العنوان المجتمع التربوي (1950)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 58
السبت 30-أبريل-2011
- «الدنيا » دار ابتلاء .. والله سبحانه لم يجعل نعيمها جزاء للمتقين ولا بؤسها شقاء لسواهم.
- المحن تزيد من صلابة المؤمن فتَنفتح له أبواب الخير.
هيفاء علوان
الحياة كانت ومازالت بحراً متلاطم الأمواج، والبشر فيها بين اثنين الأول: يهفهف في نعيم الملذات والشهوات قد من الله عليه من واسع رزقه، ومنحه الهناءة والأمان. والثاني: يعيش في ظلمات بعضها فوق بعض، تكالبت عليه الضراء والرزايا فدكت أعضاءه دكا ودمرت عقله وقلبه، وأصبح فريسة لليأس، ودب فيه الخمول والكسل ولازمته البلايا والعلل.
ولكن.. «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له»، كما قال الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام.
الأيام دول
إن الأيام دول، فيوم لك ويوم عليك، فالغني قد يصبح غدا أو بعد غد فقيراً، والفقير قد يصير حاله إلى خير في غمضة عين وانتباهتها، وصدق من قال:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
والدنيا إنما هي دار ابتلاء وليست بدار قرار، فالله لم يجعل نعيمها جزاء للمتقين ولا بؤسها شقاء لسواهم، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، كما ورد في الحديث الشريف.
والدنيا إنما هي أيام، ونؤول بعدها إما إلى جنة ونعيم، وإما إلى نار الجحيم والعياذ بالله.
فينسى من غمرة نعيم الدنيا، ينسى ما كان عليه من سرور وحبور، إن كان مآله الويل والثبور، وأما من تفضل عليه الباري بمنه ورحمته، وأدخله جنته، وكان ما كان في الدنيا من تعاسة وشقاء، فينسى ما كان عليه من بلاء وضراء، ويحمد الله أن خلصه من دار البلاء.
فالصبر الصبر يا أخي المؤمن ويا أختي المؤمنة، إنما الدنيا كما قال الحبيب: «ما لي والدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم ذهب وتركها».
همة عالية
فلا تغتر - أخي المسلم وأختي المسلمة بالدنيا وملذاتها ومغرياتها .. فكل شيء يزول ولا ينفع يوم القيامة مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وليكن قدوتك المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام إذا انتابك البلاء، وعمت أيامك البلواء، أن تثابر على العمل وفعل الخير واجعل همتك عالية فوق السحاب ولا تدع القنوط يجد إلى قلبك سبيلا وليكن دأبك تحقيق قول الشاعرة:
همتي فوق القيود همتي تحيي الجدود
همتي تغزو السحاب همتي تفري الحديد
كن ذا همة عالية، وإن لم تحصل على ما تريد، فلا تجعل نفسك تميل . للإحباط، وإنما عودها على الإصرار والمثابرة حتى تصل إلى ما تريد.
لا تقنطن إذا نابتك نائبة وافرش و نم وتوسد نومة الخالي
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال
فدوام الحال من المحال، وفي كل خير، فالمحن تزيد من صلابة المؤمن التقي، فتَنفتح له أبواب الخير، ما دام يدرك أن في الخير والشر محنة ومنحة، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ (البقرة : ٢١٦).
إن الإرادة تصنع المستحيل، والإنسان قيمته بما ينجز في حياته وبقدر تحمله على اللأواء.
اركب شراع التصبر يصبرك الله هي النفس ما حملتها تتحمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وللدهر أيام تجور وتعدل
وأحسن حالات الرجال التفضل مع التحفظ على كلمة الدهر، فإن عاقبة الصبر الظفر بما يريد المرء إما في الدنيا، وأفضل منه النعيم المقيم في جنان الخلد .
كثيرون ممن يغفلون عن حكم البارئ عز وجل، يظنون أن نعم الله عليهم الكثيرة دليل على رضا الله سبحانه، ويظنون خاطئين أن قلة زاد الآخرين من الدنيا لهو دليل على سخط الله على هؤلاء المساكين، وقد يكون هؤلاء الذين تفضل الله عليهم قد عرفوا الإسلام، وقد يكونوا من الدعاة إلى الله، ليس لنا إلا أن ندعو في الختام:
اللهم ارزقنا العلم، وزينا بالحلم وجنبنا الظلم واجعل الصبر شعارنا والهمة من أجل ديننا ودنيانا سبيلنا ورضاك يا رب هدفنا.
■ الأمانة
عصمت عمر
الأمانة فريضة جليلة حملها الإنسان بينما أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها لعظمها وثقلها، يقول تعالى: ﴿إنا عَرَضْنَا الأَمَانَة عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنِ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانَ إِنَّهُ كَانَ ظلُومًا جَهُولا ﴾ (الأحزاب 72).
والأمانة خلق عظيم من أخلاق الإسلام وأساس من أسسه، وجب على كل مسلم الحفاظ عليه، وهي لم تقتصر على المعاملات في حفظ الودائع وردها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي وإن كانت أهمها ، بل اتسعت لتشمل أنواعا كثيرة، منها : الأمانة في حفظ الجوارح قال الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالفَوَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ (الإسراء 36)؛ فالجوارح والأعضاء كلها أمانات، يجب على المسلم الحفاظ عليها ليردها إلى المولى عز وجل على أكمل وجه، ولا يستعملها فيما يغضبه سبحانه.
ولا تنتهي المسؤولية بحفظ الجوارح ولكن كل إنسان مسؤول عن شيء تحت ولايته يعتبر أمانة في عنقه، سواء أكان رجلا أم امرأة، وسواء أكان حاكما أو والدا، قال : «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها (زوجها ) وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
الأمانة في العمل: فأي عمل يوكل به المسلم يعد أمانة، وتضييعه خيانة.. فعن - أبي هريرة و قال: قال رسول الله : «إذا ضَيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة» ( رواه البخاري).
الأمانة في العبادات وحفظ الودائع: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا ﴾ (النساء : ٥٨ ) ، ذكر ابن كثير يرحمه الله أنها عامة في جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، وهي نوعان:
1. حقوق الله تعالى؛ فمن الأمانة أن يلتزم المسلم بالتكاليف، فيؤدي فروض الدين كما ينبغي، ويحافظ على الصلاة والصيام وبر الوالدين، وغير ذلك من الفروض التي يجب علينا أن نؤديها بأمانة لله رب العالمين.
2. حقوق العباد كالودائع وغيرها؛ ومن الأمانة حفظ الودائع وأداؤها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي، مثلما فعل الرسول مع المشركين، فقد كانوا يستأمنونه على ودائعهم لما عُرف عنه من صدق وأمانة بين أهل مكة، فكانوا يلقبونه قبل البعثة بـ الصادق الأمين»، وحينما هاجر من مكة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب آلية ليعطي المشركين الودائع والأمانات التي تركوها عنده.
الأمانة في البيع وعدم الغش، فقد مر رسول الله ﷺ على رجل يبيع طعاما فأدخل يده في كومة الطعام، فوجده مبلولا، فقال له: ما هذا يا صاحب الطعام، فقال الرجل: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله، فقال النبي : أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس مني ( رواه مسلم).
الأمانة في حفظ الأسرار، فالمسلم يجب أن يكون أمينا لا يفشي سرا لمن ائتمنه، قال رسول الله : إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة ( رواه أبو داود ،والترمذي).
كما أمرنا النبي ﷺ بأداء الأمانة مع جميع الناس، وألا نخون من خاننا، فقال ﷺ: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تحن من خانك » (رواه أبو داود والترمذي، وأحمد).
ومع ثناء المولى عز وجل على عباده المؤمنين يحفظهم للأمانة، في قوله تعالى: ﴿ والذين هم لآماناتهم وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ (المؤمنون ۸)؛ تتجلى منزلتهم في الجنة وهم فيها خالدون.