; المجتمع التربوي (1638) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1638)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005

مشاهدات 55

نشر في العدد 1638

نشر في الصفحة 52

السبت 12-فبراير-2005

 المسترشد بالله محمد

نبي احترف .. صناعة النجوم

يعد سيدنا محمد ، أهم صانع نجوم ظهر في الحياة.

 ذلك الرجل الذي لم يكلِّف أحداً من أتباعه بمهمة إلّا وهو لها كفء.

 احترف تفجير الطاقات، واكتشاف المواهب وتوجيهها الوجهة الصحيحة.

 فكان يقوم بثلاث مهامٍ: تفجير الطّاقات، اكتشاف المواهب، توجيه المواهب. 

يحوّل الفتى المدلّل مُصعب بن عُمَير إلى سفيرٍ للإسلام، تلك المُهمّة التي لا يُنتدَب لها اليوم إلّا الرجال المخضرمون والمُحنكون، الذين يستطيعون تمثيل بلادهم خير تمثيل. 

وقد نجح فيها وباقتدار مصعب بن عمير رضي الله عنه، كسفير مهد لأهم هجرة في التاريخ.

 داعيةٌ زرع الإسلام في موطنٍ جديد غير موطنه الذي ظهر فيه.

 انظروا إلى عبقرية القائد محمد ﷺ في توجيه المواهب. يوجِّه زيدَ بن ثابت إلى التَّرجمة ،ثم الكتابة، ثم  كلّ المهام المتعلّقة بالرجل ذي المهارات التحليلية.

 تخيّلوا معي ولو للحظة ماذا لو وجَّه النبي ﷺ زيدَ بن ثابت إلى القيادة العسكريّة.

. ربما فشل وأصيب بالإحباط.

 قال لنا أحد كبار المدرّبين: إنّ هناك مؤامرة شائعة بين النجوم الكبار في المجالات المختلفة.. عندما يرون نجماً صاعداً يشق طريقه بقوة فإنْ هم يئسوا من إحباطه . كي لا ينافسهم . فإنّهم يستغلون حلمه بأن يشجّعوه ويهيئوا له فرصةً أكبر من حجمه واستعداده حتى يفشل، فإذا فشل انزوى إلى الأبد ولم تقم له قائمة بعد ذلك.

. انظروا كيف يتأمّر المتربعون في القمم على الصّاعدين في حين يعكف رسول الله على السّماع لأصحابه ومشاورتهم حتى قال عنه المغرِضون » «إنّه أُذُن» . 

كان من بين أهدافه  أن يكتشف مكامن القوّة في كل شخص حتى يضعه في مكانه اللّائق

 حتى إنّك لتجد الصحابي الجليل لا تعرفه كتب التاريخ، إلّا من خلال مهمةٍ كلفه النبي بها ، فنفّذها على أكمل وجه. ونتساءل: كيف برع في أن يختار ذلك الموهوب من بين آلاف الصحابة ليقوم تلك المهمة وهو يعرف أنّه سيقوم بها على أكمل وجه؟ 

والله لو لم نجد من صفات النبي ﷺ صفة غير صناعة الأبطال والنجوم في كل المجالات لكفَتْ دليلاً على نبوة محمد .

. فإبرازه للرّموز دون غيرةٍ منهم .. فيه معنى التّسامي الأخلاقي المطلق  ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [ القلم: 4]

 والاستماع للآخرين والبحث في مكامن قوّتهم فيه أقصى معاني التّرفُّع عن الكِبْر 

وتوجيهه لصحابته الكرام كلٌّ في مجال تميُّزه الفطري، يتضمن أفضل معاني نفع الآخرين، وهل توجد مساعدة على وجه الأرض أفضل من أن تُعرِّف الإنسان ذاته وتُحبِّبه فيها؟ 

وكل ما فعله الرسول ﷺ يمثِّل تحدياً لكلِّ مؤسسات تفعيل الطاقة البشرية، حيث بلغت نسبة نجاحه في توظيف الطاقات ١٠٠%، مع أنّه نشأ في بيئة بدوية، فهل يستطيع هؤلاء أن يأتوا بنصف هذه النسبة مع ما يتوافر لديهم من إمكاناتٍ مادية ؟!!.            عاطف أبو السعود

صحابيّات جليلات.

 أم عمارة رضي الله عنها أَّول مُمرِّضة في الإسلام

هي نسيبة بنت كعب المازنية من بني النجار، وأمها الرّباب بنت عبدالله بن حبيب وكنيتها أمُّ عمارة.

 أسلمتْ - رضي الله عنها- وحضرتْ ليلة العقبة، وبايعت رسول الله، وشهدت أُحُداً، والحُديْبية، وخَيْبر، وحُنَيْناً، ويوم اليَمامَة.

 جهادها يوم أحد

 شهدتْ أُحداً مع زوجها غُزّية ابن عمرو، وابنيها تريد أن تسقي الجراح، ولما مالتْ كفّة المعركة تجاه المشركين انحازتْ إلى رسول الله وبدأتْ القتال دفاعاً عن رسول الله ﷺ بالسّيف، وترمي بالقوس وجرحتْ اثني عشر جرحاً ما بين طعنة برُمحٍ، أو ضربةً بسيفٍ، وقد أعجب رسول الله ﷺ بأمّ عمارة وجعل يقول: ومن يطيق ما تطيقين يا أمّ عمارة. 

وعندما انتقمت من قاتل ولَدها قال لها النبي الكريم: الحمد لله الذي ظفَّرك وأقرّ عينك من عدِّوك وأراكِ ثأرك بعينِك.

 جهادها يوم اليمامة.

 شاركتْ أمُّ عمارة جيش المسلمين يوم اليمامة بسقايةٍ، وتضميد جراح المجاهدين، كما قاتلتْ في ذلك اليوم حتى قُطعتْ يدها، إضافةً إلى أنّها جرحتْ أحد عشر جرحاً أيضاً. 

روايتها لحديث الرّسول الكريم .

 قالتْ أمُّ عمارة رضي الله عنها: إنّها حضرتْ النبي ﷺفسمعته يقول: «الصائم تصلي عليه الملائكة حتى يفرُغ أو قال يشبَع»  وقالتْ أيضاً كانتْ الرجال تضع يدها على يديْ رسول الله ﷺ مبايعة ليلة العقبة، والعّباس أخذ بيد رسول الله، فلما بَقيتُ أنا وأمّ منيع نادى زوجي غزيّة بن عمرو : يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا تبايعنك، فقال: قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه إنّي لا أصافح النساء. 

منزلتها لدى الصحابة

شوهد الصدّيق أبو بكر مرةً يأتيها ويسأل عنها، ويوصي بها وهو يومئذٍ خليفةُ، كما كان عمر بن الخطاب مرةً يزورها ويُكرِمها وقال عنها : سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم أحد ما التفتُّ يميناً ولا شمالاً إلَّا وأنا أراها تقاتل دوني...

. دعاء النبي لأمّ عمارة وأهل بيتها :

 كان رسول الله  ينظر إليها مبتسماً وهي تقاتل، ورأَى جرحها على عاتقها فقال لولدها : أمّك .. أمّك، اعصِب جرحها بارك الله عليكم من أهل البيت مقام أمّك خير من مقام فلانٍ وفلانٍ رحمكم الله أهل البيت وقالتْ أمُّ عمارة: ادعُ الله أن نُرافقك في الجنَّة يا رسول الله فقال: اللّهم اجعلهم رفقائي في الجنة، عندها قالت: لا أُبالي ما أصابني من الدنيا . رضي الله عنها. 

محمد مصطفى ناصيف

من مشاهد الهجرة الخالدة.

الأُخوة الصادقة

لكلّ أمةٍ من الأمم تاريخ يحدّد مسارها، ويحفظ لها أيّامها، ورجالها وقادتها. ويذكرِّها دوماً بأمجادها، وأيام عزّها، وأسباب نهضتها .

  وحتى العام السابع عشر أو الثامن عشر من الهجرة، لم يكن للإسلام تاريخٌ خاصّ يضبط الوقائع والأحداث، حتى رُفع إلى أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه- صكٌّ: أي حُجّة لرجلٍ على آخر.  أنّه يحلُّ عليه في شعبان ..... فقال عمر رضي الله عنه: أيُّ شعبانٍ، أشعبان هذه السّنة أم السنة الآتية ؟ ثم جمع الصّحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرّفون به حلول الديون وغيرها، واتّفق الصحابة معه على التارّيخ بالهجرة، وذلك لما لها من أثر عميق في مسار الدّعوة الإسلامية، وقيام دولتها .

 كما أنّها كانتْ فارقاً بين عهدين: عهد كان المسلمون فيه بمكّة قلةٌ مستضعفة، يُعتدَى عليهم فيصبرون ويُسامون سوء العذاب فيحتسبون لا يستطيعون أن يؤدوا شعائر دينهم علانية ولا أن يمارسوا حقوقهم كسائر البشر. 

 كانت الهجرة فارقاً بين ذلك العهد، وبين عهدٍ أصبح المسلمون فيه سادة أنفسهم: يعبدون الله جهرةً، ويمارسون حقوقهم بكلِّ حريةٍ، بل وينشرون دين الله ونوره في الأرض. 

المؤاخاة

 وما أكثر الدروس والفوائد التي يمكن أن نتعلمها من حدث الهجرة المباركة التي حولت وجه التاريخ وغيّرتْ حياة البشريّة، غير أنّنا في هذا المقال، نُركّز على نقطة واحدة، نرى أنّها تكتسب أهمية خاصة في هذا العصر الذي طغتْ فيه المادّية، وسادتْ الأثرة والأنانيّة، واندثرت -أو كادتْ- قيم التكافل والحب والإيثار.

 وهل كان يَتصّور بشرٌ أن يرث المُهاجري الأنْصاري دون ذوي رحمه؟ نعم.. هذا ما حدث وكان ذلك نتيجة المؤاخاة التي عقد أواصرها رسول الله بين أصحابه الكرام حتى نزل قول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[ الأنفال: 75]

. قال محمد بن إسحق: وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا - ونعوذ بالله أن نتقوّل عليه ما لم يقل - تآخوا في الله أخوين أخوين.

 وقد سجّل القرآن العظيم هذا المشهد الرائع للأخوة في أسمى معانيها فقال:﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ الحشر: 9]

  يقول صاحب الظّلال يرحمه الله:وهذه صورةٌ وضيئةٌ صادقةٌ تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار هذه المجموعة التي تفردت بصفات وبلغت أفاقاً. لولا أنها وقعتْ بالفعل لحسبها الناس أحلاماً طائرةً ورُؤى مجنَّحةً، ومُثلاً عُليا قد صاغها خيالٌ محلِّق .

.... ولم يعرف تاريخ البشرية كلّه حادثاً جماعياً كحادثِ استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحبّ الكريم، وبهذا البذل السخيّ، وبهذه المشاركة الرّضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليُروَي أنّه ما نزل مُهاجريٌّ على أنصاريٌّ إلّا بقرعة، لأنّ عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين.

 نفائسٌ إنسانيةٌ

 لقد أظهرت الهجرة نفائس إنسانية رائعة وقدمت نماذج بشرية سامقة، وكشفتْ عن رجال ما كان لهم أن يَظهروا لولا عظمة الإسلام وتربية رسول الإسلام . 

لقد قَدَّم المهاجرون كلّ ما لديهم من مال وديار طيبة بها نفوسهم زهداً في الدنيا، ورغبة فيما عند الله تعالى، وقدَّم الأنصار كل ما لديهم من مال وديار لإخوانهم المهاجرين إيثاراً على أنفسهم فاستحقوا . عن جدارة. أن يسجِّل لهم القرآن هذا الموقف الرائع النبيل في آياتٍ كريماتٍ، فقال سبحانه عن المهاجرين الفقراء﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر ۸) وقال سبحانه عن الأنصار، ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[ الحشر: 9]. 

كما سجل عن هؤلاء وأولئك إيمانهم الحق الذي لا ريب والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ﴿ووَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[ الأنفال: 74]

وبهذا جسد المسلمون الأوائل . عملياً . مبدأ التكافل الاجتماعي الذي يعد دعامة مهمة من دعامات النظام الإسلامي.

 يقول د. محمود أبو السعود في مقدمة ترجمته لكتاب الإخوان المسلمون .. لريتشارد ب ميتشل متحدثاً عن التكافل الاجتماعي، كأحد الأسس الثلاثة للنظام الإسلامي الاجتماعي . وهي الفردية المتساوية والتكافل المتكامل والنظام المطرد . أما الصفة الثانية فهي التكافل الاجتماعي بشتى معانيه، فالإسلام يفرض على المسلم أن يعين أخاه مادياً ومعنوياً، وليست الزكاة وهي حق الله في المال. إلا صورة من صور هذا التكافل، وإن الفقيه الظاهري الإمام ابن حزم ليلزم المجتمع بكفالة الفرد حتى يجد ما يحتاجه من مأكل وملبس ومسكن وما من وعمل ودابة وآيات القرآن وأحاديث الرسول ، الأمرة بهذا التكافل والنادية إليه كثيرة مشهورة ... ولست أتصور أي مجتمع مسلم حقيق بإسلامه يغفل ما يفرضه هذا الدين من أحكام توجب تكافل الأفراد. المجتمع التربوي

توفيق علي 

سُنّة الله في الأمم الهالكة والنّاجية

القرآن الكريم يؤكِّد أنّ الذنوب سبب استئصال الحضارات

 لله سننٌ في الكون لا تحابي أحداً من العالمين. فله سبحانه سنة الأمم الناجية، ونبدأ بالحديث عن الهالكة، فقد أوضح القرآن الكريم في كثير من آياته أنّ الذنوب سبب استئصال الأمم، قال تعالى في سورة آل عمران     ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ الأنفال: 52]

  بذنوبهم و قال تعالى في سورة الأنعام:﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾[ الأنعام: 6]

 وقال تعالي في سورة العنكبوت﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

[ العنكبوت: 40] وقال تعالى في سورة الشمس﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾

[ الشمس: 14]. 

وأَخْذُ الله - عزّ وجَلّ . الأمم بذنوبها حقيقة ينساها البشر حين يمكِّن الله لهم في الأرض ينسَون أنّ هذا التّمكين إنّما تمّ بمشيئة الله ليبلوهم فيه: 

أيقومون عليه بعهد الله وشرطه من العبودية له وحده والتلقّي منه وحده . بما أنّه صاحب المُلك وهم مستخلَفون؟

 أم يجعلون من أنفسهم طواغيت تدّعي حقوق الألوهية وخصائصها ويتصرّفون فيما استُخلِفوا فيه تصرُّف المالك لا المُستخلَف؟ 

إنّها حقيقة ينساها البشر إلّا من عصم الله . وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط  الاستخلاف، ويمضون على غير سنة الله، ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويداً رويداً وهم ينزلقون ولا يشعرون ... حتى يستوفي الكتاب أجله و يحق وعد الله.. ثم تختلف أشكال النهاية.

 مرّة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال . بعذابٍ من فوقهم، أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثيرٍ من الأقوام (قوم نوح). .

 ومرة يأخذهم بالسنين، وينقص الأنفس، والثمرات. .

ومرة يذيق بعضَهم بأس بعضٍ، فيعذبُّ بعضهم بعضاً، وهكذا تمشي دورة السنة الإلهية. والسّعيد من وعى أنّها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه والشقي من غفل عن هذه الحقيقة وظن أنه أوتيها بعلمه أو بحيلته!

 وهذه السنة تجري على الأفراد والأمم والجماعات. 

وإنه لمِمَّا يخدع الناس أنْ يرَوا الفاجر الطّاغي، أو المستهتر الفاسد، أو الملحد الكافر ممكّناً له في الأرض، غير مأخوذ من الله.. ولكن الناس إنّما يستعجلون إنّهم يرون أوّل الطريق، أو أوسطه، ولا يرون نهاية الطريق فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة، ويحسبونه نهاية الطريق.

 سنة الله ماضية لا تُقاس بعمر الفرد أو الأجيال 

فالذُّنوب تُهلك أصحابها. كما تُقرِّر ذلك الآيات القرآنية، وهذه سنة ماضية ولو لم يرها فرد في عمره القصير، أو جيل في أجله المحدود ولكنّها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب.

 قاعدة وسنة

إنّ الله - عز وجل . ما كان ليُهلك أمة بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد 

: كما أهلك قوم شُعَيب ببخسِ الِمكيال والميزانة، وقوم لوطٍ باللُّواط. 

وهكذا ..... ودلّ ذلك على أنّ المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك وإن كان عذاب الشرك في ا الآخرة أصعب.

 فعادٌ أخذهم حاصب وهو الريح الصرصر تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم.

 وثمود : أخذتهم الصيحة.

 وقارون: خسف به وبداره الأرض.

 وفرعون وهامان: أُغرِقا في اليَمّ 

 وذهبوا جميعاً مأخوذين بظلمهم.

.﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾( هود: 117  )

 ثانياً : سنّة الله في الأمم النّاجية 

المُصلحون هم صمام الأمان من الهلاك والخسف

 أخْذُ الأمم بذنوبها حقيقة ينساها البشرحين يمكَّن لهم

 هذه الآية تكشف عن سنّةٍ من سنن الله في الأمم.

 قال ابن كثير - رحمه الله .. أخبر تعالى أنّه لم يُهلِك قريةً إلّا وهي ظالمة لنفسها، ولم يؤتِ قرية مُصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمون.

 وقال سيد قطب - رحمه الله .... فالأمّة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله في صورة من صورِه، فيجد من ينهض لدفعه هم أُمم ناجية. لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير.

  فأمّا الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد. أو يكون فيها من يستنكر ولكنّه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإنّ سنة الله تَصدُق فيها إمّا بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال، والاختلال ! 

المصلحون.. صمام الأمان

 إن المصلحين الواقفين للظلم والفساد بكلّ صوره .. لا يؤدون واجبهم نحو ربّهم ودينهم فحسب. إنّما هم يحُولون بهذا دون أُمَمِهم وغضب الله واستحقاق النّكال والضياع. 

وهؤلاء إذا تُوُفِّي أحدهم تلقّته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة وبأنّه لا خوف عليه ولا حزن وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة.

 حتى نقي أنفسنا وأمتنا من الدمار والهلاك علينا بـ 

الإقلاع عن الذنوب المفسدة والتي يعمّ فسادها الأمم ( الظلم . الزنا ، اللواط . الربا . الحكم بغير ما أنزل الله ... إلخ) 

إفساح المجال للمصلحين والعلماء العاملين، فهم جهاز المناعة لجسد الأمة، إذا لم يقو فسوف يصيب الأمّة من الأمراض والأوجاع ما يؤدي إلى هلاكها ودمارها .

. محاربة الأقلام المأجورة التي تشهّر بالمُصلحين والعلماء العاملين، وتسعى إلى افتعال حرب بينهم وبين حكومتهم وشعوبهم ..

. قيام المصلحين والعلماء العاملين بواجبهم الدينيّ والوطنيّ، وعدم الالتفات إلى ما يفتعله العملاء والخونة ضدهم، والصبر على ما يصيبهم  من كيد ومكر وابتلاء والله معهم يؤيدهم وينصرهم 

... وسنة الله ماضية لا تجامل أحداً ولا تحابيه  ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾[ الأحزاب: 62]     عمرو بن ثابت .. من أهل الجنّة ولم يصلّ لله ركعة

 إنه الصحابيّ الشهيد عمرو بن ثابت الأشهلي الأنصاري.. خاله الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان- رضي الله عنهما- شقّ طريقه إلى الجنّة دون أن يصلي في الإسلام صلاة واحدة، فقد كان شاكّاً في الإسلام متردداً في قبوله والدخول فيه، وكان قومه من المسلمين يدعونه إلى الإسلام فيقول: لو أعلم ما تقولون حقاً ما تأخرتُ عنه، ثم جاءه الإسلام فنظر وتفكّر وتدبّر، فاهتدى، وشرح الله صدره للإسلام، وقذف في قلبه نور الإسلام والإيمان، وكان النبي أثناءها على أهبّة الخروج مع المسلمين إلى غزوة أُحُد لمحاربة قريش، فسارع ، عمرو بن ثابت الذي كان يُلقَّب ب الأُصَيْرِم، يحمل سلاحه، وتوجّه إلى رسول البشرية معلناً إسلامه وإيمانه وهو في طريقه إلى الجهاد عن الإسلام ونبيّه، وانتظم في صفوف المجاهدين، وكثيرون من صحابة النبي الكريم لا يعلمون بإسلامه، وهذه قصته :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنّة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه النّاس سألوه من هو فيقول: أُصَيْرِم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش، فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبَى الإسلام على قومه فلمّا كان يوم أُحُد وخرج رسول الله إلى أُحُد بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى القوم فدخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراح، فبينما رجال عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، قالوا: والله إنّ هذا الأُصَيْرِم، وما جاء به لقد تركناه وإنّه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به فقالوا: ما جاء بك يا عمرو أَحَدثاً على قومك أم رغبةً في الإسلام؟ فقال: بل رغبةً في الإسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمتُ، ثم أخذتُ سيفي فغدوتُ مع رسول الله ﷺ فقاتلتُ حتى أصابني ما أصابني، فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله فقال: إنّه من أهل الجنة (رواه أحمد وابن حجر في تمييز الصحابة . ٥٢٦/٢)

حوار مليء بالعظات والعبر بين عطاء بن رباح وعبد الملك بن مروان 

 اتقوا الله في أهل الثغور

 ما يحدث في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي  من مقاومة الباغي المحتل أمر يستحق منّا كل تقدير للذين يقومون بهذه المقاومة، فهم - بفضل من الله ونعمة- حصن الأمة المسلمين. أراد الله لهم أن يتحملوا عن الدفاع عن إسلامها وإيمانها، وأن يكونوا حصناً منيعاً يقف عقبة في وجه الحملة الاستعمارية الدائرة.

 إنّ هذه الفئة المؤمنة القليلة سِتَار القدرة ينفّذ الله . بهم ما يختار بإذنه، فيكون منهم ما بريده بإذنه، وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين.

 إنّهم عباد الله، يحققون قدر الله النافذ، ثم يكرمهم الله - بعد كرامة الاختيار - بفضل الثواب 

فماذا علينا تجاههم؟ .

 هل نقف متفرجين أمام ما يحدث؟ هل نساوي بينهم وبين غيرهم من المجرمين؟ هل نسينا الميثاق الذي أخذ على العلماء ؟ ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾

[ سورة آل عمران:  187 ]قال ابن كثير: هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم أي مسلك أهل الكتاب ، فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق عدة عن النبي ﷺ أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من ناره» 

 هل نسينا دور العلماء العالمون العاملون فيةتثبيت الفئة المؤمنة مع طالوت؟

﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ البقرة: 249]وهل نسينا منهج السلف في تثبيت المجاهدين والذب عنهم وتحريضهم وتشجيعهم في مقاومة الباطل وأهله؟

 وهل نسينا وصايا العلماء للأمراء بضرورة تقوى الله في أهل الثغور ؟

عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي ربّاح على عبد الملك بن مروان  وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه فقال يا أمير المؤمنين .

. اتقِّ الله في حَرَمِ الله وحَرَمِ رسوله فتعاهده بالعمارة. .

 واتقِّ الله في أولاد المهاجرين والأنصاروفإنّك بهم جلست هذا المجلس.

 واتقِّ الله في أهل الثّغور، فإنهم حصن المسلمين. وتفقَّد أمور المسلمين .فإنّك وحدك المسؤول عنهم.

واتقِّ الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم.

 فقال . عبد الملك بن مروان . أجل أفعل ثم نهض وقام.

 فقيّض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد إنّما سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها فما حاجتك أنت؟

 فقال: مالي إلى مخلوقٍ حاجة ثم خرج. فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف!

 إنّنا نعيش في مرحلة حرجة من التاريخ ينبغي لنا أن نؤدي واجبنا كاملاً غير منقوص بعد الاستعانة بالله، والاعتصام بكتابه وسنة نبيه ومستنيرين بهما ومنهج سلفنا الصالح..

 ونعتقد . والله أعلم بمراده . أنّ هذه مرحلة المخاض التي لابدّ لها من آلام شتّى ومتنوعة حتى يخرج الجنين صحيحاً مُعافَى، بعد إشراف ومتابعة الأطبّاء الحذاق، ويخرج قادراً على العيش وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكار.

. وهذا دوركم أيّها العلماء العاملون والمصلحون المجدون، فأعدّوا أنفسكم، وكونوا أنتم الأطبّاء الحُذَّاق ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[ يوسف: 21]                       

الرابط المختصر :