العنوان المجتمع التربوي ( 1608)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 09-يوليو-2004
مشاهدات 58
نشر في العدد 1608
نشر في الصفحة 54
الجمعة 09-يوليو-2004
الدعوة سبيل المؤمنين
د.حمدي شلبي
الدعوة إلى الله عز وجل أشرف الأعمال قدرًا، وأخطرها في حياة الأمة أثرًا، ولا عجب فإن دعوة الناس إلى الله عز وجل. هي رسالة كل الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وعن طريق دعوتهم قامت حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:165). والدعوة إلى الله عز وجل كذلك هي الغاية التي من أجلها بعث النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم فهي سبيله في الحياة ومنهجه حتى لقي الله -عز وجل- كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(يوسف:108). وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يأمر فيها الحق تبارك وتعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بالمضي في طريق الدعوة والثبات عليها مهما كانت قوة الأنواء وشدة العواصف، يقول تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر:94) ويقول تعالى: ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (القصص:87).
بل إن القرآن الكريم يصرح بأنه ما من عمل أفضل من عمل الداعي إلى الله عز وجل الذي تتوافر فيه خصال الداعية الكامل من العمل الصالح والاعتزاز بالإسلام، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
ثم إنه تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار والتذكير والتحريض على القتال إلى غير ذلك من الأوامر الإلهية لسيد البرية صلى الله عليه وسلم وإذا كان قد لحق بالرفيق الأعلى بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فإن أمته هي حاملة اللواء من بعده، فأمتنا مطالبة شرعًا بتبليغ دعوة الله -عز وجل- إلى العالم كله، وهذا التبليغ هو معنى وسطيتها وسبب خيريتها كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ (البقرة:143). وقال تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:۱۱۰)
ويجب أن نلاحظ هنا أن الآية الكريمة جعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات عموم الأمة، وقدمته على الإيمان بالله مع أن الإيمان بالله هو الأصل الذي يرتكز عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك لأن الإيمان بالله غاية لا يمكن الوصول إليها إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفى على ذي لب أن المعروف هو ما عرفه الشرع وأمر ما به ودعا إليه، ورغب في عمله، وأن المنكر هو أنكره الشرع ونهى الناس عنه أو رغبهم في تركه، وإذا كانت الدعوة إلى الله تعالى هي سبيل محمد صلى الله عليه وسلم فهي أيضًا سبيل من اتبعه كما صرحت بذلك الآية الكريمة في سورة يوسف وكما يقتضيه العطف في قوله تعالى: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ ولقد حث القرآن الكريم المجتمع على التمسك بهذه الفضيلة، فضيلة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ويبدو لنا هذا مما يلي:
أولا: أنه من أعظم صفات المؤمنين الصادقين الذين باعوا أنفسهم لله رب العالمين. فقد بين الحق تعالى أهم صفات هؤلاء المؤمنين في سورة التوبة والتي كان منها: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة : ۱۱۱).
ثانيًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حقوق الموالاة في الله عز وجل بين المؤمنين والمؤمنات فقد قال تعالي ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71). وينبغي أن نوجه النظر هنا إلى عدة ملامحفي الآية الكريمة:
الأول: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب يشترك فيه الرجال والنساء كل في مجاله فلا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقليه وذلك أضعف الإيمان» «مسلم يشرح النووي 2/22 .25» فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين رجل وامرأة في ضرورة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وينبغي التنبيه إلى أن هذه المراتب الثلاث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون حسبما يقتضيه الحال وتسمح به الظروف دون إحداث فتنة، وإذا كان المنافقون والمنافقات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف فلا أقل من أن يقوم المجتمع الإسلامي برجاله ونسائه بحملة مواجهةالحملة المنافقين والمنافقات.
الثاني: أن الآية تدل على أن القيام بهذا الواجب من أعظم الوسائل لنيل رحمة الله تعالى، كما قال سبحانه ﴿ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ﴾
ثالثًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد في سبيل الله، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعني في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:122).
فقد استعمل القرآن الكريم لفظة النفير التي استخدمتها الآية في الحث على الجهاد في سبيل الله. في الحث على طلب العلم والدعوة إلى الله تعالى. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى عندما قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيد فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك في الإيمان حبة خردل» «الترمذي ۲/27، کتاب الفتن، باب ما جاء في الأمربالمعروف والنهي عن المنكر». وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الجهاد، فقال: «كلمة حق تقال عند سلطان جائر» «أخرجه أبو داود بسند صحيح»
رابعًا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر الفلاح في الدنيا والآخرة وسبيل النجاة من الخسر. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) وقال تعالى: ﴿وَٱلعَصرِ* إِنَّ ٱلإِنسَٰنَ لَفِي خُسرٍ* إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَواْ بِٱلحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِٱلصَّبرِ﴾ (العصر:1-3) فجعل سبحانه وتعالى التواصي بالحق والتواصي بالصبر شطر أسباب النجاة من الخسر.
خامسًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل النجاة من الفتنة فقد أعلن القرآن الكريم أن المعصية عندما تستشري في أفراد المجتمع ولا يوجد دعاة يأمرون الناس بالطاعة وينهونهم عن المعصية فإن ذلك سيؤدي إلى فتنة عامة وعذاب شامل قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥). وقد وضح صلى الله عليه وسلم هذا المعنى قوله : « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» «أخرجه أبوداود باب الأمروالنهي ج٤٣٣٨». كما بين القرآن أن من أسباب لعن الله تعالى لبني إسرائيل أنهم: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:79).
حملة لواء الدعوة بين الإفراط والتفريط
د.كمال سالم عوض
لم يكن لدي خطة واضحة للعمل وهذا أمر سيئ، ولم أكن أدرك خطورة وأهمية ما أنا مقبل عليه، وهذا أمر أسوأ ، كما أنني كنت أجهل تمامًا كل خبرات العمل الدعوي. تلفت حولي باحثًا عن دليل أو قبس يقشع ظلمة الطريق، فلم أجد غير أمر أثار فزعي، وجدت حقل الدعوة أمامي أجرد ناصع البياض -لا يد ترشد في مفازته الوعرة، ولا ثم خطة تأخذ بأيدي الواهنين، وسط هذا الحقل المسور بألغام وافرة ومتحفزة. كل ما هنالك لا يعدو تجارب فردية، لا خطط تعلم كيف نطبق الدعوة في دنيا الأطفال ولا إشارة تلمح إلى كيفية الأخذ بيد النساء، وبكل تأكيد لا يوجد ما يعرف كيف نقيم صلب الدعوة في ساحات العمل والأسواق والشارع والأفراح والأتراح.
كيف إذا نفلح في إحياء جسد الدعوة؟ إن الإسلام عندما أثار الأرض، مهد سبلًا تأخذ الحياة إلى الله وفرض على كل أتباعه، مهما كانت درجة ثقافتهم وفكرهم أن يقوموا بأمر الدعوة، فرض على الجميع أن يعملوا من أجل الجماعة وأن يبذلوا كل جهدهم في سبيل إصلاح المجتمع والنصح للناس. ونظرت إلى أهل قريتي فوجدت الناس من هول الحياة موتى على قيد الحياة، لا يشغلهم أمر دعوة، وليس في أجندة حياتهم اليومية هموم دينية، وضربني سؤال جديد : كيف تعلم الناس الدين في قريتي؟ وكانت الإجابة هذه المرة واضحة باهرة الناس في قريتي لا يتعلمون الدين بل يرثونه، وجدوا الدين يغشاهم كالليل والنهار، فعاشوه كأمر واقع يقرره دستور الدولة ومناهج وزارة التعليم.
قال لهم رجال الدين الرسميون إن الإسلام صلاة وصيام وحج للمستطيع، فأتوا منه ما استطاعوا، وغاب عنهم تمامًا إسلام المعاملة وحسن الصلة وإعمار البلاد وزرع الفسائل والأثرة والأخوة وإتقان العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ركن الجميع إلى إسلام سهل بسيط لا يزعج السلطان ولا يرفع ضغط دم رجال الأمن، وهل هناك أسهل من الذهاب إلى المسجد لنقر عدة ركعات خاوية بلا روح. ووجدت لواء الدعوة في قريتنا الآمنة يحتكره فريقان عريقان: الفريق الأول «يلعب» تحت شارة الدولة، وبتوجيه من وزارتها المعنية وهو فريق تدرب وتخرج في الأزهر، لا ليحترف الدعوة، بل ليعمل بالتدريس، لكن لأن الدولة تخشى أن تتعثر دابة في شوارع قريتنا دون علمها، فقد عينت مدرسي الأزهر دعاة بمساجدنا. ولقد أخلص أعضاء هذا الفريق في عملهم إخلاصًا شديدًا، فزرعوا الحقول وفتحوا محلات البقالة وأعطوا الدروس الخصوصية للطلاب لاللمصلين.
وغاب أفراد الفريق عن أشياء تافهة كثيرة كمشاركة الناس في الأفراح والأحزان والمشاجرات والمصائب، وتجمعات الشباب، وأيضًا صلاة الجماعة. لكنهم- والحق أقول- لم يتخلفوا أبدًا عن صلاة الجمعة وهل هناك من يتخلف عن الجمعة في المسلمين ؟! ثم إنهم يأخذون مكافأة المهاجرين مالية عن كل خطبة. وأثبت أعضاء الفريق أنهم مستقيمون للدولة حيثما استقامت فهم بعيدون بعد المشرقين عن الموضوعات التي تسبب الحساسية والصداع للسلطان ومتمسكون بكتاب الوزارة ويكرهون كل الكتب الخارجية، كلماتهم صريحة قاطعة تحتفي بالمناسبات الرسمية، وتعنى بالمحسنات البديعية ومدججة بأبيات شعر مفزعة عن الموت وعذاب القبر والسعير.
ولقد تأثر أهل القرية بهذا الفريق بشدة وأصبح المصلون يشعرون براحة بالغة أثناء الخطبة آتية من استغراقهم التام في النوم وقد قال لي أحد المصلين إنه لا يشعر بلذة النوم إلا يوم الجمعة، حيث يسند رأسه إلى أحد الأعمدة أو الجدران ويغرق في النوم، بينما الخطيب يسكب كلماته في آذان مغلقة، ولقد بر وسط هذا الفريق خطيب مفوه جعل جل جهده موجهًا إلى موضوع خطير وشنيع يقض الدعوة ويدمر المجتمع. لقد وجه سهامه إلى الزنى وتناوله برؤية جديدة لم يتعرض لها أحد من الدعاة أبدًا، فقد تتبع الرجال الزناة في القرية وكتب أسماءهم في ورقة جعل يلوح بها من فوق المنبر مهددًا بأنه سيكشف عن الأسماء إذا اضطر لذلك. ولا أدري متى وكيف سيضطر ، وخطيب آخر قاد مسيرة ناجحة لشباب عائلته ضربوا خلالها أحد أهل القرية بعد صلاة إحدى الجمع لأنه تعرض للخطيب بالإهانة.
أما الفريق الثاني الذي يحمي الدعوة في قريتي البائسة فقد هبط علينا فجأة، إذ استيقظ الناس ذات صباح على مجموعة من الشباب قالوا إنهم جماعات إسلامية وأنا-لحمقي المفرط- لا أفهم معنى وجود جماعات إسلامية داخل مجتمع كله مسلم وأتساءل دائمًا -بغباء- عن الفرق بين إسلام أعضاء الجماعة وإسلام بقية أهل القرية؟ والزي الرسمي لهذا الفريق جلباب قصير وسروالطويل وتجهم وعبث واكفهرار على الوجه كثير.
وهم يتحركون بهدوء ويمرون على الناس فلا يلقون السلام ولا يتقبلون السلام إلا من أفراد فريقهم، حديثهم الهمس ولقاؤهم الحذر يشعرونك بأنهم على خطورة من أمرهم، وأنهم وصلوا إلى كنوز الدين التي لا يعرفها الحمقى من أهل القرية التلفاز عندهم حرام، ولا صلاة على الميت إلا في مسجدهم الذي اتخذوه مقرًا دون مساجد القرية. وهم يقومون بأمور الدعوة خير قيام، فهم مشغولون دائمًا بقضية تحريك السبابة أثناء التشهد هل يتم ذلك طوال التشهد أم عند لفظ الشهادة فقط، وفكرهم حائر في قضية أخرى أشد خطورة قضية الخوان والأكل عليه وحرمة الأكل على الطاولة.
ولقد تولى رجال أمن الدولة رعاية هذا الفريق اعتقالًا وتحقيقًا ومراقبة حتى شعر أعضاء الفريق بأهمية رسالتهم وروعة ما يقومون به من أجل الدعوة، فازدادوا تجهمًا وشكًا في أهل القرية. فإذا أم مسجدهم أحد خارج فريقهم وجب الحرص منه لأنه- لابد عين الرجال الأمن. هكذا وقعت قريتي بين شقي رحى رهيبين، وتاه الناس بين إسلام الدولة وإسلام الجماعات التبس أمرهم فركنوا إلى قشور من الدين، وغرقوا في خضم من الجهل، وكثرت المشاجرات وعمت الفتن، وراح كل إنسان يطبق الدين الذي يرتضيه!.
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة الشدائد (٢ من ٤)
أحمد زهران
التوسل إلى الله بالعمل الصالح.. طريق الخلاص منالمآزق والأزمـــــــات
الدعاة يقفون فيوجه الموجات السلبية.. مستبشرين بمستقبل هذا الدين
تناولت الحلقة الماضية ملمحين من ملامح منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الشدائد، وهما الدعاء، والتذكير بالأجر والثواب وتتناول حلقة اليوم ثلاثة ملامح أخرى من هذا المنهج.
ثالثًا- بث الثقة والأمل:
حينما تشتد الأزمة، ويتعاظم البلاء، وتكثر الحروب والهجمات على الإسلام والمسلمين لا ينبغي للمؤمن أن يتسرب إليه إحساس بالفشل أو اليأس من التغيير والإصلاح، وهذا ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم فقد كان يبث عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم مما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب. يدخل عليه خباب بن الأرت وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فيقول له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ فيقعد رسول الله صلى الله عليه وسلموهو محمر وجهه ويقول: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»[1]
واستمع إليه يوم الخندق -وقد أحاطت بالمسلمين الأهوال من كل مكان: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (الأحزاب:10-11). وهو يبشر المؤمنين: «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله»[2]. ولقد تحققت هذه البشارات التي أخبر عنها رسول الله، ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم:3-4). وما إن سمعت هذه النفوس هذه البشريات حتى سكنت و ارتاحت واطمأنت: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:222).
أما الواهنون والمرتابون ومرضى القلوب فقد تندروا بأحاديث الفتح وفيهم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب:12). وتأمل موقفه عند الهجرة، ووعدهصلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك بسواري كسري ويرد سراقة متعجباً. وكأنه لا يصدق ما تسمعه أذناه: كسرى بن هرمز؟ فيؤكد له رسول الله نعم كسرى بن هرمز. ولقد عاش سراقة إلى أن تحققت بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحق لنا أن نتساءل: ماذا كان يملك رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو يقدم هذه البشريات وينثر هذه التطمينات هنا وهناك؟ وهو المطارد من بلده، والمحاصر في البلد الذي أوى إليه!؟ إنه كان يملك الثقة في وعد ربه «عز وجل» وأن الله تعالى من خلفه ناصره ومعينه، فكان لابد أن ينتقل هذه الشعور إلى هذه النفوس الملتاعة حتى يسكن اتباعها وتطمئن إلى موعود ربها تبارك وتعالى.
وله صلى الله عليه وسلم عشرات الأحاديث التي يبشر المؤمنين فيها بأنهم ورثة هذا الكتاب وهذه الأرض، وأنهم سيفتحون المشارق والمغارب ويملكون الأرض كلها: فعن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغن هذا الأمر «يعني أمر الإسلام» ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر»[3].
ومن هذه المبشرات ما رواه مسلم وغيره عن ثوبان قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : «لا إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما روي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض»[4] والداعية الحصيف هو الذي يلتزم منهج النبي صلي الله عليه وسلم : لأننا مطالبون أن نبشر ولا ننفر كما نحن مأمورون أن نيسر ولا نعسر. وبث جرعات من الثقة والأمل في النفوس في مثل هذه الأيام ضرورة: خاصة وعوامل اليأس ومشاعر الإحباط تكاد تغلب على حياة الكثيرين فتقتل فيها الهمم، وتخدر العزائم. وتدمر الطموحات. ونحن مطالبون بأن نقف في وجه مثل هذه الموجات السلبية واثقين بوعد الله تعالى مستبشرين بمستقبل هذا الدين، رافضين اليأس الذي هو من لوازم الكفر، والقنوط الذي هو من مظاهر الضلال.
رابعًا: الإخلاص
فإخلاص النية لله تعالى هو أصل صلاح العمل وقبوله، يقول تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110). كما أنها سر عون الله للعبد وأساس النجاة من المحن والشدائد، وذلك واضح في الأنبياء والصالحين فقد نجى الله نوحًا من الغرق، وإبراهيم من النار، ولوطًا من الأذى، وأيوب من الشدة والمرض، وموسى من بطش فرعون، والنبي صلى الله عليه وسلممن قريش ومكرهم، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، بل وعباد الله الصالحين.
وما أحسن قول سالم بن عبد الله بن عمر «رضي الله عنهم»: «أعلم أن عون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمت نيته تم عون الله له، وإن نقصت نقص بقدره»[5] وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا لأمته، يتعلمون منه أن الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى سبب في النجاة من الهموم والغموم والأحزان والشدائد جميعها، ولعل في قصة النفر الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، والتي قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته بيان لهذا الأمر.
فهذا الحديث -يدل كما يقول العلامة الدكتور القرضاوي- على أن التوسل إلى الله بالعمل الصالح من أعظم الوسائل للخلاص من المأزق والأزمات وهذا مما لا خلاف عليه. ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا أريد به وجه الله تعالى ولهذا قال كل واحد منهم بعد أن ذكر موقفه الفريد: « اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه» وقد كان من أساليب التربية النبوية المؤثرة ذكر روائع القصص التي تؤخذ منه العظة والعبرة، ومما يجدي في الدعوة والتربية تجميع ما صح من هذه القصص لينتفع بها الدعاة والمربون [6].
«ومن عجيب ما ذكره القرآن في ذلك: استجابة الله تعالى دعاء المشركين إذا جرت الفلك في البحر، وهاجت عليهم الريح وأحاط بهم الموج من كل مكان، فيدعون الله. في تلك اللحظات بصدق وإخلاص فيستجيب لهم، وإن غيروا بعد ذلك وبدلوا، يقول تعالي: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (يونس:23). وإنما أنجاهم واستجاب لهم؛ لأنهم ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فقد رجعوا في تلك اللحظة إلى الفطرة وسقطت الآلهة المزيفة ولم يبق لديهم إلا الله يدعونه بإخلاصويتجهون إليه»[7].
خامسًا : الثبات
يروي ابن كثير في تفسير قوله تعالي: ﴿ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ (ص:6) أن وفدًا من رؤساء قريش جاء إلى أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم ألهتنا وندعه وإلهه.. فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بن أخي هؤلاء مشيخة قومك، وقد سألوك أن تكف عن شتمهم ويدعوك وإلهك. فقال صلى الله عليه وسلم: «أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم. قال أبو طالب وإلام تدعوهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم. قال أبو جهل من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها. قال صلى الله عليه وسلم: تقولون: «لا إله إلا الله». فنفروا وقالوا : سلنا غيرها ، قالصلى الله عليه وسلم : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا ! فنزل قوله تعالى: ﴿ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادة قريش قائلين: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ أي استمروا على دينكم ﴿ وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ أي اثبتوا على عبادتها ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه»[8].
إذا كان أهل الباطل يصرون على باطلهم. أفلا يجدر بأهل الحق أن يثبتوا على منهجهم؟ وفي غزوة أحد، وبعد أن انهزم المسلمون ثبت النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يصيح بالمؤمنين: «إلي عباد الله.. إلي عباد الله.. » فاجتمع إليه نحو من ثلاثين رجلًا، واستماتوا في الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم حتى مضى الكفاروتركوهم. وفي غزوة حنين حين باغت المشركون المسلمين فانهزم المسلمون ولاذوا بالفرار إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يركض بها نحوالكفار، وينادي: « أنا النبي لا كذب
أنا ابن عـبد المطلب
ولم يثبت معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار، تسعة على قول ابن إسحاق، واثنا عشر على قول النووي. وروى الترمذى بإسناد حسن من حديث ابن عمر قال: «لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل»[9] إن الثبات عند نزول الشدائد وتوالي الضربات وكثرة المحن.. هو الذي يميز المؤمن الصادق من غيره.
ونفوس الناس تتفاوت عند ورود الأزمات تفاوتًا كبيرًا فمنها الهش الذي سرعان ما يذوب ويحمله التيار معه، كما تحمل المياه الغثاء والأوحال، ومنها الصلب الذي تمر به العواصف المجتاحة فتنكسر حدتها على متنه، وتتحول رغوة خفيفة وزبدًا… وقد نعى القرآن على الصنف الجزوع فقال: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (الأحزاب:16-17)[10]
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل