العنوان المجتمع التربوي (1645)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1645
نشر في الصفحة 52
السبت 02-أبريل-2005
آفات على الطريق
عقوق الوالدين «۲ من ۲»
الأسباب ووسائل العلاج
د. السيد محمد نوح(*)
- من أهم الأسباب سوء التربية، صحبة العاقين، والاستجابة لضغوط الزوج
ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات، حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجًا لها.
وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية، وأصدر فيها أكثر من مؤلف، وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها، ولم يسبق نشرها.
لعقوق الوالدين أسباب تؤدي إليه، وبواعث توقع فيه نذكر منها :
1- سوء التربية :
يتمثل سوء التربية الأسرية في التسمية القبيحة للولد، وإهمال تعليمه كتاب الله وسنة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وعدم تعريفه بفضل الوالدين وحقوقهما، وعواقب العقوق الضارة وآثاره السيئة.
(*) أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت
2- صحبة العاقين:
قدمنا غير مرة أثر الصحبة في تشكيل شخصية المرء، وانطلاقًا من ذلك: فإن المرء قد يجد نفسه في وسط من الأصحاب شأنهم عقوق آبائهم فيتأثر بهم، ويحاكيهم، ويصير عاقًا لأبويه مثل قرنائه.
3- وقوف العاق عند حاضره، والغفلة عن ماضيه:
قد يأخذ الله سمع العاق، وبصره، فلا يرى إلا ما تحت قدميه من أنه ابن الحاضر، أما الماضي المتمثل في حمله، وولادته، وإرضاعه ورعايته حتى بلغ أشده، واستقلاله بنفسه فينساه العاق، أو يتناساه، وإذا انتهت به الرؤية إلى هذه الحال، فأي باعث يحمله على بر هذين الأبوين صبرًا، وتحملًا، وإحسانًا؟! وأي مبرر يحمله على ترك عقوقهما في أي من صور العقوق وقد صوّر هذا أمية بن أبي الصلت حين عتب على ابنه يومًا، وقد امتنع من الإنفاق عليه لما كبر وشاخ، فقال مخاطبًا له:
غدوتك مولودًا وعلتك يافعًا *** تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشجو لم أبت *** لشكواك إلا ساهرًا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طرقت به دوني، فعيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنني *** لأعلم أن الموت حتم مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنتُ فيك أؤملُ
جعلت جزائي غلظة وفظاظة *** كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي *** فعلت كما الجار المجاور يفعل (۱).
4- الاستجابة لضغوط الزوجة:
ذلك أن الأبوين لا سيما الأم ينظران إلى زوجة الابن نظرة كراهية ونفور في الغالب، ظانين أن هذه الزوجة قد انفردت بالابن واستحوذت عليه دونهما، وكذلك الزوجة تريد أن يكون الزوج لها ولا نصيب للأبوين فيه، وقد تكون لها الحظوة عند الزوج فتفرض عليه الانقطاع عن أبويه، ويستجيب لها ويكون العقوق والعياذ بالله.
5- إهمال النفس من التفقد والمحاسبة:
قد يهمل المرء نفسه من التفتيش والتفقد والمحاسبة، ويجد أن هذه النفس انتهت به إلى عقوق الأبوين، وحرمانهما من حقهما في الرعاية والعناية ولو كان واعيًا، أو عاقلًا، لحاسب نفسه على كل صغيرة وكبيرة من أمره، لا سيما حقوق الأبوين.
6- تقصير المجتمع في القيام بواجبه نحو العاقين:
قد يقصر المجتمع في القيام بواجبه نحو العاقين من النصح والدعوة إلى التحرر من العقوق، بل الإلزام بذلك بالأسلوب المناسب، وأدناه الإنكار القلبي المتمثل في مقاطعة العاق ومحاصرته، حتى يجد نفسه فردًا تعطلت مصالحه، مما يؤدي إلى العقوق والقطيعة.
7- تقصير ولي الأمر في القيام بواجبه:
إذا قصر ولي الأمر في القيام بواجبه نحو العاقين بما منحه الله من سلطان، وقوة، فلم يوجه أو يرشد هؤلاء، ولم يخوف ويرهب، ولم يعاقب بالأسلوب المناسب، تكون العاقبة الاستمرار في العقوق والقطيعة.
8- نسيان أو تناسي عواقب العقوق:
قد ينسى أو يتناسى العاق عواقب العقوق الدنيوية، والأخروية، سواء على نفسه أو على العمل الإسلامي، وهي في مجملها التعاسة والشقاء في الأولى، والآخرة، فيتمادى في العقوق ويغرق فيه، وهكذا ينتهي نسيان أو تناسي العواقب إلى الاستمرار في العقوق والقطيعة.
9- قسوة الأبوين في معاملة الابن:
قد يرى الوالدان نفسيهما أصحاب قدرة وسلطان على الصغير فيقسوان عليه في المعاملة، ويشب الابن، وقد تكرست في داخله آفة الحقد، حتى إذا قوي عوده، واستوى على سوقه ردعته آفة الحقد إلى الانتقام، والثأر، وبعبارة أخرى إلى العقوق والعياذ بالله.
10- حب الدنيا والتنافس عليها:
قد يبتلى المرء بحب الدنيا، والتنافس عليها، وبمرور الزمن يصير أسيرًا أو عبدًا لها تلعب به وتوجهه كما تشاء، بل تنسيه واجبه نحو أبويه، وربما التفنن في إيذائهما، وإلحاق الضرر بهما.
ثانيًا: علاج عقوق الوالدين، والوقاية:
ويأتي بعد هذا البيان والتفصيل دور العلاج والوقاية، ويتلخص في:
1- أن يقوي العاق ملكة المراقبة لله لديه:
ذلك أن العاق إذا عرف ربه حق المعرفة، أيقن أن ربه الواحد الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه قد يعاقبه في الدنيا، أو يؤخر العقاب للآخرة، وخير له أن يقلع عن هذا العقوق، وأن يشفعه بالبر والإحسان من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.
2- أن يتعرف العاق ماهية العقوق وحقيقته:
ذلك أن العاق إذا أدرك ماهية العقوق وصوره، وحكمه، وأدلة هذا الحكم، وآثاره وعواقبه، والأسباب المؤدية إليه، وبلغ به هذا الإدراك حد اليقين، فإنه قد يقلع عن عقوقه، ويأخذ في التحلي بالبر والإحسان لوالديه، إذ من جهل شيئًا عاداه، ومن عرف شيئًا صادقه ووالاه.
3- أن يستل العاق نفسه من الوسط السيئ إلى وسط صالح:
على العاق أن يستل نفسه من الوسط السيئ الذي نشأ فيه، وقاده إلى العقوق إلى وسط نقي نظيف عارف بحقوق الوالدين، قائم بها عن طواعية ورضا فيتشكل سلوكه من جديد على أساس من البر والإحسان.
4- أن تتخلص الأسرة من رواسب الماضي المبني على العقوق، وتتحلى بنقيض ذلك:
ذلك أن على الأسرة التي عاشت العقوق فأفسدت أخلاق أولادها، وربتهم على هذا العقوق، أن تتخلص بكل الأساليب والوسائل من رواسب هذا العيش، وتفتح صفحة جديدة كلها بر وإحسان إلى الناس جميعًا خاصة الوالدين.
5- أن يحزم المرء أمره مع نفسه مشارطة ومراقبة ومحاسبة:
ذلك أن على المرء أن يكون حازمًا مع نفسه، فيخوفها حتى يتحرك فيها وازع الخير، وحين يتحرك هذا الوازع يشترط عليها ألا تعود إلى العقوق، وإن عادت فعقابها متعدد الأساليب متنوع المذاق، ثم يراقبها ليرى أتفي أم تغدر، وإن غدرت قام بعقابها، وتأديبها ويظل معها على هذه الحال حتى تتخلص من العقوق.
6- أن يتحرر الأبوان من القسوة:
إذا تحرر الأبوان من القسوة في معاملة الأولاد وعملا على التحلي باللين والرحمة، فإن لذلك أعظم الأثر في اقتلاع جذور الحقد من أغوار النفس وما يؤدي إليه من العقوق، ثم العمل على التحلي باللين والرحمة والشفقة وما تؤدي إليه من البر والإحسان بالأبوين.
7- أن يتحرر العاق من حب الدنيا والتنافس عليها:
ذلك أن المرء إذا أخرج حب الدنيا من قلبه وكسبها من حلال بلا ذل ولا هوان وأنفقها إنفاقًا وسطًا، وأدى الذي عليه فيها، فإن ذلك قد يحمله على أن يقدر فضل أبويه ومكانتهما، والجهد الذي بذل في التنشئة والتربية، فيتخلص من القطيعة والعقوق، ويتحلى بالبر والإحسان.
8- ألا يستجيب العاق لضغوط الزوجة:
ذلك أن على العاق أن يفهم زوجته أنه ليس له أن يكرهها على بر والديه، وليس لها كذلك أن تمنعه من طاعة والديه والبر بهما والإحسان إليهما، لما لهما عليه من عظيم الفضل والمعروف، وأنه لو جاملها فقطع أبويه للزمه العقاب إن في الدنيا، وإن في الآخرة وإن فيهما جميعًا، وأنها لن تنفعه بشيء يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وأنه لو عرض عليه يوم القيامة أن يفدي نفسه لفداها بملء كنوز الأرض ذهبًا.
9- أن يتذكر العاق نعمة الأبوين عليه:
ذلك أن المرء إذا عرف مقدار الجهد الذي بذله الأبوان في التعليم والتربية والرعاية، والسرور لفرحه، والبكاء لحزنه، وانشغال البال عليه حتى بلغ الأشد، واستقل بنفسه، إن عرف ذلك معرفة حقيقية، فإنه يرجى أن يتخلص من العقوق وأن يتحلى بالبر والإحسان.
10- أن يقوم المجتمع بواجبه نحو العاقين:
من خلال بذل النصيحة والدعوة إلى التخلي عن العقوق، فإن استجاب المرء فبها ونعمت، وإلا اتخذ خطوات عملية أدناها الإنكار القلبي المتمثل في المقاطعة والحصار، حتى يشعر العاق أن مصالحه تعطلت وأنه صار منبوذًا لجريمته النكراء من كل أبناء المجتمع.
إن العاق إذا شعر بذلك، ربما حمله هذا على التحرر من العقوق.
11- أن يقوم ولي الأمر بواجبه نحو العاقين:
يتلخص واجب ولي الأمر نحو العاقين؛ بترهيبهم من العقوق وترغيبهم من البر، وإذا لم ينجح هذا الأسلوب، فليكن العقاب الفعلي الذي يتناسب مع نوع العقوق.
ويقيني أن الإمام حين يستخدم سلطانه مع السير على نفس الخطوات التي مضى الحديث عنها أنفًا، فإن ذلك سيكون له دور كبير في القضاء على العقوق أو على الأقل تضييق دائرته.
12- أن ينعم العاق النظر في سير العاقين لآبائهم، والبارين بهم:
ذلك أن النظر في سير الماضين الصالحين والطالحين غالبًا ما يكون له أثر واضح في مراجعة المرء نفسه، بحيث يحملها على التطهر من الرذيلة والتحلي بالفضيلة.
ودونك بعض صور البر:
«عن محمد بن المنكدر المتوفي سنة ثلاثين ومائة: أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي». (۱)
و «عن منصور بن المعتمر أن ابن هبيرة حبسه شهرًا يريده على القضاء، فأبي فصاحت به امه يومًا، وكان جالسًا في منزله وكانت فظة عليه تقول له: يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبي، فما رفع طرفه إليها». (۲)
و «عن كَهمس بن الحسن التميمي البصري المتوفى سنة تسع وأربعين ومائة: أنه أراد قتل عقرب، فدخلت في جحر فأدخل أصابعه خلفها، فضربته فقيل له: قال: خفت أن تخرج فتجيء إلى أمي تلدغها».(۳)
و «عن عبد الله بن عون المزني البصري المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائة: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين». (٤)
و «عن محمد بن بشار الملقب بندار المتوفى سنة ثنتين وخمسين ومائتين: قال: أردت الخروج يعني الرحلة في طلب الحديث فمنعتني أمي، قاطعتها برًا بها، فبورك لي فيه». (٥)
و «كان أحمد بن علي بن مسلم المعروف بابن الآبار المتوفى سنة تسعين ومائتين من أزهد الناس، واستأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة فلم تأذن له، ثم ماتت فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ إحدى ولايات أفغانستان، وقد مات قتيبة، فأخذ الناس يعزونه على هذا -يعني لوفاة قتيبة دون أن يسمع منه- فقال : هذا ثمرة العلم إني اخترت رضا الوالدة». (٦) يعني أن العلم حمله على بره أمه، وهو فرض على الرحلة، وهي نافلة.
و «عن حفصة بنت سيرين قالت: كانت والدة محمد حجازية، وكان يعجبها الصبغ وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى إليه ما يجد، فإذا كان عيد صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها». (۷).
الهوامش:
(۱) انظر: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ۱۹۱/۲
(۲) تهذيب سير أعلام النبلاء ٤٩٦/١
(۳) المرجع السابق ٥٠٥/١
(4) المرجع السابق ٥٤١/٢
(٥) المرجع السابق ٥٤٤/٢
(٦) المرجع السابق، ۸۷۷/۲
(۷) المرجع السابق ۹۸۹/۲
من أسرار سورة المائدة «٢من4»
تشريعات إسلامية
د. زغلول راغب محمد النجار (*)
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 60)
تضمنت سورة المائدة، الكثير من الأحكام والتشريعات، لاسيما المتصلة بالعقود والأطعمة والزواج وغيرها، ومن هذه الأحكام:
1- الوفاء بالعقود، أي العهود المؤكدة بين العباد وخالقهم وبينهم وبين بعضهم البعض، ومن الصنف الأول التكاليف الشرعية من مثل شهادة أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله ﷺ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
ومن الصنف الثاني ما يعقده الناس فيما بينهم من عقود المعاملات بمختلف أشكالها، والأمانات بمختلف صورها، وهذه كلها مما يجب شرعًا الوفاء بها، أي الإتيان بها وأداؤها وافية غير منقوصة.
(*) زميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم
2- تحليل أكل لحوم الأنعام وشرب ألبانها إلا ما حرم الله -تعالى- منها كالخنزير، ولفظة الأنعام يطلقها العرب على كل من الإبل والبقر والغنم والماعز، وإن كان أكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، وألحق بها في حل الأكل ما يماثلها من الثدييات اللبونة المقتصرة على أكل الأعشاب كالظباء والغزلان والزراف، وبقر الوحش، وأشباهها، ولفظ البهيمة في التعبير القرآني «بهيمة الأنعام» هو اسم لذوات الأربع من الدواب.
3- تحريم الصيد على المحرم، وتحريم مجرد الانتفاع به سواء كان المحرم في الحل أو في الحرم، واعتبار من كان مقيمًا في الحرم وليس محرمًا في حكم المحرم، وتحديد كفارات ذلك.
4- تعظيم حرمة الدين وشعائره والكعبة المشرفة وحرمتها وكل من الحج والعمرة ومناسكهما، والأشهر الأربعة الحرم، والامتناع عن الاقتتال فيها، وتعظيم حرمة ما يهدى إلى البيت الحرام، وما يقلد به الهدي، وحرمة الحجاج الأمنين وأمنهم وسلامتهم.
5- الأمر بالتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الإثم والعدوان، أي التعاون على فعل الطاعات واجتناب المنكرات والمنهيات، ومنها مجاوزة حدود الله تعالى.
6- تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة، والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع «إلا ما أدرك ذكاؤه؛ أي إتمام ذبحه قبل أن يموت»، وما ذبح على النصب «وهي أحجار كانت تعظم في الجاهلية، ويذبح عليها وهي غير الأصنام» إلا من اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم.
7- تحريم الاستقسام بالأزلام، أي محاولة استشراف المستقبل بواسطة القداح، وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية لا تختلف كثيرا عن غيرها من وسائل الدجل المعاصرة من مثل قراءة الطالع أو الفنجان، أو فتح أوراق اللعب وغيرها، لأن ذلك كله خروج عن طاعة الله، ومدخل من مداخل الشياطين.
8- تحريم خشية المسلم لغير الله، خاصة من كان منهم من أهل الكفر والشرك والضلال، فهم أضعف من الضعف مهما بدا لهم من قوة مادية وذلك لمبارزتهم الله بالمعاصي، ولغضب الله -تعالى- وسخطه عليهم، ومن سخط الله عليه فإنه لا ينصره أبدًا، ومن كان في جوار الله كان الله في جواره، ومن بارز الله بالمعاصي كان الله -سبحانه وتعالى- حربًا عليه.
9- أحل اللهً-تعالى- للمسلمين كل الطيبات من الطعام، وهو ما أذن الله بأكله، بما في ذلك صيد البحر، وطعامه وصيد البر غير المحرم، بعد ذكر اسم الله -تعالى- على وسيلة الصيد من الجوارح قبل إطلاقها، كذلك أحل الله سبحانه وتعالى لعباده المسلمين ذبائح أهل الكتاب وطعامهم، إذا كانوا قد ذكروا اسم الله عليها أثناء الذبح، وحرم ربنا -تبارك وتعالى- كلًا من الخمر والميسر، والأنصاب، والأزلام، واعتبرها رجسًا من عمل الشيطان يجب اجتنابه.
10- أحل الله -جلت قدرته- للمسلمين الزواج بالمحصنات من المسلمات وبالمحصنات من أهل الكتاب، أي العفيفات المترفعات عن الرذائل، وذلك بالطرق الإسلامية المشروعة بعد دفع مهورهن، وعدم الاختلاء بهن قبل الزواج، بدعوى حسن التعرف كما يجري اليوم.
11- فصلت الآيات في سورة المائدة أحكام الطهارة في جميع الحالات، وأمرت بطاعة الله ورسوله، وبعمل الصالحات، وبالإحسان إلى الخلق، وبضرورة الحكم بما أنزل الله، وبالعدل في كل الأمور، وبتقوى الله -تعالى- في السر والعلن، وبالتوكل على الله حق التوكل، وبابتغاء الوسيلة إليه، والجهاد في سبيله ونهى عن الاعتداء على الآخرين، وحرمت القتل بغير الحق تحريمًا قاطعًا وأنزلت حكم القصاص، كما حرمت قطع الطريق وحددت عقوبته، وحرمت السرقة وحددت عقوبتها، ونهت عن أكل السحت بمختلف أشكاله وفي مقدمته الربا، وأنزلت أحكام الولاء والبراء، وحكم الردة، وحكم الحنث في اليمين، وحكم الوصية ساعة الاحتضار أو قبل ذلك.
الوسطية «عنوان» منهجية الإسلام «من 2»
المنهجية والآلية
د. فتحي يكن (*)
(*) كاتب ومفكر إسلامي لبناني.
تناولنا في العدد الماضي بعض ملامح الخطوط الكبرى لخريطة العمل الإسلامي من ناحيتي المبادئ والأهداف، وفي هذا العدد نتحدث عن أهم تلك الملامح في المنهجية والآلية.
ثالثًا: في المنهجية
1- «الوسطية» عنوان منهجية الإسلام كما هي محتواه بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (الْحَجِّ: 78) وما ورد: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما»(۱) وقوله ﷺ: «خير الأمور أوسطها»(2).
2- التطرف والعنف والغلو ليس من الإسلام في شيء، الخطاب القرآني، كما الخطاب النبوي، هما خلاف ذلك.. ففي الخطاب القرآني قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وقوله ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ﴾ (النحل: ١٢٥)، وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ۱۸۳)، وفي الخطاب النبوي قوله ﷺ: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» (۳)، وقوله ﷺ: «إن هذا الدين شديد فأوغلوا فيه برفق»، وقوله ﷺ: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» (٤)، وفي رواية: «وما شاد الدين أحد إلا غلبه»، وقوله ﷺ: «خذوا من الأعمال ما تطيقون» (٥).
3- «المرحلية» خيار لازم في منهجية العمل الإسلامي، بل سنة إلهية لا مناص من اعتمادها والأخذ بها، بدليل رفضه الدائم للتعجل ودعوته للتأني من خلال قوله ﷺ: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» (٦).
4- الأخذ بمبدأ الأداء الحسن، واعتماد الجودة في الممارسة والعمل والخطاب، بدليل قوله ﷺ: «إن الله يحب من العامل إذا عمل العمل أن يتقنه» (۷) وقوله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (٨).
5- الإسلام أجاز ممارسة الإرهاب في الحرب فقط، ومع المحاربين من أعداء المسلمين وليس مع المسلمين بحال، وضد الدولة المحاربة والفئات التي تقاتل المسلمين فحسب، ولم يجزه فيما سوى ذلك حتى مع غير المسلمين الذين عناهم الله بقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَـمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَـمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8)، فكيف بممارسة الإرهاب ضد المسلمين أنفسهم! وقد حذر الرسول ﷺ من مجرد ترويعهم فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروعن مسلمًا».
رابعًا: في الآلية
1- الأخذ بالأسباب كاملة والإعداد والاستعداد في مختلف الجوانب، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ﴾ ( الأنفال: ٦٠).
2- الحرص على الأخذ بوسائل العصر وأسباب القوة وبذل الجهد المستطاع في ذلك، وليس بما تيسر وسهل من أسباب وسائل الإعلام ووسائل الاتصال ووسائل البرمجة، والأرشفة، والمسح، والإحصاء.
3- الحرص على اختزان هذه الأسباب وعدم استهلاكها، والبعد بها عن سياسة العرض والاستعراض، وذلك بدليل قوله ﷺ: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان»، وفي رواية: «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان» (۹).
4- «الداعية» هو آلية العمل الأهم، ويقع في مقدمة الأولويات، ونجاح الأسباب الأخرى مرهون بتوافر الداعية الناجح، وملاحظة أن إخفاقات وتداعيات العمل الإسلامي مردها إلى الفشل في إعداد الدعاة ملاحظة ضرورة تنظيم دورات تخصصية في كل مجالات العمل التربوية والدعوية والخيرية والسياسية، والنيابية، والبلدية، والنقابية.
5- كل حركة إسلامية هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، وهي عرضة للخطأ، وما لديها يؤخذ منه ويرد عليه، والتزامها منهج النبوة، واعتمادها التخطيط والتنظيم والانضباط سر نمائها ونجاحها وغلبتها، وهو العمود الفقري في آليتها الحركية.
6- القدوة الحسنة مفتاح التوفيق، وسر نجاح كل الخطى والأسباب والآليات والحركة التي لا تترجم مبادئها واقعًا، ولا يعيش أفرادها الإسلام سلوكًا وعملًا، لن يكتب لها النجاح بالغة ما بلغت قوتها وتعاظم شأنها، لأن مآلها إلى الانكسار والاندثار.
7- المال هو العصب الأساس في آلية العمل والسبيل الوحيد لامتلاك أسباب القوة، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والطرق التي تؤدي إلى الحصول عليه واستثماره وتنميته يجب أن تكون في منأى عن أية شبهة أو علامة استفهام.
8- الهيكليات الإدارية والمناهج التربوية والخطط والمخططات هي ثمرة جهد مرحلي وناتج اجتهاد وفقه آني ظرفي، ولكل مرحلة فقهها التنظيمي والإداري والتربوي والسياسي، ومراجعة كل ذلك واجبة لتحقيق تقدم العمل وتطويره ولا مناص منه ولا غضاضة فيه.
9- القيادة قوام نجاح العمل والشورى إعلامًا وإلزامًا هي شرط نجاح القيادة وتوفيقها وسدادها وسلامة الجسم من سلامة الرأس، كما أن صلاح القاعدة من صلاح القيادة وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: «صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء».
10- التطوع في العمل الإسلامي هو الأصل والأساس، وعلى الجميع واجب الانخراط فيه لاعتباره من التكاليف الشرعية والتفرغ يجب أن ينشأ مؤسسيًا.
11- العمل الجماعي الناجح يجب أن يكون مؤسسيًا، والمؤسسة آلية من آليات العمل وليست هدفًا من أهدافه واستراتيجية الحركة يجب أن تحتضن وتستوعب بتناغم وتفاهم وعدم تضاد وتناقض كل الأجيال، وكل التخصصات، وبخاصة المؤسسات التي أنشأتها كي لا تصبح ضرارًا أو ندا لها .
الهوامش:
(1) رواه البخاري.
(2) رواه البيهقي.
(3) رواه البخاري.
(4) رواه أحمد.
(5) رواه البخاري.
(6) رواه أحمد والبزار
(7) رواه البيهقي.
(8) رواه أحمد في مسنده
(9) رواه الطبراني وابن ماجه