العنوان المجتمع التربوي (1649)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2005
مشاهدات 97
نشر في العدد 1649
نشر في الصفحة 54
السبت 30-أبريل-2005
آفات على الطريق
د. السيد محمد نوح ([1])
ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات، حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجًا لها.
وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف، وهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.
قطيعة الرحم «۲ من ۲» أسبابها ووسائل علاجها:
تناولنا في العدد الماضي مظاهر قطيعة الرحم وآثارها، ونتناول في هذا العدد أسبابها ووسائل علاجها.
أولًا: أسباب قطيعة الرحم:
هناك أسباب تدفع إلى قطيعة الرحم، وبواعث تحمل عليها، نذكر منها:
- تعطيل شرع الله لا سيما الجهاد: ذلك أن إعمال شرع الله لا سيما الجهاد، يكون سببًا في توظيف طاقات كل فرد من أفراد الأمة، بحيث تختفي الجريمة، ويكون الترابط والوحدة، وعلى العكس فإن تعطيل شرع الله ولا سيما الجهاد يؤدي إلى شيوع الجريمة، ومنها الخصومات، وقطيعة الرحم، وصدق الله الذي يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22).
- إساءة ذوي الأرحام مع الحرص على المقابلة بالمثل: ذلك أن صنفًا من الناس إذا اعتدي عليه يحرص على المعاملة بالمثل متمثلًا قوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40)
- وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194).
وعليه فمن لقي من رحمه إساءة، فإنه يحرص على مقابلة هذه الإساءة بمثلها، وهذه هي قطيعة الرحم.
- الغفلة عن قيمة الرحم وفضلها: ذلك أن للرحم قيمة كبيرة، وفضلًا عظيمًا عند الله حسبنا أنها:
- سبب في صلة الله للواصل، وقطيعته للقاطع.
- وسبب في سعة الرزق وبركة العمر وعمران الديار.
- وسبب في قبول العمل، ودخول الجنة.
- وسبب في أن الصدقة عليها صدقة وصلة.
- وعلامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
- وسبب في حفظ حرمة الواصل، وهيبته وكرامته.
- وسبب في راحة البال، وطمأنينة القلب.
- وسبب في الدعاء بالخير بظهر الغيب.
- وسبب في الحماية من ميتة السوء.
- وسبب في تكفير الخطايا، ومحو الذنوب،
- وسبب في الظفر بأعلى الدرجات في الجنة، وهكذا.
ومن غفل عن هذه الفضائل، وتلك القيمة فإنه يتورط لا محالة في قطيعة الرحم، لأن من جهل شيئًا عاداه، كما قال الله عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس: 39).
- سوء التربية: قد يربى المرء تربية سيئة قوامها نسيان ذوي الأرحام، بل إيذاؤهم بكل ما تتضمنه كلمة إيذاء، فلا تتولى الأسرة التعريف بذوي الأرحام، وفضلهم، ومكانتهم، كما لا تحرص على صلتهم بأي من صور الوصل، وينشأ المرء حينئذ وليس في ذهنه شيء اسمه الأرحام، وضرورة صلة هذه الأرحام.
- عدم قيام المجتمع بواجبه نحو قاطعي الرحم: قد لا يقوم المجتمع بواجبه نحو قاطعي الرحم من النصح والوعظ والإرشاد ومحاولة الإصلاح، والإنكار القلبي المتمثل في المقاطعة والحصار، بحيث شعر كل قاطع رحم بأن مصالحه في خطر.
قد لا يقوم المجتمع بهذا الواجب، وحينئذ يتجرأ من يريد قطيعة رحمه، لأنه لا يرى أمامه من يقاومه، ويرده عن غيه وباطله.
- عدم قيام ولي الأمر بواجبه نحو قاطعي الرحم: كما أنه قد يقصر ولي الأمر في القيام بواجبه نحو قاطعي الرحم من النصح والوعظ والإرشاد، والإصلاح، مستخدمًا الترغيب والترهيب، حين يقصر ولي الأمر في القيام بهذا الواجب، فإن كل قاطع رحم سيتجرأ على هذه القطيعة، والتمادي فيها، وصدق عمر وعثمان y في قولهما: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».
- عدم الاطلاع على أحوال القاطعين أرحامهم في الماضي والحاضر: ذلك أن السعيد من وعظ بغيره، وذلك يقتضي معرفة النتائج التي جناها غيره في الماضي والحاضر من وراء قطيعته لرحمه، ومن لم يحرص على معرفة هذه النتائج، وتلك الأحوال، فإنه يتورط في قطيعة الرحم والتمادي فيها إلى حد الخسارة والبوار.
- الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على قطيعة الأرحام: قدمنا أن لقطيعة الأرحام آثارًا ضارة، وعواقب وخيمة على العاملين، وعلى العمل الإسلامي، ومن غفل عن هذه العواقب وتلك الآثار سيتورط -لا محالة- في قطيعة الأرحام، ويتمادى فيها تماديًا لا يردعه خوف عاقبة، أو تقدير أثر.
ثانيًا: علاج قطيعة الرحم:
يمكن علاج قطيعة الرحم والوقاية منها باتباع الخطوات التالية:
- تطبيق شرع الله في الأرض: إن تطبيق شرع الله في الأرض من لدن: لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق سيجعل كل طاقات الأمة، والمجتمع في شغل دائم، بحيث لا تبقى أي لحظة فراغ يمكن أن يستغلها شياطين الإنس والجن في نشر الجريمة والإغراء بقطيعة الرحم، وذلك هو المفهوم من قوله سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22).
- مقابلة إساءة ذوي الأرحام بالإحسان: لقد علمنا الله في كتابه أن مقابلة الإساءة بالإحسان تحول الأعداء إلى أصدقاء والمتنافرين إلى متألفين متحابين، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 3٤- ٣٥). وعليه فإن المرء إذا لقي من ذوي رحمه إساءة، وأراد العلاج بل الوقاية، فليحرص على مقابلة هذه الإساءة بالإحسان المتمثل في صلة هؤلاء الأرحام.
وقد نبه النبي لذلك بقوله: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» ([2]). (من أفراد البخاري على مسلم)
- تذكر المرء قيمة صلة الرحم وعواقب القطيعة: مر بنا قيمة صلة الرحم وفضلها، كما مر بنا كذلك عواقب القطيعة.
والعلاج بل الوقاية، يقتضيان أن يذكر القاطع على الدوام فوائد صلة الأرحام وعواقب قطيعتها سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي، وصدق الله الذي يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)، والذي يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9).
ودوام التذكير قد يكون سببًا في الإقلاع عن القطيعة، والتحلي بالصلة.
- تربية المرء على الترغيب في صلة الأرحام، والترهيب من القطيعة: المرء بطبيعته ينسى، وعلاج النسيان التذكير والمعايشة، والأخذ بالأيدي للتنفيذ، والتطبيق وعليه فإنه قاطع الرحم في مسيس الحاجة إلى من يعايشه، ويأخذ بيده نحو صلة الأرحام، بل إن الواصل لا غنى له عن هذه المعايشة حتى لا يتغير، ويبتلي بالقطيعة، على نحو ما صنعت أم النبي محمد ﷺ حين أخذته في زيارة الأقارب أبيه بيثرب المدينة المنورة، وهو صغير لينشأ على رعاية صلة الأرحام، والوقاية من القطيعة.
- قيام المجتمع بواجبه في علاج قطيعة الأرحام: إن للمجتمع دورًا كبيرًا في علاج قطيعة الأرحام، وعلى هذا المجتمع أن يقوم بهذا الدور نصيحة، ووعظًا، وإرشادًا، وإصلاحًا وحصارًا للقاطع، وحربًا لتعطيل مصالحه إلى أن يقلع عن هذه القطيعة، ويتحلى بصلة الأرحام.
وليس هذا من المجتمع تدخلاً في شؤون الغير، بل هو جزء من وظيفته ومهمته، إذ يقول سبحانه ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71).
- قيام ولي الأمر بواجبه نحو قاطعي الأرحام: كذلك لولي الأمر دور كبير في إصلاح قاطعي الأرحام، وعلى هذا الولي أن يقوم بهذا الواجب نصحًا، وإرشادًا، ووعظًا، وإصلاحًا وترغيبًا، وزجرًا، وتخويفًا، قبل أن يلقى ربه ويعرض نفسه للسؤال، والمحاسبة، إذ يقول ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع ومسؤول عن رعيته، الحديث». (أخرجه مسلم (1829) باختلاف يسير)
- معرفة القاطع الرحمة نتائج القطيعة: ذلك أن المرء يستطيع أن يقلع عن قطيعة الرحم، ويصون نفسه عن العودة إلى هذه القطيعة، حين يطلع على النتائج التي وصل إليها قاطعو الرحم في الماضي والحاضر، على هذا الاطلاع يساعد قاطعي الرحم على أن يقلعوا عن هذه الآفة، ويتحلوا بعكسها من صلة الأرحام، إما اقتداء وتأسيًا، وإما تشبهًا ومحاكاة.
- وقوف المرء على حكم قطيعة الأرحام: إذا وقف المرء على حكم قطيعة الأرحام، وأدلة هذا الحكم النقلية والعقلية والواقعية، وكان حريصًا على تنفيذ حكم الله ورسوله، فإنه سيقلع عن قطيعة الرحم، ويتحول إلى صلة هذه الرحم من باب: أن المسلم لا يسعه أمام حكم الله ورسوله إلا أن يسمع ويطيع.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: 5١- ٥٢).
- تحلي قاطع رحمه بتقوى الله: إن إقلاع قاطع رحمه عن هذه الآفة ليس بالأمر الهين، ولا بالأمر اليسير، وحتى يسهل عليه ذلك فإن عليه أن يتحلى بتقوى الله من ترك المعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها وأن يكثر من الطاعات، ظاهرها وباطنها صغيرها وكبيرها، لا سيما الدعاء: أن يلين الله قلبه وجلده، وجوارحه، فيقلع عن قطيعة رحمه، ويقبل على صلتها، وتقوية هذه الصلة.
- إعانة ذوي الأرحام قاطع الرحم على نفسه: ذلك أن قاطع الرحم قد يقلع عن قطيعته، ويمشي إلى رحمه يريد وصلها، فيجد من الأرحام إعراضًا وصدودًا، وحتى يتجاوز القاطع محنته فإن على الأرحام أن يلينوا بالاستجابة، والتشجيع والمسامحة، وأن يشكروا له عمله، على نحو ما مر بنا من استجابة عائشة العبد الله بن الزبير لما قطعته وجاء معتذرًا يريد وصلها مستعينًا بالله، ثم ينفر من التابعين فسهلت عليه أمر الطاعة وأعانته عليه.
- من أهم أسبابها: الغفلة عن قيمة الرحم، وسوء التربية العلاج: مقابلة الإساءة بالإحسان، والتحلي بتقوى الله
أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول مجيب وثاني اثنين:
هو عبد الله بن أبي قحافة «عثمان بن عامر» بن كعب القرشي، ولد بعد رسول الله ﷺ بعامين وبضعة أشهر، كان أول من آمن بالنبي الكريم من الرجال، والوحيد الذي استجاب للإسلام دون تردد، شهد له بثبات قلبه، وشدة بأسه في الحق ورجاحة عقله.
رافق النبي ﷺ في رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة فكان نعم الرفيق وكان يذود بنفسه عنه ﷺ، ونزلت في هذه الرفقة آيات تتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
- كان هيابًا لله على الدوام، شديد البكاء.
- أول من جمع القرآن الكريم.
- من أعف الناس في الجاهلية والإسلام.
- من أعلم الناس بأنساب العرب.
- لم يسجد للأصنام سجدة.
- من العشرة المبشرين بالجنة.
- أول خليفة بعد رسول الله ﷺ، لم يبخل بماله ولا بنفسه فداء للإسلام ونبيه ﷺ.
- لقب بالصديق لأنه كان مصدقًا لكل ما يصدر عن رسول الله ﷺ.
- كان ملازمًا صحبة نبيه وخليله وحبيبه محمدًا ﷺ.
- حارب المرتدين ومانعي الزكاة حربًا ضروسًا وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه».
- توفي في ٢٢ جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة للهجرة الشريفة ودفن بجوار رسول الله ﷺ وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة.
رضي الله عنه وأرضاه.
محمد مصطفى ناصيف
أثاث البيت:
إيمان مغازي الشرقاوي
غسالة:
وسائل الإعلام تغسل العقول بكل فاسد ومضل:
انظر إليها قليلًا بعين التأمل والتفكر وهي تلف وتدور، وتصيح وتصرخ محدثة صخبًا ولغطًا يصم الآذان حين تقترب منها! وتأملها جيدًا في كل دورة لها وهي تحتضن ما فيها بحنان شديد ودفء تارة وبقسوة وعصبية وسخونة تارة أخرى ومع كل دورة تامة لها نخرج ما فيها راضية بها نفوسنا، قريرة بها عيوننا، ولم لا وقد وفرت علينا جهدًا ووقتًا وأعطتنا ملابس نظيفة زاهية.
إنني حين أذكر الغسالة أرى فيها وفي مهمتها غسالات أخرى كثيرة يجدر بنا أن نتعرف على بعضها، فحين نرى الملابس النظيفة تتذكر تلك الأجسام التي سترتدي هذه الملابس، إنها أجساد طاهرة اغتسلت هي الأخرى في بحار التوبة أولًا، فاقتربت من الله تغتسل من الذنوب كل يوم خمس مرات كما تغتسل وتتوضأ للصلاة، قال رسول الله ﷺ، «إذا توضأ العبد فمضمض خرجت خطاياه من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة». «رواه النسائي».
وحين أذكر الغسالة أتذكر أناسًا يمارسون نفس عملها لكن بالمعكوس! فتجد سعادتهم ومتعتهم في غسل عقول البشر بكل ما هو ضار ومضل وخبيث حالهم حال إبليس الذي لم يكتف بضلاله بل أقسم على إضلال غيره مستخدمًا كل السبل، مزينًا كل قبيح، ملبسًا الباطل والزور لباس الحق والنور، مدعيًا النصيحة وهو يبغي الفضيحة، رافعًا رأسه، ظانًا أن في ذلك خلاصه، وهو عن الحق أبعد السائرين، وللإيمان أكذب المدعين وكأني بهؤلاء وهم يمارسون هواية «غسل المخ» لكل من عنده من فيستخرجونه ويضعونه في غسالة الأفكار المسمومة التي تنفث فيه من سمومها فتسري خلاله لتمحو ما به من خير وتطمس ما يزينه من صور جميلة، كبعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ولا أخص مكانًا بعينه بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة مفتوحة لا يلزمك لدخولها إلا أن تضغط بإصبعك على زر صغير فيفتح لك الباب على مصراعيه!
إذن فالأمر جد كبير وخطير إذ أصبحت جميعها تشاركنا في صياغة الشخصية لأجيالنا الحالية، وكذلك شبكات الإنترنت التي تفشت وانتشرت وأصبح لها مقاه خاصة بها في كل مكان، وقد دست بها المواقع الإباحية التي لا يقرها عرف ولا دين ولا أخلاق، وما فتئت هذه وتلك تلعب بعقول شبابنا وفتياتنا مع ما يلازمها من عري أخلاقي وإباحية ونشر للرذيلة فتتصدر صور الفتيات شبه العاريات أغلفة بعض الصحف والمجلات، وترصد الجوائز والمسابقات لملكات الجمال، ليكون هذا وذاك النموذج القدوة لبناتنا أمهات المستقبل!
كما تطرق أسماعنا ليل نهار دعوات المطالبة بالمساواة بين الجنسين في كل شيء بلا استثناء وليس الذكر كالأنثى بأي حال، وقد كان الأجدر بالجميع استغلال هذه النعمة العظيمة لما فيه خير العباد، بعد أن أصبح العالم بأسره أسرة واحدة كبيرة.
هذه من أخطر الوسائل لغسل من الإنسان ومسخ فطرته، ولا ينجو منها إلا من رحم الله وأعانه على التمسك بطريقه المستقيم. وصدق رسولنا الكريم حين قال: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي». «رواه الحاكم».
ومن مظاهر غسل المخ كذلك، تسمية الأشياء بغير أسمائها، إمعانًا في التضليل والإفساد، وتلك حيلة إبليس اللعين منذ الأزل ومنها:
«قيام الأسرة الشرعية: قيد للحرية» و«طاعة الزوج بالمعروف: قهر وعبودية»، «تأديب الأولاد: قسوة وعنجهية»، «احترام الوالدين: ضعف في الشخصية» «التشبه بين الجنسين: مساواة بشرية» «الحجاب: تخلف ورجعية»، «العري والسفور: حرية نسائية» «التمسك بالدين: تطرف وأصولية»، «تغيير الدين: إصلاحات تعليمية» «الفن الهابط: رقي ونجومية» «القمار: لعب وتسلية» «الخمور: مشروبات روحية» «الربا: فوائد مالية» «الدفاع عن النفس: إرهاب وعصبية»، «ودفع العدوان: لا إنسانية» «التسلح بما يضمن الأمان: دمار شامل وعدوانية!»
هذا قليل من كثير، كان الله في عون عقولنا وكأني بالمخ يئن ويستغيث، ولا يملك إلا أن يفر لخالقه. ويقول: ما أتعس البشرية حين تحيد عن رب البرية.
أول حافظ للقرآن الكريم في أوكرانيا:
أتم الطالب الأوكراني «سليمان ولييف» حفظ كتاب الله كاملًا، كأول حافظ للقرآن الكريم في أوكرانيا المستقلة بعد سنوات طوال امتدت لحوالي ٧٠ عامًا من الحرب على الدين وقتل العلماء وحفظة القرآن أثناء الحكم الشيوعي.
الطالب حفظ القرآن بمركز الرضوان لتحفيظ القرآن الكريم بمدينة سمفيروبل، في شبه جزيرة القرم، والذي يديره اتحاد المنظمات الاجتماعية -الرائد- بالتعاون مع الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية. وهو المركز الوحيد لتحفيظ القرآن في أوكرانيا.
وهو عبارة عن مدرسة داخلية يدرس فيها ۲۰ طالبًا تتراوح أعمارهم بين ١٤ و١٩ سنة، يقوم الطلاب بحفظ القرآن الكريم كاملاً على مدار ثلاث سنوات ويتخلل البرنامج دراسة مبادئ الإسلام والعقيدة والسيرة المطهرة، إضافة إلى إتمام الدراسة الثانوية بشكل مواز حتى يتمكن أولئك الطلاب من متابعة دراستهم الجامعية فيما بعد.
خلال عام ونصف العام من بداية الحفظ استطاع الشاب النابه إكمال الحفظ بإتقان دون أن يؤدي ذلك إلى التأثير سلبيًا على دراسته المدرسية بل على العكس ساعده ذلك على التفوق لينهي دراسته كذلك محرزًا الميدالية الذهبية للتفوق، علماً بأنه من المنتظر أن يتخرج ثلاثة حفظة آخرين مع بداية شهر رمضان المبارك المقبل بإذن الله.
وأكد رئيس اتحاد المنظمات الاجتماعية الرائد في أوكرانيا الدكتور فاروق عاشور: «أن هذا الحدث يمثل علامة بارزة في تاريخ الصحوة الإسلامية لمسلمي أوكرانيا وهم في رحلتهم للبحث عن الهوية والإرث الديني الذي أضاعته سنوات التيه الشيوعية».
ووصف سليمان ولييف شعوره حينما أكمل حفظ القرآن بأنه: «شيء لا يمكن وصفه، يشعر به لأول مرة في حياته، ورجع بذاكرته للوراء حينما كنت أنظر إلى القرآن في صغري وعلمت أنه من المسلمين من يحفظه في صدره كانت تملؤني الدهشة، كيف يمكن للمرء أن يحفظ هذا الكتاب الكريم!
واليوم وبعد جهد ومثابرة، وقبل كل شيء بتوفيق الله عز وجل أصبح سليمان من الحفاظ بل وأولهم في أوكرانيا بعد الحقبة الشيوعية، وعند سؤالنا إياه ماذا يفعل الآن بعد أن حفظ القرآن؟ أجاب: «أراجع الحفظ باستمرار لأني أشعر بأن المسؤولية تضاعفت وأوجه رسالة لإخواني من الشباب المسلمين في أوكرانيا أن يعتنوا بحفظ القرآن وتلاوته وترتيله، وأن يستعينوا بالله على حفظه فهو نعم المعين».
ومن جانبه قال مدير المركز الأستاذ سيرن عريفوف: إن إكمال الطالب سليمان حفظ كتاب الله يمثل لنا في مركز التحفيظ نقطة تحول نرى فيها أول الثمار فتمنحنا العزيمة للسير نحو المزيد، وتكسر حاجزًا نفسيًا كبيرًا أمام الطلاب والشباب المسلم وتمنحهم نموذجًا يقتدون به.
أوكرانيا- مركز الرائد- المجتمع
الشيخ محمد عبد الله الخطيب ([3])
من فقه الدعاء:
مواقف إيمانية:
يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أنا لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء كانت الإجابة معه».
وهذا فهم عميق أصيل، فليس كل دعاء مجابًا، فمن الناس من يدعو على الآخرين طالبا إنزال الأذى بهم؛ لأنهم ينافسونه في تجارة، أو لأن رزقهم أوسع منه، وكل دعاء من هذا القبيل مردود على صاحبه لأنه باطل وعدوان على الآخرين.
والدعاء مخ العبادة، وقمة الإيمان، وسر المناجاة بين العبد وربه، والدعاء سهم من سهام الله، ودعاء السحر سهام القدر، فإذا انطلق من قلوب ناظرة إلى ربها، راغبة فيما عنده، لم يكن لها دون عرش الله مكان.
جلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا على كومة من الرمل، بعد أن أجهده السعي والطواف على الرعية، والنظر في مصالح المسلمين، ثم اتجه إلى الله وقال: «اللهم قد كبرت سني، ووهنت قوتي، وفشت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون واكتب لي الشهادة في سبيلك، والموت في بلد رسولك».
انظر إلى هذا الدعاء، أي طلب من الدنيا طلبه عمر، وأي شهوة من شهوات الدنيا في هذا الدعاء، إنها الهمم العالية، والنفوس الكبيرة، لا تتعلق أبدا بشيء من عرض هذه الحياة، وصعد هذا الدعاء من قلب رجل يسوس الشرق والغرب، ويخطب وده الجميع حتى قال فيه القائل:
يا من رأى عمرًا تكسوه بردته *** والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقًا *** من بأسه وملوك الروم تخشاه
ماذا يرجو عمر من الله في دعائه؟ إنه يشكو إليه ضعف قوته، وثقل الواجبات والأعباء، ويدعو ربه أن يحفظه من الفتن والتقصير في حق الأمة، ثم يتطلع إلى منزلة الشهادة في سبيله، والموت في بلد رسوله، فما أجمل هذه الغاية، وما أعظم هذه العاطفة التي تمتلئ حبًا وحنينًا إلى رسول الله ﷺ أن يكون مثواه بجواره.
يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: «يا بن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظامًا، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا، فائت نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر».
وروى الترمذي بسنده عن النبي ﷺ: «أنه قال: من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له».
وأخيرًا أرأيت كيف ألهم عمر الدعاء وكانت الإجابة معه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).
([1]) أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت.
([2]) أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الأدب.
([3]) من علماء الأزهر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل