; المجتمع التربوي- العدد 1751 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد 1751

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 95

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 50

السبت 12-مايو-2007

محمد ﷺ وللحبيب أسماء

إيمان مغازي الشرقاوي

الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي

الحاشر اسم من أسماء نبينا محمدﷺ، إنه اسم يحمل بين ثنايا حروفه أمرا عظيما، وخبرا يقينًا، وكأني بحروفه تنطق لتقول لك: انتبه أيها الإنسان، فأنت ستحشر إلى ربك وخالقك عما قريب، وإن طال بك العمر أو امتد الزمان، انتبه واستعد فلقد اقترب موعد الامتحان وجاءكم رسول الله ﷺ مبشرًا ونذيرًا ليبلغ الأمانة التي أمر ببلاغها ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾، (سورة البقرة: آية رقم 9).

ألا ترى بعين قلبك حين تسمع هذا الاسم، تلك الحقيقة الكبرى التي كتبها الله تعالى على كل مخلوقاته وعرفنا إياها، فقال لنبيه ومصطفاه ﷺ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، (سورة الانبياء: آية رقم 34)، وبين السبب فقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، (سورة الرحمن: آية رقم26:27).

لذا كانت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾، (سورة الانبياء: آية رقم35)، إنه تأكيد لتلك الحقيقة التي ربما نراها أو نسمع عنها كل يوم، ونحاول أن نتناساها بالانشغال عنها بأمور دنيانا، لكن نشرات الأخبار تطالعنا بها كل يوم في الفضائيات، وأحوال العالم من حولنا بما فيه من صراعات وحوادث وحروب تأبى إلا أن تذكرنا بها ليل نهار، ولا يكاد يمر يوم دون أن نرى أحدًا من الأموات، حتى أصبح أمرًا مألوفًا اعتياديًا لا يؤثر في القلوب ما لم يقف المرء مع نفسه لحظة صدق قوية يتفرغ فيها لنفسه لتقر وتعترف أنه قادم في طريقه إليها.

نعم، إنه الموت، يأتي وتأتي معه الحياة الحقيقية التي ليس فيها موت، وإذا جاء فلا موت ولا فناء إلا للأجساد، إلى أن يشاء الله فيحييها من جديد، ليتحقق ما كتبه علينا من وعد ووعيد.

ولكن.. ماذا بعد الموت؟

لقد كان النبيﷺ يقلقه التفكير في ذلك اليوم العظيم، مما يجعله لا ينعم بعيش ولا يهنأ بنوم، ويعلل ذلك ويقول: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحتى الجبهة وأصغى بالأذن ينتظر متى يؤمر فينفخ»؟ «الترمذي». 

إنه البعث والإحياء. ثم ما يتبعه من حشر وحساب وجزاء، والفوز بعد ذلك أو الشقاء، فكيف بك يا عبد الله وقد وضعت أعمالك في الميزان لتوزن، وأنت خائف مضطرب تنتظر النتيجة ترتعد فرائصك، فرقًا وفزعًا، وبينما أنت تحمد الله أن من الله عليك بالستر والغفران، وثقل الميزان، إذا بالصراط يعترض طريقك إلى الجنان، ليتم الابتلاء ويتحقق التمحيص ويميز الله الخبيث من الطيب. فهل ستنجو عند العبور؟

 إن هذا الاسم الكريم «الحاشر» يذكرنا حقًا بيوم الحشر، قد يكون معناه يدل على أن النبي ﷺ هو آخر الأنبياء وليس بعده إلا الساعة التي اقتربت ومن ثم الحشر، لما رواه البخاري ومسلم من قوله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى. 

أو يدل على أن الناس يحشرون على إثره وعقبه كما جاء في قوله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق القبر عنه يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع «مسلم»، وقوله: «يصعق الناس حين يصعقون فأكون أول من قام». «البخاري»، ومهما كان من معناه فإن الحال واحد، إذ يؤكد أن الحشر كائن يقينًا ولا شك فيه.

الحشر.. وأرض المحشر

الحشر: من «حشر» وحشر الناس أي جمعهم، والحشر هو سوق الناس جميعًا إلى الموقف وهو المكان الذي يقفون فيه انتظارًا لفصل القضاء بينهم، ويكون بعد بعث الخلائق وإخراجهم من قبورهم، فبعد بعث الناس يأمر الله ملائكته، فتسوقهم إلى الموقف في ساحة واحدة تدعى عرصات القيامة، وحالهم كما خلقوا أول مرة، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا. قلت: يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض»، «مسلم».

 أما أرض المحشر فهي كما قال ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد»، «متفق عليه» «وقرص النقي الخبز الأبيض السالم من الغش والنقي من النخالة».

أصناف ثلاثة عند الحشر

قال ﷺ: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: ركبانًا ومشاة وعلى وجوههم، فقال رجل يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم «الترمذي». وهؤلاء هم الكافرون. قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، (سورة الاسراء: آية رقم 97:98).

وفي الموقف يصيب الخلائق كرب شديد. فقد روى المقداد بن الأسود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، وأشار بيده إلى فيه»، «مسلم».

ألا تريد أن تستظل بخير ظل؟

وفي أثناء ذلك يكون أناس في ظل الله عز وجل كما أخبر رسول الله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه «البخاري».

 فإذا اشتد الأمر بالناس طلبوا الشفاعة من الرسل والأنبياء ليعجل الله فصل القضاء، وكل نبي يقول: «نفسي نفسي» حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ، ويقبل الله تعالى شفاعته قال ﷺ: إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم وصاحب شفاعتهم ولا فخر «الترمذي».

اثبت.. واحذر أن تبدل

وحتى لا تحرم من ورود حوض نبيك ﷺ، ذلك الحوض الذي قال عنه: حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا «البخاري». إياك أن تفعل ما يوجب طردك وحرمانك، ولا تنس ذلك، فالرسول ﷺ في انتظارك، وأنت في أشد الحاجة إلى الشرب من مائه في ذلك الموقف الشديد. قال ﷺ: «أنا فرطكم (أي متقدمكم وسابقكم) على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم فيقول ﷺ: إنهم أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي»، «مسلم».

هل أنت مستعد للسؤال يوم الحشر؟

قال ﷺ: ما منكم من أحد إلا ويسأله الله رب العالمين ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان «متفق عليه». وقال: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟»، «الترمذي».

وقال أيضًا: «ليقفن أحدكم بين يدي الله عز وجل ليس بينه وبينه حجاب فيقول له: ألم أنعم عليك؟ ألم أوتك مالًا؟ فيقول بلى، فيقول: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فيقول بلى، ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة. فإن لم يجد فبكلمة طيبة»، «البخاري».

فكر في نفسك أيها الإنسان. وتساءل:

هل تذكر يوم الحشر وتعمل له؟ 

هل أنت مستعد للقاء الله تعالى في أي وقت؟

هل سترتاح بالموت وتنعم في قبرك أم أنه العذاب؟

هل سيقبل الله تعالى أعمالك أم أن لها محيطات؟

هل أنت مستعد للوقوف بين يدي الله عز وجل للسؤال؟

هل ستناقش الحساب أم ستحاسب حسابًا يسيرًا؟

هل ستأخذ كتابك بيمينك أم أن الشمال ستسبق والعياذ بالله؟

هل سترد حوض نبيك ﷺ وتشرب منه أم أنك ستطرد عنه؟

هل حسناتك لك أم ستوزع على كل من له مظلمة عندك؟

هل ستثقل موازينك أم تخف؟ 

هل ستعبر الصراط بسلام؟

هل ستجاور حبيبك في الجنة؟

وختامًا: هل أنت ممن رضي الله عنهم فأدخلهم إياها برحمته

كمال الحب

هناك ضوابط شرعية كثيرة تضع الملتزم على خط، صراط مستقيم ليجتهد في عدم الحياد عنه، وفي هذا يجب أن يكون واعيا بأن هذه المشقة هي الموجبة للمغفرة واكتساب الحسنات يكون بقدر البذل، ولا مانع من تدبر حكمة الله في التشريع، لتعظيم أوامره في قلوبنا، وتقدير أهمية الضوابط الدينية في حماية الفرد والمجتمع.

وهذا الوعي لدى الملتزم يولد لديه استمتاعا بالطاعة واطمئنانا لأوامر الله، واستحسانا لتطبيق الفرائض، ولذا يطيب له أن يستمتع بالدين.

وهو ما عبر عنه الإمام ابن القيم- يرحمه الله- عندما ربط الوصول إلى درجة كمال الإيمان بضرورة أداء كمال الطاعة، في حالة من الرضا والسعادة مع كمال الحب لهذه الطاعة.

ويمكن استيعاب الفكرة المقابلة في الدين من أنه دين رحمة ومانح للكثير من الرخص ولا يكلف المرء فوق طاقته ويحترم خصوصية المجتمع والعادات والمعطيات الثقافية والظروف العارضة.

ويأتي الخلل من تغليب فهم لذة الدين على تقدير انطوائه على المرارة والملتزم الواعي هو من يدرك أن للدين تكاليف تحتاج للبذل والمشقة أحيانا، ولكنه رحيم في الوقت نفسه وقد وضع الله هذا التصور عن الدين أمام الإنسان، وتحمل الأمانة. 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾، (سورة الأحزاب: آية رقم 72).

وسام كمال

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل