العنوان المجتمع التربوي- العدد 1922
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1922
نشر في الصفحة 48
السبت 09-أكتوبر-2010
- علو الهمة.. رفعة للنفس (٢ من ٢)
- أعلام الأمة ذوو الهمة ودورهم في إصلاح الأمة
- أصحاب الإيمان الصادق ترتفع بهم هممهم إلى العمل لإعلاء دين الله وطلب الرفعة للإسلام والمسلمين
- للآباء والمعلمين دور عظيم في إذكاء روح الهمة في أبنائهم لأنهم هم من يكنفونهم برعايتهم
هيفاء علوان
قال العلامة ابن تيمية يرحمه الله : «قيمة كل امرئ ما يحسن، وقيمة كل امرئ ما يطلب يريد همته ومطلبه وقصده» قال أحد الصالحين «همتك فاحفظها، فمن صلحت همته وصدق فيها؛ صلح له ما وراء ذلك من العمل».
ومما ذكره عبيد بن زياد قال: «كان لي خال يقول لي: يا زياد هم فإن الهمة نصف المروءة»، ومن الأمثلة على علو الهمة قول الصحابي الجليل معاذ بن جبل وهو على فراش الموت مخاطباً الحي القيوم اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها ؛ لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، والمزاحمة العلماء بالمساجد..
إن أصحاب الإيمان الصادق ترتفع بهم هممهم إلى العمل لإعلاء دين الله وطلب الرفعة للإسلام والمسلمين يريدون رفعة الأوطان فيدفعون عنها كيد كل دخيل وترخص أنفسهم ودماؤهم فداء لها. يبذلون أموالهم وأنفسهم لقمع الباطل وكبت أهله هممهم عالية، ولا تطمئن نفوسهم إلا بالعمل لما يرضي الله الذي خلقهم لغاية عظمى وهي عبادته وإعلاء كلمته.
قال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهم من قضى نحبه ومنهم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواتبديلا﴾ (الأحزاب)، وقيل: إن هذه الآية الكريمة نزلت في الصحابي أنس بن النضر وأمثاله ممن صدقوا مع ربهم، لقد قال أنس لسعد بن معاذ : « إني أجد ريحها دون أحد، فوجدوه و به بضع وثمانون ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم وقد مثل به المشركون، فما عرفته إلا اخته عرفته ببنانه».. وهنا تظهر صورة الهمة العالية في الحق وإنما تقدم الخلفاء الأربعة الصحابة بهمتهم العالية فهم من أصحاب الهمم العالية الذين عملوا على صلاح أمتهم.
الناس والهمة
قال الشاعر :
دقات قلب المرء قائلة له : إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
فلابد لكل إنسان من تطوير الذات، وحتى يطور ذاته لابد له من همة عالية فوق السحاب وداب
وجهد متواصلين وأمل لا حد له. والناس في الهمة درجات :
1- متكاسلون عاجزون واتكاليون، وهؤلاء قليلون، ولله الحمد .
2- يقضون الحوائج، ويسعون في الأرض ويؤدون الفرائض ولكن بقدر استطاعتهم، وقد تكون أكثر قليلاً من استطاعتهم ومقدرتهم، وأغلب الناس ينتمون لهذه الفئة.
3- يريدون أن يرتقوا بأنفسهم، ولا يعرفون السبيل لذلك فتتخبط عندهم الأمور، فتجدهم ينجزون أموراً عظيمة ويستصعبون اليسيرة الممكنة وهؤلاء لا يحققون ما يريدون.
4- يتجاوزون المستحيل ولا يخضعون له، وهم نادرون يستطيعون أن ينجزوا ما ينجزه فريق متكامل .
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
كما تقدم، فهمم الناس تتفاوت نساء ورجالاً، فمن النساء من تكون همتها أعلى من الرجال، ومن الرجال من تكون همته أعلى من النساء، وهكذا .. هذا ما قالته الأستاذة هند
القحطاني، وما أجمل ما قيل في هذا :
وقائلة لم غيرتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم
فقلت ذريني على غصتي فإن الهموم بقدر الهمم
وقال المسيميري: تتفاوت همم الناس وتتصادم في كثير من الأحيان، فهناك من تبلغ همته مواقع الجوزاء، ومنهم من تنحدر إلى حضيض الغبراء، فمن يسهر ليله ويظمئ نهاره في القيام على اليتامى والأرامل والمساكين، يتفقد حوائجهم، ويحقق مطالبهم ويرعى شؤونهم ليس كمن لا يخطر أمثال هؤلاء البائسين على باله، أو يشغلون حيزاً من اهتمامه، ومن تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم رغبة ورهبة هل يستوون مع من يسهرون ليلهم في مجالس اللغو واللهو ؟!
وقال ابن قيم الجوزية - يرحمه الله : «لذة كل واحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسا وأعلاهم همة وأرفعهم قدرا من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه».
وقد ذكر الشيخ محمد الحمد أن الناس في شأن الهمة أصناف:
الأول: يشعر بأن فيه الكفاية لعظائم الأمور ويجعل هذه العظائم همته، وهذا يسمى عظيم الهمة «عظيم النفس».
الثاني: رجل فيه الكفاية لعظائم الأمور ولكنه يبخس نفسه ويضع همه في سفاسف الأمور وصغائرها، وهذا يسمى «صغير الهمة«.
الثالث: رجل لا يكفي العظائم الأمور، ويحس بأنه لا يستطيعها وأنه لم يخلق لها فيجعل همته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الرجل بصير بنفسه متواضع في سيرته.
الرابع: رجل لا يكفي للعظائم ولكنه يتظاهر بأنه قوي عليها، مخلوق لأن يحمل أثقالها، وهذا يسمونه «فخورا»، وإن شئت قسمه «متعظماً».
وهناك من يرى أن كل الشباب ذوو همة عالية في منحى من المناحي.
متطلبات الهمة
ومن المتطلبات المساعدة على الهمة :
* استعن بالله وتوكل عليه، وعليك بالحزم ثم العزم وعدم التردد.
* تطوير الماديات أسرع من تطور الأفكار بينما أثر الثانية يبقى أطول.
*إذا أردت التطوير ارفع مستواك الثقافي، فارتفاع المستوى الثقافي يساعد على التطور أكثر.
* نجاح التطوير يعتمد على الممارسة وليس المعرفة والقول فقط !.
* كلما كان تطويرك لذاتك بشكل مراحل مدروسة ساهم على نجاح تطويرك وثباته.
* كن مرنا ولا يكن نهجك إما كذا وإلا كذا .. أي: إما أطور كل شيء في حياتي أو فلن تطور .
* كل تطور له ثمن فكن مستعداً لدفعه.
* التفاؤل وحسن الظن بالله تعالى.
* الحرص على الاستماع للنقد البناء.
* درب نفسك على المطالعة الجيدة.
* جدد حياتك وراجع جدول أعمالك .
وإلى كل أخت مسلمة: تحدثي بالإيجابية لذاتك مثل قولك: سوف أحقق ما أريد الحياة سهلة جميلة أنا متفائلة الصعود إلى القمة سهل وممتع، تربية الأولاد ممتعة طلب العلم متعتي، سأحقق النجاح الباهر حققت التوازن بين جوانب حياتي ألغي كل الرسائل السلبية، لسان الحال أبلغ من لسان المقال، التفاؤل مهم جدا مع حسن الظن بالله تعالى.
ويرى أحد العلماء (المسيميري) أنه لابد لصناعة همة عالية من تأمل آيات الله في الآفاق وتلاوة القرآن وأداء الفرائض والحرص عليها وطلب العلم الشرعي فما أكثر من يعلم وما أقل من يعمل وهنا مطلوب: القراءة في سير الصالحين، والحرص على ذكر الله، والاقتصاد وعدم السرف وترك ما لا يعنيه، وترك التبعية المميتة التي تمنع التجديد، وعدم إهدار الوقت، وأن نحيي مفهوم النفس اللوامة وعمل ما في وسعنا لتكوين همة عالية.
من أعظم الأشياء ضرراً على الإنسان فراغه وبطالته؛ لأن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ولهذا من أسباب انحطاط الهمم لدى الشباب:
أ - ضعف الوازع الديني وانصراف الشباب إلى المغريات، وبالتالي يضعف صناعة الهمة.
عامل.
ب - كثرة الملهيات والمغريات، ودور الإعلام الفاسد في إغراق أبنائنا في حمأة الفساد، والحرص على حطام الدنيا فيولد هذا الأمر الفتور والانصراف عن العمل الجاد الذي يصلح النفس والمجتمع.
ج- غياب القدوة، أو تهميشها من قبل وسائل الإعلام وهذه خطة مدروسة فالفنانون هم النجوم دائماً تسلط عليهم الأضواء في كل وسيلة إعلامية، أما العلماء والأدباء ودعاة النهضة والعلم، فيمضون وراء الكواليس.
ونستطيع أن نحمي أنفسنا من هذا الفساد وذلك بالاستعانة بالله سبحانه ومجاهدة النفس حتى تبقى على الجادة كذلك لابد من أن نجار إلى الله بالدعاء ليكفينا شر الأشرار من شياطين الإنس والجن، وعلينا الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى والاستغفار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على توجيه من يعملون في الإعلام، والسعي لأن يكون الإعلام في أيد أمينة ترفع منارات الهدى في الخافقين وتحرص على حماية المجتمعات من عوامل الفساد والانحلال.
ولابد من القول: إن الواقع والمجتمع عليهما أكبر مسؤولية على قصور الهمم وانحطاطها لاهتمامهما بسفاسف الأمور وإنك لتعجب أشد العجب لكثرة الفنانين الذين لا هم لهم إلا نشر الفجور والخلاعة ففي كل يوم ترى وجها جديداً وحفلاً ماجناً تصرف عليه الملايين في حين ترى ملايين الجوعى يثنون من براثن الجوع والحاجة.
ومن الضروري أن نقول: إن للآباءوالمعلمين دور عظيم في إذكاء روح الهمة في أبنائهم؛ لأنهم هم من يكتفونهم برعايتهم. يجب أن يكونوا خير قدوة لا يصرفون وقتهم في غير ما فائدة فوقت لقراءة القرآن ووقت لذكر الله ووقت لإمتاع الأولاد بالفكاهة الهادفة ولتوجيههم التوجيه الحق، فيعطي كل ذي حق حقه، وأن ينصحوا أبناءهم يحثونهم على الهمة العالية ويعرضوا لهم أمثلة على علمائنا الأفذاذ ذوي الهمم العالية.
وفي الختام نقول: إن المكارم منوطة بالمكارة وإن المصالح والخيرات واللذات والكمالات لا تنال إلا بالكثير من المشقة ولنضع نصب أعيننا، قول العلامة ابن القيم الجوزية يرحمه الله: «وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن من آثر الراحة فاتته الراحة، وإنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا هم له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان ولا قوة إلا بالله».
المراجع
1- رياض الأنس في بيان أصول تزكية النفس، د. إبراهيم محمد العلي، يرحمه الله.
٢- مجلة المتميزة العدد (٣٥) ١٤٢٦ هـ .
3- أثر علو الهمة في إصلاح الفرد والأمة.
4- خطوات لتطوير الذات وعلو الهمة.
5- موقع مقالات إسلام ويب.
٦- من شبكة «أنا المسلم» للحوار الإسلامي.
7- منتدى «مجالس الإيمان والدعوة».
8- علو الهمة لإصلاح حال الأمة .
- تصحيح
كاتب المقال المنشور في العدد (۱۹۲۰) من «المجتمع تحت عنوان هل أصبح نقاب المرأة المسلمة جريمة يعاقب عليها القانون ؟! هو د. محمد الخالد وليس د. محمد بن موسى
الشريف. ولذا لزم التنويه عن هذا الخطأ المطبعي.
- الصبر على الطاعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله : الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية ذلك لأن كثيرا من الخلق يسهل عليهم الصبر علي المصائب والبلايا وعن المعاصي، ولكن قليلا منهم من يصبر على طاعة الله عز وجل، بل من الناس من يصبر على المعاصي ويتحمل من أجلها ما لا يتحمل معشار معشاره على طاعة الله عز وجل.
والصبر أنواع ثلاثة:
١- صبر على طاعة الله، وهو أفضلها.
٢ - صبر عن معصية الله عز وجل.
3- صبر على أقدار الله عز وجل.
قال ابن القيم يرحمه الله: «فالأولان صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث صبر على ما لا كسب للعبد فيه».
كما أن للصبر ثلاث مراتب:
الأولى: الصبر بالله، ومعناها الاستعانة به قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِالله﴾(النحل : ۱۲۷)، يعني: إن لم يُصبرك الله لم تصبر.
الثانية: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى.
الثالثة: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه، صابرا نفسه معها.
وللصبر فضائل كثيرة منها : :
فالصابرون في معية الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه، قال تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين (10) ﴾(البقرة)، كما أن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، فكل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى : ﴿ إِنما يُوفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابِ﴾ (الزمر)، وقد علق الله الفلاح في الدنيا والآخرة بالصبر، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا اصْبَرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لعلكم تفلحون ﴾ (آل عمران)، فعلق الفلاح بمجموع هذه الأمور .
نسأل الله أن يرزقنا الصبر في كل أحوالنا.
عصمت عمر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل