; لبيك اللهم لبيك.. (4) لبيك بصد الشيطان | مجلة المجتمع

العنوان لبيك اللهم لبيك.. (4) لبيك بصد الشيطان

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007

مشاهدات 66

نشر في العدد 1780

نشر في الصفحة 46

السبت 08-ديسمبر-2007

الحجاج يرمون مع كل حصاة شيطان النفس والهوى.. ويتذكرون ما فعله إبليس مع أبيهم آدم وزوجه.. وإعلان الحرب على ذريته.

حال الشيطان يوم عرفة يشبه حاله يوم القيامة.. والمعركة معه مستمرة إلى يوم الدين.

الحج مؤتمر للمسلمين ملتقى للعلماء ومدرسة تربوية للنفوس وفيه العبودية لله وحده

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك.. ها هم حجاج بيت الله الحرام لا يزالون يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية حتى وصلوا جمرة العقبة اقتداء بنبيهم. فقد كان لا يترك التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر كما ورد فيما رواه مسلم أنه لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. فإذا ما شرع في رمي الحصيات فإنه يكبر كلما رمى بحصاة الدارمي.. قلبيك إله الحق... لبيك اللهم لبيك.. والله أكبر الله أكبر الله أكبر نتغلب بها على شياطيننا.. والله أكبر نقهر بها عدونا.. والله أكبر تهذب بها شهواتنا.. والله أكبر نستعين بها لرضا ربنا.. فالله أكبر الله أكبر.

وحين يبدأ الحجاج في رمي الجمرات وكل منهم يكبر ربه يستشعر الرامي قوة الله عز وجل التي لا يقف دونها قوة مهما بلغت فيستشعر ضعفه وعجزه فيكبر ربه ويرجم مع كل حصاة شيطان النفس والهوى ويتذكر ما فعله إبليس مع أبيه آدم وأمه حواء وما كان منه من التحدي الشيطاني لهما ولذريتهما. من بعدهما فيوقن أن معركته مع الشيطان. وإن وهن سلطانه الآن- مازالت مستمرة، وأن العداوة مازالت قائمة فعما قليل سينهي حجه ويعود لبيته وتبدأ من جديد رحلة المجاهدة بعد تربص عدوه له لذا لا بد له من معرفة مداخل ذلك العدو العنيد الظاهرة والخفية لبعد لها أسلحة الدفاع والحماية. والصد والهجوم. 

يا مقلب القلوب.. ثبت قلبي على دينك

 كلنا يتمنى أن يملأ الإيمان قلبه ويعمره حتى لا تستطيع شياطين الإنس أو الجن اقتحامه أو الدخول إليه ولا يكون الشهوات النفس سلطان عليه ولا لشبهات الهوى سبيل إليه فيدعو الله تعالى ويرجوه طالبًا منه الهداية. والثبات وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك.. فقالت له: إنك تكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك قال: وما يؤمنني؟ وإنما قلوب العباد بين أصبعي الرحمن إنه إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه (رواه أحمد) لذا فقد قال لنا محذرًا إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. (رواه مسلم) وإذا كان الأمر كذلك فكيف السبيل إلى التغلب عليه لنثبت؟ 

مداخل الشيطان للدخول على الإنسان

إن عليك أن تفتش في نفسك وتتحرى الدقة والصدق والأمانة في ذلك، فتنظر في الثغرات التي يمكن للشيطان أن يتسلل لك من خلالها، لأن هذا الشيطان يدخل على كل إنسان بالطريقة التي تناسبه، فيدخل على الزاهد بطريقة الزهد ويدخل على العالم من باب العلم، ويدخل على الجاهل من باب الجهل وهكذا حتى يصل إلى هدفه وقد يدخل من طرق أخرى كثيرة مثل: التحريش بين المسلمين وإساءة الظن بهم كما جاء في قول رسولنا: قد ينس الشيطان أن يعبده المسلمون، ولكن في التحريش بينهم (رواه أحمد).. وذلك بالخصومات والشحناء والفتن أما الظن فهو سبب للشقاق والبغضاء والعداوة- تزيين البدعة عن طريق إضافة سوء عبادة جديدة بحجة زيادة الخير كما كان ممن وضعوا بعض فضائل سور القرآن الأحاديث في الكريم ترغيبا للناس في قراءته وزين لهم الشيطان: قولتهم نحن لكذب، ولكننا لا نكذب على الرسول إنما تكذب له ١٠ أما علم هؤلاء وأمثالهم أن العبادات توقيفية أي تؤخذ كما جاءت عن رسول الله. 

التسويف والتأجيل قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس وكم من عازم على الجد سوفه أي سوفه الشيطان جعله يقول سوف وكم من ساع إلى فضيلة تبطه، فلربما عزم الفقيه على إعادة درسه فقال: استرح ساعة، وما زال الشيطان يحبب الكسل ويسوف العمل ولربما دخل الشيطان على العابد في الليل يصلي فيقول له: ما زال وقت الليل طويلًا حتى يأتي الصباح وهو ما صلى العجب والكبر والغرور، وهو داء الشيطان ذاته وبه أخرج من الجنة وقد حذرنا النبي منه فقال الكبر الكبر (متفق عليه).

 التشكيك قد يكون في النية ليجعل الإنسان يترك عمل الخير خشية الوقوع في الرياء.

 يقول الحارث بن قيس إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال لك: إنك تراني فردها طولا، وذلك دفعا لوسوسته وإرغاما له. وقد يكون التشكيك في صحة اتباعه لطريق الحق الذي يسير عليه وذلك لقلة العاملين، وهنا لا بد أن يعرف أن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣). وقد يكون في استبطاء نصر الله مع كثرة الفتن وعند ذلك عليه أن يوقن بمجيئه، وأن يثق بموعود الله القائل: في كتابه ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (اسم السورة: الروم: ٤٧) ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة ٢١٤)

 التخويف جنده واتباعه وأوليائه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (اسم السورة: آل عمران: ١٧٥) والتخويف من الفقر ليصده عن عمل الخير كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ ﴾ (اسم السورة: البقرة: ٢٦٨) تزيين الباطل واتباع الهوى قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ ﴾ ( اسم السورة: فاطر ۸) وقال: ﴿ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ( اسم السورة: ص: ٢٦) وقال النبي« إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى» ( أحمد)... 

إطلاق البصره قال: النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ( الحاكم). 

فالمداخل الشيطانية كثيرة والأسلحة متنوعة لا مجال لحصرها الآن لكن لا بد لكل منا من التعرف عليها لسدها والحذر منها. أسلحة فتاكة تواجه بها عدوك.. الإيمان بالله والتوكل عليه.. قال تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ( اسم السورة: النحل: ٩٩) طلب العلم الشرعي من مصادره الصحيحة. 

الإخلاص في هذا الدين قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ( اسم السورة: الحجر: ٤٠) 

الاستعاذة بالله تعالى.. كما قال في كتابه الكريم ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( اسم السورة: الأعراف: ٢٠٠) وكما قال نبيه «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمزة الشيطان فإيماز بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيماز بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان» (الترمذي). مجاهدة النفس كما جاء في الحديث الشريف أربع من كن فيه حرمه الله تعالى على النار وعصمه من الشيطان من ملك نفسه حين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي وحين يغضب ( الجامع الصغير).

 الاستغفار..

 قال: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (أحمد) 

الوضوء.. قال رسول الله «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ( أحمد) 

الذكر.. 

قال الشيطان يلتقم قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس عنده ، وإذا نسي الله التقم قلبه ( الجامع الصغير). وقال: « من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل وكتبت له بها عشر حسنات وحط عنه بها عشر سيئات ورفع له بها عشر درجات وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي. وإذا قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح »( أحمد).

 قراءة المعوذتين

 قال رسول الله أنزلت على سورتان فتعوذوا بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن (أحمد) قراءة آية الكرسي قال النبي 90 سورة البقرة فيها آية سيدة أي القرآن لا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي ( الحاكم).

حال الشيطان يوم القيامة..

 قارن بين حال الشيطان في يوم عرفة وحاله يوم القيامة فقد دعا رسول الله  عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأجابه الله عز وجل أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضًا فقال: يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم وتثيب المظلوم خيرًا من مظلمته فلم يكن في تلك العشية إلا ذا فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة فعاد لأمته فلم يلبث النبي  يدعو أن تبسم فقال بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها؟ قال: تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم أهوى يدعو بالثبور والويل ويحثو التراب على رأسه فتبسمت مما يصنع جزعه ( أحمد). أما في يوم القيامة فهذا حاله.. قال رسول الله  أول من يكسى حلة من النار إبليس يضعها على حاجبيه وهو يسحبها من خلفه وذريته من خلفه وهو يقول يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبوراهم حتى يقف على النار فيقول: يا ثبوراه فينادون با ثبوراهم فيقال لا تدعو اليوم ثبورًا واحدا وادعوا ثبورًا كثيرًا. (أحمد)..
 ومع ذلك فإن المعركة ما زالت قائمة ومستمرة بين الشيطان وبني آدم إلى يوم الدين قال إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله تعالى منه. فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان عليه السلام: رب هب لي ملكا لا الأحد من بعدي فرده الله خامنًا ينبغي (البخاري). 

مؤتمر المسلمين السنوي. ورمز وحدتهم 

حين هب القادرون من المسلمين على تلبية نداء ربهم: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (اسم السورة: الحج: ٢٧) أتوه من كل مكان في هذه المعمورة، زرافات ووحدانا رجالا وركبانًا أتوه جميعًا ليلتقوا هناك حيث الأرض الطيبة التي كانت منبع النور وأرض الوحي وملتقى الهداية بما نزل فيها من آيات الله البينات.. وها هم جميعا يجمعهم اللقاء في هذا المكان الذي جعله الله أمنا وأمانا.. قلبيك اللهم لبيك... لبيك بوحدة إسلامية خالصة فيك تجمع فيها الشمل وتلثم بها الجرح وتداوي الأمراض. لبيك بالاعتصام بحبلك المتين الذي أمرت به فقلت... واعتصموا بحبل الله جميعًا وَلا تفرقوا...... لبيك بتألف القلوب وتحقيق الأخوة كما قضيت و ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (اسم السورة: آل عمران: ١٠٣)

 لبيك باتحاد الساسة واتفاق العلماء لبيك بانتشار العلم وتعليم الدين. فلبيك اللهم لبيك ويا له من موسم خير وأي موسم 

قال تعالى: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ (اسم السورة: الحج: ٢٨). قال ابن عباس ، ليشهدوا منافع لهم قال منافع الدنيا والآخرة أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات وفي موسم الحج تتجلى تلك المنافع العظيمة وتظهر آثارها على المستويات كافة الفردية والجماعية العلمية والسياسية بما فيها من نفع عام، وقد كان موسم الحج قبل الإسلام بعد موسمًا ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا حيث تتبادل الثقافات وتكثر الأسواق وتتنوع التجارات كما تعقد الاجتماعات بين رؤساء القبائل وكذلك كان الحال بعد البعثة النبوية وهل كان اجتماع الرسول بالأوس والخزرج إلا في موسم  الحج؟ 

دستور الأمة 

أما في حجة الوداع التي حجها الرسول فإن خطبته في ذلك المؤتمر الكبير قد شملت الأسس والقواعد الثابتة إذ سن فيها الدستور العادل للدولة الإسلامية الجديدة وظل موسم الحج في عهد الخلفاء الراشدين كذلك موعدا لمعرفة المستجدات في البلاد والولايات فقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ما يجعل منه فرصة ليستقي أخبار رعيته وولاته فكان موسمًا للمراجعة والمحاسبة واستطلاع الآراء في شتى الأنحاء فيجتمع فيه أصحاب الشكايات والمظالم ويفد فيه الرقباء الذين كان يبثهم عمر في ارجاء دولته لمراقبة العمال والولاد ويأتي العمال أنفسهم لتقديم كشف حساب عن أعمالهم ، فكان موسم الحج جمعية عمومية كأرقى ما تكون الجمعيات العمومية في عصر من العصور. 

وهكذا ترى أن العبادات يأتي معها كل خير وسيظل موسم الحج موسمًا للعبادة والطاعة وموسمًا لشهود المنافع كما ذكر الله تعالى في كتابه الكريم.

الحج مؤتمر للمسلمين وملتقى للعلماء ومدرسة تربوية للنفوس.. وفيه تحقيق العبودية لله وحده العلم والعلماء.. في موسم الحج...

 وفي هذه الأرض المكرمة نزل الأمر من السماء بالدعوة إلى تلقي العلم والتعلم بل كان ذلك هو أول ما نزل من القرآن.. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( اسم السورة: العلق) ، وفيها نزل تكريم العلماء وظهرت مكانة العلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ( اسم السورة: الزمر: ٩). ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ( اسم السورة: فاطر: ٢٨) فانطلقت قافلة العلماء الربانيين على مرّ العصور والأزمنة يدعون إلى الله على علم وبصيرة لينيروا القلوب بنور الإيمان وفي تلك الأيام المباركات يظهر ذلك جليًا واضحًا ففيها يهدى للحجاج كتاب الله عز وجل، كما توزع الكتب الشرعية النافعة التي تبصر الناس بأمور دينهم بعيدًا عن الغلو والتطرف مما يشجع على القراءة والعلم كما توجد المكتبات المبثوثة والمنتشرة هنا وهناك في أرض الحرمين الشريفين التي تباع فيها الكتب المختلفة والتي بات الحصول عليها سهلًا وميسرًا، وكل ذلك من وسائل نشر العلم الشرعي والنافع في موسم الحج. ملتقى سنوي والحج ملتقى سنوي للعلماء من شتى الأقطار حيث يلتقون على موائد العلم ويتدارسونه، وينتفعون بآراء بعضهم البعض ويخرجون بآراء وفتاوى جديدة لما استجد من أحداث وأحوال ولما يجري حولهم من أمور مستحدثة تحتاج إلى فقه الواقع الجديد الذي نعيشه ومن الأمور الطيبة أيضًا أن يقبل طلبة العلم على هؤلاء العلماء ينهلون من معين علمهم ويرتشفون رحيق أفكارهم التي هي أولًا وأخيرًا وفق شرع الله ولخدمة دينه ونفع عباده في الأرض، وفي هذه الملتقيات يحصل التعارف والتألف بين طلبة العلم من البلاد المختلفة وليتواصلوا بعد فيما بينهم خاصة بعد سهولة الاتصالات وسرعتها مع تطور التقنية وحداثتها. كل هذا الخير يطل علينا في موسم الحج فيا له من موسم.

جسد واحد وأمة واحدة

 لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. كلمات حين ينطق بها الحجاج وينظر الواحد منهم حوله فيحس بالألفة والمحبة والتعاطف تجاه من حوله ولمن يلبون مثله ويشعر بالأمن والأمان مع تلك المساواة التي لا مثيل لها، وكم من حاج هاله ذلك الموقف وسحره وحبب إليه الإيمان وثبته في قلبه بفضل الله، فهذا من هذه البلدة وذاك من تلك والكل يلتقون ويجتمعون على قلب رجل واحد يتحقق بذلك المشهد الذي يتكرر كل عام الشعور بالوحدة الإسلامية الكبرى والإحساس بالانتماء الحق، ليس لقطر بعينه ولا لبلد بذاته بل انتماء لتلك الأمة الخالدة التي كرمها الله، وجعل لها في شريعتها ما يؤلف بين قلوب أبنائها فوحدها وجمع بين أفرادها، ففي العبادات يصلون في الجماعة معًا، ويصومون في شهر واحد، ويحجون في وقت واحد، فهم كالجسد الواحد كما قال النبي مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمي ( مسلم) 

وحدة الشعوب 

وكم نتمنى أن تتم تلك الوحدة بين شعوب أمتنا وأن تستمر في كل المجالات. لتشمل الوحدة الاقتصادية والوحدة التعليمية والوحدة العسكرية بدعم ذلك كله الوحدة السياسية فتنعم بثمراتها وفي صحيح مسلم أن رسول الله  قال: إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن لناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم ثلاثًا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال. 

والحج مؤتمر سنوي كذلك على الصعيد السياسي غرب لقاء يتم بين ساسة الشعوب المختلفة يتناول فيه المسؤولون قضايا شعوب أمنهم ويدرسون أحوال البلاد ويتعرفون على بعضهم البعض وكل ذلك يعود بالخير عليهم في موسم الخيرات فيا له من موسم الحج. وتربية النفس وفي الحج مدرسة عالمية كبيرة تربوية للنفوس. إذ يتدرب الحاج منذ عزمه أداء الحج على تأديب نفسه وتهذيبها والأخذ بلجامها إلى طريق التقوى ففي أول حجه تطهير لنفسه من الشح والبخل وذلك بالنفقة التي يبذلها في سبيله طيبة بها نفسه، وفي وداعه لأهله ومفارقته بلده ومشقة السفر تقوية لها وتربية على قوة الإرادة والصبر والتحمل، وفي أدائه المناسك مع إخوانه من الحجاج انتزاع لـ الإناء من نفسه وشعور بالمساواة وذهاب للكبر والعجب، وتحقيق للعبودية لله وحده، وفي كثرة الحجاج من حوله يشع بريق الأمل في النفوس فلست وحدك أيها المسلم على طريق الله بل معك الكثير ممن هم حولك يشدون من أزرك ويؤيدون دعوتك ويتداعون من أجلك ويشعرونك بالوحدة والانتماء لخير أمة أخرجت للناس.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

117

الثلاثاء 26-مايو-1970

صراع مع سيجارة

نشر في العدد 268

211

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

تقوى الله -  الحلقة الأخيرة

نشر في العدد 880

70

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 880