العنوان المجتمع التربوي- العدد 1810
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 44
السبت 12-يوليو-2008
- وفاة رب الأسرة تزلزل الأعماق.. حين انهار سقف البيت
- الموت قادم في الطريق.. ماذا أعددنا لضيافته.
- رسالة إلى كل إنسان كي يقنع بما آتاه الله ويستغني عما في أيدي الناس.
حين انهار سقف بيتنا الكبير -بيت العائلة- أصاب الأسرة ومن حولها في مقتل فقد كان الوالد الكريم -يرحمه الله- كسقف البيت لساكنيه، يظللنا جميعا من حرِّ الحياة ويحمينا من برد العواطف، ويؤوينا من لظى المعاناة، فيضفي علينا بظله ما يحول دون حلول العواصف بالرغم من بساطة بنيانه وتواضع لبناته وتواضعه وقربه من جميع الرؤوس: رأيت في ذلك الانهيار الكبير انهيار جبل شامخ ظل صامدا لسنوات عديدة واختفاء قمة عالية كانت تتطلع إليها عيون المحبين وتشرئب للوصول لذروتها أعناقهم.
رأيت ذلك لحظة الحدث الجسيم؛ بل وقبله بوقت قليل، ووعيت في تلك اللحظات الحرجة كيف تذوب مادة الغفلة التي يظل الإنسان منا يخوض غمارها في بحر لجيٍّ عميق متلاطم الأمواج، لكنه سرعان ما ينتبه ويتذكر واقعه الذي يعيشه وعندها فقط يمسك بطوق النجاة، ويركب قارب المحاسبة، وذلك بعد إصابته بهزة قلبية عنيفة إثر معايشة الانهيار أدت إلى اليقظة والإفاقة ولو للحظات قليلة يعيد المرء فيها حساباته مع نفسه من جديد، لكن بيد من حديد ومع هذا الذوبان يُمحى الران الرابض على أرض القلوب، فتتلقى الرسالة ويكون الدرس الكبير.
- عش ما شئت فإنك ميت..
لقد كانت هذه هي الرسالة التي نبهنا إليها رسول الله ﷺ منذ زمن بعيد، ودعانا لأخذ أهبة الاستعداد لما قبلها من أحداث عادة ما يمر بها الجميع من محن وابتلاء وتمحيص يدعو معه إلى الصبر والتصبر في مواجهة هذه الأزمات إذا ما أيقنا أننا جميعا على موعد مع الله U، ولقاء آت للحساب والجزاء.. نقف فيه أمام الملك الحق دون وسيط أو ترجمان فاستمع معي المضمون تلك الرسالة الربانية.. إلى رسول الله ﷺ. وإلى الإنسانية.. استمع إليها وتزود فقد آن الأوان لأخذ الزاد وقد قال تعالى لنبيه الكريم مذكرًا له ومعزيًا: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر:30-31).. وها هو ﷺ يكرر علينا ذلك فيقول لي ولك ولكل الناس: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به (الحاكم).
نعم.. عش ما عشت أيها الإنسان فإنك ميت لا محالة.. ميت وإن طال بك العمر وامتد معك الزمان فما حال من ينتظره الموت، ويتربص به في كل لحظة وهو له بالمرصاد وماذا على المرء الذي سيطول مكنه هناك بين أطباق الثرى وذرات التراب حيث مستقرة ومأواه إلى أن يقوم ويُبعث للحساب؟ وما الذي يقدمه بين يديه ذلك الضعيف حين تبلغ الروح منه الحلقوم والأهل والأصحاب من حوله ينظرون ويبكون، وهو وجل خائف يرجو رحمة ربه وينتظر البشارة التي يتمناها كل منا في هذه اللحظات الفاصلة؟
- ماذا أعددنا لضيافته؟
نعم.. فالموت قادم في الطريق إلينا فكيف نستقبله؟ وماذا أعددنا لضيافته؟ أهي الكلمات الباقيات الصالحات من غراس الجنة التي لا يفتر اللسان عن ذكرها؟ أم هو لعاع الحياة الدنيا التي نتقاتل على حطامها، ويخاصم الأخ أخاه؟ ويهجره وقد يصل الهجر مداه إلى لحظة الممات أو بعدها، فليت شعري كم نصيب كل منا في جناح البعوضة ذاك إن كان قابلا للقسمة على أهل الدنيا جميعا، ومن القاتل منا ومن المقتول في سبيل الحصول عليه؟
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185). لكن قليل منا من يعمل لذلك حسابًا، فحبذا لو كنا من هذا القليل الطيب الذين قال الله عنهم: ﴿إلا الذين آمنو وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ (ص: 24)، ﴿وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13).
- رسالة لكل إنسان
إنها رسالة لكل إنسان.. عله يقنع بما آتاه الله ويستغني عما في أيدي الناس ربما شبع من
القليل الذي أوتيه فلم ينهب مال غيره بسرقة أو رشوة أو رِبَا، أو اختلاس.. إن الموت حقيقة أيها الصحب يخلف من ورائه أصحاب الثروات ثرواتهم رغمًا عنهم إرثًا ومتاعًا لغيرهم، فلينظر كل واحد من أين اكتسب المال؟ وفيم أنفقه؟ وهل ترك من بعد الرحيل أثرا طيبا يضم إلى ما قدم بين يديه من أعمال؟ وإذا كان الموت هو نهاية كل مخلوق والعاقبة الحسنة للمتقين فما بال بعض الناس يأكلون لحوم البشر بشراهة، ويلوكونها في أفواههم ويسيغونها بدماء الضعفاء من خلق الله، وما أكثرهم في ذلك الزمان بعد أن كثر السبي فيهم وإن أخذ أشكالًا جديدة فيملكون رقابهم بالظلم المظلم، ويتهمونهم بالزور البين ويسيئون إليهم بالبهتان الواضح، وقد كان الأحرى ألا يظلم الإنسان أخاه الإنسان وأن يتعايش معه على أرض الله بسلام.
- وأحبب من شئت فإنك مفارقه...
نعم، فما دام الموت حقًا فمن لوازمه الفراق ومن رحمة الله تعالى أن جعل الفراق في الدنيا فقط، أما الآخرة فكل حبيب يلتقي بحبيبه، وفي هذا أعظم العزاء عند فراق الأحبة، ألم تستمع لقوله تعالى أصحاب الجنة من المؤمنين ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ﴾ (الطور: 21)، وقوله ﷺ: «اذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض، فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا؛ حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا، ويتكئ هذا، فيقول أحدهم لصاحبه أتعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا» (البزار).
لذا فقد كان من الصحابة من يفرح بقدوم الموت عليه، معللا ذلك بقوله: (غدا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه)؛ لذا لا بد وأن يجعل المسلم حبه لأخيه حبًّا خالصًا في الله ليتم له اللقاء الأبدي والاجتماع السرمدي في الآخرة في جنات النعيم، ففي الحديث: قال الله تعالى المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء (الترمذي).. وأعظم الحب هو حب الله ورسوله، فهو الدافع إلى الطاعة العمل والتذلل والخضوع والاتباع والانقياد وبه يكون الموعد ويتم لقاء الأحبة، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا * ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا (70)﴾ (النساء: 69-70)، «وقال المرء مع من أحب» (أبو داود).
وفي المقابل يكون الحال مع المشركين والمجرمين والكفار ومن يحبهم ويواليهم ويتبعهم في غيهم وضلالهم، فها هو فرعون مع أتباعه وأحبابه وعباده، حالهم كما قال تعالى:﴿يَقدَمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وبئس الوردُ المَوْرُودُ﴾ (هود:98). وتكتمل الصورة أمامنا واضحة في ذلك الوقت العصيب في قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * دون الله فَاهْدُوهُمْ إلى صراط الجحيم﴾ (الصافات:22 -23).
- واعمل ما شئت فإنك مجزي به...
من رأى أنه محاسب حاسب نفسه قبل الحساب، ومن علم أنه مجازي عمل حسابا لوقت الجزاء، وحذر من سوء العقاب فحفظ لسانه وغض بصره، وعف فرجه وراعى حرمة جاره، وحق صديقه وبر والديه ووصل أرحامه ولم يظلم نفسه بشرك أو يوبقها ببدعة أو عصيان قد عد نفسه في عداد الأموات ليحيا، ومن أيقن بالعدل والميزان فكر مليا حين يوزن هو وما يعمل فلم يك من المطففين؛ لذا فإنه لن يبخس الناس حقهم من العيش الكريم، وهذا يكفي لأن يتراحم الناس فيما بينهم ويتعاطفو، فيساعد القوي منهم الضعيف ويعطي الغني السائل والمحروم، ويؤتَى كل ذي حق حقه.. فتصير الدنيا مزرعة للآخرة، ويصبح ما فيها من متاع وسيلة لا غاية ويعرف الناس قدرها ومنزلتها ، قال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ * سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ (الحديد: 20- 21).
- انظر: أي أثر بعد رحيلك تترك؟
وبموت رب الأسرة وراعيها انكشف سقف البيت لتظهر جوانبه المتعددة المشرقة بشمس الإيمان، فيضيف إلى عائلها الراحل عملا جاريا بعد مماته شارك في إيجاده قبل رحيله، واجتهد ليراه غراسا بعد موته، يضاف لرصيده عند ملك الملوك، ولا نزكي على الله أحدًا لكنها هدايا الأحياء لموتاهم هي من أبناء وبنات وحفدة من مختلف الأعمار من حفظة كتاب الله - عز وجل - رياهم على حبه والعمل به وما زالوا يحفرون بئر الخيرات بفضل الله - نحسبهم كذلك والله حسيبهم. ليصل له ماؤها الجاري فيروي عطشه لصالح الأعمال، ولهفته عليها في وحشة القبور وحياة البرزخ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فنسأل الله تعالى له رحمة واسعة وأن يسكنه فسيح جناته، ويجري له عمله إلى يوم يبعثون، وصدق رسول الله ﷺ حيث قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، (أخرجه ابن ماجه).. فانظر أي عمل تعمل؟ وأي طريق تسلك؟ وأي أثر بعد رحيلك تترك؟ و ... (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي بها).