجتماعية وهم في أعلى المناصب الجامعية، كعميد لكلية أو مستشار أو طبيب يشهد له بالكفاءة العلمية، أو عالم من علماء العالم القلائل على مستوى العالم، أو هذا المضطهد الذي لا يستطيع أن يدخل بلده وهذا الذي لا يستطيع أن ينعم بالأمن في وطنه، وشعارهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. 

3- الجود براحته ووقته: الإنسان يدخل إلى بيته يتناول طعام الغداء يستلقي على السرير، يلهو حوله أهله وأولاده، بإمكانه أن يبقى مُستمتعًا في بيته، يطلب من حين لآخر ما لذ وطاب لكنه يترك البيت والزوجة والأولاد ليحضر مجلس علم.

4- الجود بالعلم وبذله: وهو من أعلى مراتب الجودة؛ لأنه من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.. تخيل أن إنسانًا كان ضائعًا تائهًا شاردًا، شقيًّا بينه جحيم مشكلاته كثيرة، دللته على الله فاستقام على أمره فشعر بالسعادة والطمأنينة تيسرت أعماله، يسر الله له دخلاً وفيراً وزواجًا سعيدًا!!. وحينما التقيته بالغ في شكرك وأثنى على دعوتك وقال لك: جزاك الله عني كل خير، كُل أعمالي في صحيفتك أنت سبب هدايتي.. ألا تشعر بالغبطة أن يستخدمك الله في الخير؟ هذا شعور لا يعرفه إلا من ذاقه. 

وليكن شعارك إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين.

5- الجود بالنفع بالجاه: كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه وهو زكاةُ الجاه: أن تشفع لمظلوم عند من يأتمر بأمرك، يعني مثلاً تحل قضية إنسان، تمسح جراح إنسان، إذا لبست ثيابك وذهبت إلى فُلان وأمضيت من وقتك ساعتين.. للإصلاح بين زوجين متخاصمين –مثلاً- فتمسح الأسى عن أطفالهما، واعلم أن من أفضل أنواع الشفاعة، أن يشفع الرجل بين زوجين في نكاح.

6- الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه: عن أبي هريرة له عَنْهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: كُلُّ سُلامَى منَ النَّاس عليه صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بين الاثنين صدقة ويعين الرَّجُلَ عَلَى دَابَّته فيحمل عليها أو يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطيبة صدقَةً وَكُلُّ خُطْوَة يَخْطُوهَا إلَى الصَّلاة صَدَقَةٌ ويُميط الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.

7- الجود بالعرض: وهو من أغرب أنواع الجود، والعرض في التعريف الدقيق موطن المدح والذم في الإنسان، فأبو ضُمضم من الصحابة الكرام كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي: فمن شتمني أو قذفني فهو حل.. فقال عليه الصلاة والسلام من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم فليفعل.

8- الجود بالخلق والبشر والبسطة: جود بطلاقة الوجه بالسلام بالسؤال بالكلمة الطيبة: عنْ أبِي جُرَيٍّ جَابر بن سليمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَجُلاً يصدرُ النَّاسُ عَن رأيه لا يَقُولُ شيئاً إلا ذَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: عَلَيْكَ السّلامُ يَا رَسُولَ الله مرتين :قَالَ: لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السّلام تَحيَّةُ الميت قُل: السّلامُ عَلَيْكَ، قَالَ: قُلتُ: أنت رَسُولُ الله؟ قَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٍّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عام سنة فَدَعوتَهُ أنْبَتَها لَكَ، وَإِذَا كُنتَ بأرض قَفْرَاءَ أو فَلاة فَضَلَّتْ رَاحِلتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ. قَالَ: قُلتُ اعهد إليَّ، قَالَ: لا تَسُبْنَّ أَحَدًا، قَالَ: فَمَا سببت بعده حرًا ولا عبدًا ولا بعيرًا ولا شَاةً، قَالَ ولا تحقرن شيئًا من المعروف، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وأنت منبسط إليه وجهك. إن ذلك من المعروف. ارفع إزارك إلى نصف السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الكعبين وإياك وإسبالَ الإِزارِ فَإِنَّهَا من المخيلة. وإن الله لا يُحِبُّ المخيلة، وإن امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيْرَكَ بما يعلمُ فيكَ. فَلا تُعَيرَهُ بمَا تَعْلَمُ فيه فَإنَّما وبال ذلك عليه».

تلك بعض صور الجود ومراتبه، فاحرص عليها يحبك الله ويحبك الناس .

رابعة محمد حسن حربي

اركب معنا

ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية سائلاً لهم ما أشد شيء مر بكم في هذا الحبس؟ فقالوا أشد شيء هو ما افتقدناه من تربية أولادنا.. وبالرغم من أن أول ما يفتقده أي سجين هو حريته، إلا أن همهم الأول كان مواصلة حمل الأمانة التي يعلمون أنهم محاسبون ومسؤولون عنها يوم القيامة.

ومسؤولية الآباء عن تربية أبنائهم يعرفها الكل... والتقصير فيها يعتبر خيانة للأمانة والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

يقول الشيخ أحمد القطان: إنه قام بزيارة أحد السجون التي تضم الأحداث من الشباب وحين جلس معهم رأى عجبًا... فمعظمهم -مع اختلاف ظروف النشأة- ضحية إهمال أو انفصال الأبوين، بل إن أحدهم قال للشيخ: إن أمه لم تخبره يومًا بأن عليه أن يصلي، وأنه لم يكن يعرف للمسجد طريقًا!!... وكانت النتيجة الطبيعية لتلك الخيانة الأبوية هي السجن والضياع لهؤلاء المساكين.

يقول الأستاذ عبد الله عبد المعطي مؤلف كتاب «أطفالنا»: إن أطفالنا اليوم يعيشون حالة يُتم جماعي، ويعني بقوله ذلك اليتيم الذي تخلت أمه وانشغل أبوه عن تربيته، وإذا كان هذا هو تعريف اليتيم فما أكثر يتامى الأمة..

- يُتم من تُرك للخادمة تربيه حتى يشرب أخلاقها وسلوكها.. وربما ديانتها إذا كانت غير مسلمة وكلنا نعرف قصة الأم التي فوجئت بابنها يركع أمام نار الموقد.. ولا عجب؛ فمربيته الخادمة مجوسية!!

- يُتم من ترك للفضائيات المنحرفة لتصبح مصدر ثقـافـتـه ومعلوماته، ومن الطبيعي أن يكون الحصاد مرًّا كريهًا.

بالأمس القريب كان التربويون يحذروننا من أخطار التلفاز على الأسرة.. والآن، وبعـد ظهور الفضائيات، إذا بالتلفاز لا يوازيها بل لا وجه للمقارنة أصلاً.. وأصبح أولادنا -بدافع الفضول والاكتشاف- يقلبون بين قنواته، وفي غفلة الآباء -ولكن الشيطان لا يغفل- يكتشف الأولاد ما يكتشفون.. اكتشاف فرؤية فمعاودة، فإدمان فسقوط...

والنتيجة انهيار الأسرة تدريجيًّا، فالأب: أصبح لا يطيق النظر في وجه أم أولاده.. وأين هي من تلك النساء الملونات بألوان قوس قزح؟...

وإذا بالبيت حلبة للصراع، ويضيع تحت رحاها الأبناء «اليتامى».. وتتكرر فصول تلك المأساة، وفي النهاية يظهر جيل من الشباب محسوب على المسلمين، ولكنه لا يحمل من الإسلام إلا اسمه.. جيل لا يهمه ما يحدث في فلسطين أو العراق أو الشيشان.. أو حتى في بلده هو... فهو لا يفكر إلا في ذاته وشهواته وتسريحة شعره... جيل يغتم به الإسلام ويفرح به الأعداء، فظهوره يعني لهم الكثير ويطمئنهم بأن الأمة الإسلامية أمامها الكثير لكي تنهض.

لذا أناشدكم أيها الآباء، يا من تحبون الله ورسوله، ألا تتركوا أبناءكم أمام هذا العفن الذي يسمونه فنًّا من باب تسمية الحرام بغير اسمه، وأن تغاروا عليهم من أن يشاهدوا تلك البرامج التي تعرض فتيانًا وفتيات يعيشون تحت سقف واحد، ويتضاجعون ويتبادلون القبلات، لقد آن أن تتمعر وجوهنا غضبًا لله.

لا شك أن مهمة التربية من أصعب المهام، ولكن أبشركم بأن سعيكم لإنكار هذا المنكر حرصًا على أولادكم وأخلاقهم ودينهم له أعظم المثوبة عند الله سبحانه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن فتنة القبر» (رواه أبو داود والترمذي وأحمد).

قد يتساءل البعض: وما علاقة الرباط بتربية الأولاد والفضائيات؟.. يجيب عن ذلك الدكتور السيد نوح فيقول: إن الرباط له معنى خاص وهو حراسة الثغور أثناء المعارك، ومعنى عام وهو يشتمل «لزوم» فعل الطاعات بداية من لا إله إلا الله حتى إماطة الأذى عن الطريق، والمرابطة على ذلك حتى الموت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 121

115

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

هل أنت اجتماعية؟

نشر في العدد 1120

89

الثلاثاء 11-أكتوبر-1994

المجتمع الأسري - عدد 1120