العنوان المجتمع التربوي (1066)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
وقفة تربوية:
التلقي للتنفيذ
ذكر سيد قطب -رحمه الله- في كتابه القيم «معالم
على الطريق» في فصل «جيل قرآني فريد» أن الذي ميز جيل الصحابة -رضي الله عنهم- عن
الأجيال التي أعقبتهم ثلاثة أمور رئيسية ألا وهي:
1- الأخذ من المنبع الصافي، وهو القرآن الكريم
والسنة المطهرة دون خلطه مع ثقافات أخرى.
2- منهج التلقي للتنفيذ للإسلام.
3- خلع ثوب الجاهلية تمامًا عند الدخول
للإسلام.
وإذا كان من الصعب تحقيق الأول والثالث بسبب
كثرة المؤثرات الخارجية التي تعمل ليل نهار في هذا الإنسان المسلم، فإنه لا عذر في
عدم تطبيق السبب الثاني وهو منهج التلقي للتنفيذ، ولو أننا طبقنا هذا الأمر لوحده
لكان كفيلًا بتحقيق الأمر الأول والثالث؛ حيث إن الكثير منا يتلقى الوعظ أو يقرأ
أو يناقش لمجرد الاستمتاع وتضييع الوقت أو للترف الفكري، ذلك لأنه يستسلم لقناعات
محددة، وأهواء آسرة، لا يستطيع حيالها تغيير الخطأ الذي هو عليه، فلذلك يستمع إلى
الموعظة بنفسية إسقاط الواجب فحسب، وليس بنفسية التلقي للتنفيذ.. مع أن تغيير
الأمم مرتبط بالقرار الذي يتخذه كل فرد في الأمة لتغيير نفسه؛ حيث يقول الحق
سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) فأساس مشكلتنا لا تكمن في نقص العلم أو العلماء،
إنما تكمن في ضمور هذه النفسية التي تتلقى للتنفيذ. وهذا هو السر الذي بسببه قرن
الله سبحانه وتعالى الإيمان بالعمل، فما ذكر الإيمان في موضع إلا وقرنه بالعمل،
حيث إن الإيمان لا يكمل إلا بالعمل.
أبو
بلال
هموم من الواقع.. «أحبك
في الله»
عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن رجلا سأل
النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال:
لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله! فقال: أنت مع من أحببت.» قال أنس فما فرحنا بشيء
فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنت مع من أحببت». قال أنس: فأنا أحب النبي
صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل
أعمالهم (رواه البخاري ومسلم).
تربية نبوية لهذا الرجل البسيط والذي جاء يسأل
عن أمر الساعة، وعندما سأله النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: وما أعددت لها؟
بماذا استعددت لهذا اليوم العظيم؟ وبماذا تزودت؟ فكان في التعبير صادقًا نابعًا من
الفطرة لم يخالطه الغبش أو السخم وإنما قال: إني أحب الله ورسوله، فتأتي البشارة
النبوية من هادي البشرية من القائد العظيم واليد الحانية بقوله: «أنت مع من أحببت».
الله أكبر.. ما أعظمها من معاني يفوح عطرها بين أرجاء المحبين وإن كتموها! إنها
أنوار الحب في الله وأنوار المتحابين بجلال الله فهم على منابر من نور يغبطهم
النبيون والصديقون والشهداء بمنازلهم يوم القيامة فهي نعمة عظيمة لا تقدر بثمن ومن
اقتنصها أو كسبها فليحمد الله على هذه المنة وهذا العطاء فالكثير الكثير قد حرموا
من هذه النعمة، نعمة الحب في الله، وذلك بسبب سلوكياتهم وعلاقاتهم مع الآخرين فهي
الطريق الذي يصل إلى هذه الفضيلة... فكلما صلحت العلاقات، وسمت الأفعال وارتقت
السلوكيات ما بين الإخوان زادت هذه العلاقات الحب في الله، بل وثق فيما بينها وقوى
رابطتها وجعلها كالجسد الواحد.. الغدو والرواح، البسمة والضحكة، الفرحة.. الحزن..
الألم؛ الجميع يشعر بهذه الإحساسات وهذه التصرفات بل ويشم رائحتها الزكية.. فهي
كالمسك الأذفر، وكالعقد الثمين تزين الأخوة في الله.
وهناك الكثير والكثير من الشواهد القرآنية
والسنة النبوية والسيرة العطرة بمدح هذه الفضيلة ولكن نجد من يبخل بها مع أحبائه
وأخلائه مع بساطة هذه المعاني: «أحبك في الله» ثلاث كلمات لو وزنت بما في الأرض من
ذهب أو فضة أو نفيس لوزنتهم؛ كلمات ومعانٍ ممزوجة بماء المسك كم منا قد بخل على
أخيه بهذه المعاني المعبرة، وكم منا نسي أن يوثق العلاقة الأخوية بها، وكم منا لم
يذق طعمها ويستنشق عبقها.
فلنراجع أخوتنا مع بعضنا ولنثرِ هذه العلاقات
ولنوثقها ولنزينها برابطة الحب في الله حتى يظلنا الله تحت ظل عرشه ومستقر رحمته
يوم لا ظل إلا ظله ولا تنس أن تقول دائمًا «أحبك في الله» لمن أحببت، وأنتم كذلك جميعًا
فإني أحبكم في الله.
خالد
مال الله
المزاح الممدوح
1- «أتت النبي صلى الله عليه وسلم عجوز فقال
لن تدخل الجنة عجوز، فبكت فقال: إنك لست بعجوز يومئذ» قال الله تعالى: ﴿إِنَّا
أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا.
لأصْحَابِ الْيَمِينِ﴾.
2- جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
يقال لها "أم أيمن" فقالت له: إن زوجي يدعوك؛ قال: «ومن هو؟ أهو الذي
بعينه بياض؟» قالت: ما بعينه بياض! قال: «بلى بعينه بياض». فقالت: لا والله! فقال
صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وبعينيه بياض». وأراد به البياض المحيط
بالحدقة.
3- جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت: يا رسول الله احملني على بعير. فقال «بل نحملك على ابن البعير». فقالت: ما
أصنع به إنه لا يحملني! فقال صلى الله عليه وسلم: «ما من بعير إلا وهو ابن بعير».
كل هذه الأحاديث النبوية ترشد إلى نوع المزاح
الممدوح وتشير إلى النكات الأدبية التي لا فحش فيها لأن فيها تطييبًا للنفس،
والمزاح له مواضع خاصة، فإن أخرجته عن موضعه ذهبت عنك الهيبة، ويجرى عليك السفهاء،
ولا أعني بذلك أن يكون المرء جافي الطبع وقاسي القلب ولكن يجب أن يكون من أهل
الحياء قبل أن يكون من الظرفاء.
السمير
الواعظ "بتصرف"
ماهر
السعيد
آلام قلم وكلمات
أمل: المعاناة الثالثة عشر
ثالثا: احتياجات
صناعة التجديد
بقلم: الشيخ جاسم مهلهل الياسين
الفكر الحركي الإسلامي مبعث للمعاناة، حينما
تتأمل فيه، لأننا نجد قصورًا فيه أحيانًا، ونجد فيه أحيانًا أخرى أمورًا مضى وقتها
الذي كانت مناسبة له في حينه. وهي اليوم تقال في زمن غير زمنها، وربما في بيئة غير
بيئتها، فقد جدت أحداث وتلاحقت أزمان حملت كثيرًا من التغيرات في الوقائع ونوعية
المواجهات وامتداد واتساع الحركة، مما كان يستدعي تطورًا فكريًا تجديديًا، لا يصف
هذه الأحداث ويلاحقها فقط بل يسبقها ويمهد لها إن كانت صالحة ويحذر منها إن كانت
غير ذلك. وهذه محاولة لتصحيح شيء مما لحق الفكر الحركي الإسلامي، قد تخفف شيئًا من
المعاناة، وقد تحقق أملًا ربما طلبناه.
من المتفق عليه أن زمن التغيير يحتاج إلى وقت
لأن الأفكار التي تقوم عليها الحركات قد انفعلت بها النفس وتوارثتها الأجيال،
وأصبح لها واقع ملموس يعيشه الناس، ولهذا سنحاول أن نستعرض الأساسيات التي يحتاج
إليها العاملون في مجال التجديد في الفكر الحركي، وفي البداية نطرح السؤال الآتي:
● من أين يبدأ التغيير؟
يبدأ من الإنسان نفسه، لأنه هو محور التغيير
الذي يتم داخل الحركة الإسلامية ومن أبنائها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) وعلى هذا لابد من
صياغة الإنسان في الحركة لكيلا تطمس شخصيته فيظل معطل القوى مزعزع الشخصية، فلابد
من صياغة جديدة تعطيه قدرًا كافيًا من حرية التفكير وإبداء الرأي والإبداع، وهنا
نجد سؤالًا يطرح: هل يكفينا من صاحب الفكر الحركي التجديدي أن يقضي حياته بين
الكتب والأقلام والدفاتر ليروي لنا مما فيها عند أي احتياج يعترضنا؟ وهل يقف عندما
كتبه الآخرون موقف الشارح والمؤرخ بين التأييد والمعارضة؟ نقول مع فائدة الأولى
والثانية إلا أننا نحتاج إلى أكثر من ذلك. نحتاج إلى تجميع لكل مشاكلنا والعوائق
التي تعترضنا لنضعها في وحدات متجانسة ثم نسلط عليها فكرًا شوريًا متفتحًا مستنيرًا
بالكتاب والسنة ليضع وليحدد لنا المنهج الذي قد نصل فيه إلى حل مشكلاتنا. إن
مشاكلنا ليست متكلفة ومتصنعة بل هي ممارسات يومية تحتاج منا إلى شيء من الجرأة
لنضعها أمام أعيننا فهي من وضوحها لا تحتاج إلى مجرد مجهر ولكنها الرهبة من تحديد
السؤال لصعوبة الإجابة، وعملية التجديد تحتاج إلى استيعاب لحصائل الإنتاج البشري
في مجالات الإدارة والعلوم النفسية والتربوية كما أن من مقومات التجديد وجود العلم
والحركة والتفتح والقوة.
● العلم
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
أَنفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53) وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيْهِمْ﴾ (التوبة: 122).
● والحركة
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى،
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: 39).
- والتفتح:
الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
- والقوة:
ولأن القوة تستلزم الحركة والفعل والاندفاع والتقدم فالضعف تخلف وجمود.
فالحركات بحاجة إلى قوة من التماسك والنضج،
وهذا يحدث حين ازدياد المعرفة واتساع الخبرة، والحركات إن كان فيها بعض البسطاء
الذين يسهل إثارتهم فما ينبغي أن تكون الحركة والجماعة بمجملها مما يتلاعب بها
أصحاب الاختصاص الذين يتحكمون في المجاميع فيضعونها بالمواقف التي يرسمونها لتضرب
أو تظهر أمام العالم بالصورة التي تجعلهم كالسفهاء الذين من المناسب أن يحجر عليهم
والقصص في ذلك لا حصر لها، بل لو استعرضنا المطبات التي تعرضت لها الحركات
الإسلامية لوجدنا أن هناك وضوحًا لخبث الأذكياء المدربين على التلاعب بالحركات،
ولكن هذا يمكن التقليل منه برفع مستوى الحركات فإن من المقبول أن تكون هناك مجموعة
من البسطاء في الحركة ولكن ليس طبيعيًا أن تكون الحركة بكاملها متصفة بالبساطة
والسذاجة. فقد أصبح في مقدور الإنسان بحسب العلوم الحديثة العمل على تغيير الشعور
واللاشعور، وإن كانت قدرة الفرد على التغيير ليست مطلقة، ولكن الجماعة كمؤسسة
متكاملة لها القدرة على تغيير ما بالنفس، وهذا إن لم تفعله الحركة كمؤسسة في وقت
الرخاء قد تضطر لعمله في وقت المشاكل والفتن، وهذا له ضريبته الكبيرة، وهنا لابد
من مراعاة الظرف والزمان في التعامل مع الواقع والناس، ونحن نستأنس في ذلك بما ثبت
عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في التصرف مع
المنافقين: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" واعتبار
المصلحة العامة عند الخطاب والتصرف. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر حذيفة
بن اليمان بإخلاء سبيل اليهودية التي تزوجها بالمدائن قائلًا له: "أعزم عليك
ألا تضع كتابي هذا حتى تخليها فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل
الذمة لجمالهن وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين".
وهنا عند حديثنا عن قضية التجديد لابد من
الابتعاد عن الأطروحات الانفعالية الخطابية التي قد تحرك العاطفة، ولكنها قد لا
ترشد العقل، والابتعاد عن التهويل والمبالغة، لأن البناء يستدعي التأني والصبر
والنضج، فعملية التجديد ليست سلوكًا فرديًا أو قياديًا بل هي القدرة على بناء
عقلية قادرة على البناء والإبداع والتجديد، وهذا العقل المبدع القادر على رسم
المنهج التجديدي الحركي العميق أبعاده ومتابعة تنفيذه بكل الوسائل المتاحة؛ هذا
العقل يلزم أن تكون فيه النظرة الشمولية الكاملة القادرة على التراتيب التي تناقش وتعالج
الأسباب والعلل قبل النظر إلى الآثار، فالوقوف طويلًا عند الآثار وتضخيمها وإغفال
الأسباب يقتل الإبداع ويحرم الإنسان من القدرة على العطاء والإفادة. فالعقلية
المبدعة تحسن قراءة الظروف وتحديد الإمكانات، والمبدع المجدد يركض إلى أهدافه
ويتجاوز المشي إلى الهرولة وعنده يقظة وتوهج في ضميره ويحقق في ذلك وفاقًا مع
الكون المتحرك المتجدد، فهو صاحب عقلية تملك القدرة على الرؤية الاستشرافية التي
تطل من فوق على العمل الإسلامي بحثًا عن حشود الظواهر في العلائق والارتباطات وصولًا
إلى الحل والنتيجة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل