; المجتمع التربوي (1123) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1123)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

مشاهدات 59

نشر في العدد 1123

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

وقفة تربوية

«هذا تأويل رؤياك»

قالت لأبيها: «يا أبتِ إني رأيت في المنام كأني ممسكة بيد أخت لي في الله، نمشي في حديقة مظلمة، وبينما نحن نمشي، إذا ببوابة تلوح لنا من بعيد، فما إن اقتربنا منها حتى سمعنا ضوضاء المعازف وأصوات الغناء، وضجيج آلات الملاهي تنبعث في داخل تلك الحديقة، وعندما دلفنا بالداخل، تعثرت فأقامتني أختي، ثم تعثرت فأقمتها، ونحن مبهورات بالأنوار الملونة والألعاب والملاهي المختلفة من كل نوع، ثم ابتعدنا عن زحمة الناس وإزعاج أصوات الغناء والآلات، وجلسنا بعيدًا على كرسي في أطراف الحديقة، وإذا بصديقة قديمة أعرف أنها غير ملتزمة أقبلت علينا تدعونا بإلحاح لأن نشاركها في اللعب، وترغبنا بكل ما أوتيت من فنون الترغيب، وما كانت تقوله لنا: أنتما ما زلتما صغيرتين فلماذا لا تتمتعان؟ فصرخنا بصوت واحد في وجهها وقلنا: لا.. لا، ثم ذهبت تلك الصديقة، فالتفتت إلى أختي في الله وقلت لها: لا تتركيني، فقبضت كل واحدة منا يد الأخرى، وقالت: لن أتركك أبدًا، ثم استيقظت من الحلم.. فما تأويل رؤياي؟».

أجابها أبوها: «إنها رؤية صالحة، فحديقة الملاهي تمثل الدنيا بما فيها من الزينة والزخارف وأنواع الجواذب والصديقة القديمة تمثل الرفقة السوء وأباليس الإنس والجن، وأختك في الله تمثل الأخوة في الله. 

وتعثرك في الحديقة إنما يدل على أن السقوط والتعثر والانجذاب نحو زينة الدنيا وارد، ولكن لا بد من الاستيقاظ بسرعة والتوجه إلى الله، والاعتصام بالأخوات في الله. فهي التي أقالتك من عثرتك، وإقالتك لعثرتها إنما يدل على وجوب النهي عن المنكر، وأن هذا الطريق هو الذي أضاءه الله لك، فالتزمي به وقولي دومًا للباطل: «لا وألف لا».

أبو بلال

الكبر و الهوى: أخطر مصائد الشيطان

بقلم: محمد الجاهوش

مصيدة الكبر: أما مصيدة الكبر فتلك التي تقصم الظهور، وتحل أهلها دار البوار وتسلك بهم مسالك الأشرار، ولا يزال الشيطان ينفخ في أوداجهم حتى يحلهم أضيافًا في جهنم وبئس المصير. 

ذلك أن المتكبر لا ينفك واقعًا في حالة من ثلاث: 

1. إما أن المتكبر على الله - عز وجل - يأنف أن يخضع لشرعه أو ينقاد لأمره ونهيه، فذلك الذي زلت به القدم وطبع الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره ﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35) وهذا الصنف ممن تسعر بهم النار جزاء كبرهم وإعراضه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (غافر: 60)، إنه الكفر بعينه.

2. وصنف يتكبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعتقد عصمته، ولا يروقه هديه، ولا يرى صلاحية رسالته للحياة المعاصرة وأنه لا خير في تطبيقها. 

فهذا والذي قبله من معدن واحد، كلاهما رد على الله - سبحانه وتعالى ما أمر به، ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (الحشر: 17).

3 - وقسم خدعه الشيطان عن نفسه، فصده عن السبيل، وزين له سوء عمله، فمشى في الأرض مرحًا مختالًا، متوهمًا أنه يخرق الأرض ويطاول الجبال، فهو يزهو بوهمه، لا يرى لغيره حسنة ولا منقبة. 

وما درى – المسكين - أنه دون ما توهم، وأدنى مما يظن، وفاته أن الشوكة تؤذيه، والبرد يرديه، ولا يطيق الحر احتمالًا. فقيم التعالي؟ وعلام الكبرياء؟ وما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود؟

هب أن الدنيا مضت على وفق ما تحب، فكيف يغيب عنك أنها ليست سوى مرحلة فتنة وابتلاء؟ وأن العباد معروضون على الله - عز وجل؟ فسابق مجلي ارتقى به عمله إلى عليين ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69).

ومقصر مسبوق، قعدت به همته، وشغله النظر في عطفيه فضاع عمره دون أن يقدم ما يفيده بعدما تذهب الدنيا ويفنى متاعها.

وهب أن العفو شامل، فأين خجل العتاب، وذل الحساب، وتأخر المنزلة؟ ألم يأتك النذير؟ بأن «شر عباد الله الفظ المستكبر» وأن «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار».

ألا وإن أشد المتكبرين عذابًا أولئك الذين يحتقرون المؤمنين، ويحاربونهم في دينهم ورزقهم وذريتهم، ويرصدون زبانيتهم في كل طريق يؤذونهم بغير ما اكتسبوا، وينسبون إليهم ما لم يفعلوا، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58).

مصيدة الهوى: قمة سعادة المرء أن ينضبط هواه بأحكام الشرع، ويحمل نفسه على طريق القصد والاستقامة، وإذا ما انحرف الهوى قاد النفس إلى الهلاك، وأودى بصاحبه في مهاوي الضلال.

وإذا ما علمنا أن الإسلام معناه: الانقياد والاستسلام لأمر الله عز وجل، تبين لنا أنه بهذا المعنى مضاد لاتباع هوى النفس، ومجاراتها فيما ترغب وتشتهى.

وقد حارب الإسلام اتباع الأهواء، وبين مضاره في حياة الأفراد والأمم، وأنه من طباع المعاندين الذين حادوا الله ورسوله، وأعرضوا عن سماع الحق، فضلا عن اتباعه.

واتباع الهوى يجلب على أهله أضرارًا كثيرة ويوقعهم في شتى الرذائل، والتي تصل أحيانًا إلى الكفر والضلال، فهو:

1 - مدعاة للاستكبار والإعراض عن اتباع الحق: وبذلك ضلت اليهود والنصارى، حيث قادهم الهوى إلى التكذيب والكفران، تمثل ذلك في أبشع صوره عندما أقدموا على قتل الأنبياء، واستباحة حرماتهم، وقد نعي القرآن عليهم موقفهم هذا، وبين للمؤمنين عاقبة أمرهم ليعتبروا، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَّا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87)، فياله من ضلال قاد إليه الهوى، فأوردهم جهنم، وبئس المصير.

2 - ظلم الناس والاعتداء عليهم: ذو الهوى لا يراعي إلا مصلحته، ولا يبالي في أي وادٍ هلك الناس، إذا ما تحقق هواه، وقد ذم الله هذا الصنف من الناس، وأنذرهم سوء المصير، قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُواْ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓاْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135).

فلو أنصفوا لارتفعوا بأفكارهم، ولما قادهم هواهم إلى هذه الدركات من الظلم.

3 - الضلال عن سبيل الله: يعتبر الهوى من مضلات الفتن، وإن أقوى مقاتل الإنسان وأوجعها: إعجابه برأيه، وانقياده لأهواء نفسه، وقد شخص القرآن الكريم نتيجة اتباع الهوى وما يترتب عليه من آثار.

قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: 26).

وما صرف أهل الضلال عن الاستجابة لدعوات الرسل إلا اتباع الأهواء، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 50).

أشد أنواع الضلال: إن كان الضلال أنواعًا فأشدها وأشنعها هو انقياد المرء لهواه وهو يعلم خطأ فعله، وضلال سعيه، وأن الرشد والصواب فيما أعرض عنه، فالهوى يغطي على القلب، ويعشي البصر، وصاحبه مخذول ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).

سد مسالك الشيطان تسلم: فحري بالمؤمن أن يسد مسالك الشيطان، ويعتصم به بعرى الإيمان، ويتيقظ لكيده ومكره، فلا يقع في مصائده، ولا شيء يعين على ذلك مثل سلامة العقيدة وحسن التوكل على الله عز وجل، ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99). 

سدد الله الخطى ووفق الجميع، والحمد لله رب العالمين.

مشكلات و حلول في حقل الدعوة

المشكلة: تغليب الناحية الروحية على الحركية

التعريف

ضعف الأداء الحركي وبروز في الناحية العبادية وتفضيلها على النواحي الحركية الدعوية.

الأعراض

1. الاعتذار الدائم عن التكاليف الحركية.

2. الغياب في الأنشطة الحركية وحضور الأنشطة العبادية الدعوية.

3. الإكثار من قراءة الكتب الإيمانية.

4. عدم الرغبة في قراءة الكتب.

5. كثرة الحديث في الأمور الإيمانية والأخروية.

6. الميل للعزلة وقلة الاحتكاك بباقي الأعضاء.

الأسباب

1. التركيز التربوي في بدايات الطريق على القضايا الإيمانية دون الاهتمام بالنواحي الدعوية والحركية.

2. الشعور بالندم الكبير على الماضي ومحاولة الاستدراك، وعدم تضييع وقت «حسب ما يظن» فيما لا ينفع.

3. الجهل بأهمية الدعوة إلى الله ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33).

4. تقصير أعضاء المؤسسة في بدايات الطريق بعدم توثيق الصلة به.

5. رؤيته لخطأ كبير في المجال الحركي سبب له ردة فعل عنيفة جعلته يقرر الاعتزال.

6. تأثره ببعض القدوات في القديم أو الحديث.

7. ظنه أن الشعائر التعبدية خير من الدعوة إلى الله.

8. فشله في إنشاء علاقات اجتماعية مع الآخرين.

9. تأثير نشأته الأسرية على صياغة شخصيته.

10. عدم إدراكه الأجر العظيم والأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في فضيلة الدعوة إلى الله ووجوب القيام بها.

11. الفهم الخاطئ لبعض القراءات من الكتب الإيمانية.

العلاج

1. تعويد الأفراد منذ البداية على فن إنشاء العلاقات مع الآخرين.

2. التربية المتوازنة بين الإيمانيات والنواحي الحركية الدعوية.

3. التركيز على أهمية الدعوة إلى الله وتبيان أدلتها والأجر العظيم للقائم بها.

4. تعويد الأعضاء الجدد على الاستشارة قبل قراءة أي كتاب كي لا يقعوا في الفهم الخاطئ أو الكتاب الخاطئ.

5. الانتباه للمثبطين في الحركة.

6. إيجاد أعمال تتناسب مع هذه النوعيات لتصريف طاقتها حتى وإن كانت قليلة.

7. الانتباه المبكر للميول وتعديل المسار قبل فوات الأوان.

8. المتابعة والتأكد من تلقي الأفراد للمنهج كاملًا.

9. التأكد من عدم تأثير المربي السلبي على أفراده.

آفات على الطريق ( 28) ( 4 من 4)

علاج الانهزام النفسي

الثقة في الله و منهجه و استشعار نعمه الظاهرة و الخفية في الكون يدفع إلى الثقة بالنفس و يخلصها من الانهزام.

تجنب أنتقاض الآخرين و تعقيدهم و توجيه كل فرد إلى العمل الذي يناسب جهده و طاقته يدفع غوائل الانهزام النفسي.

بقلم: الدكتور السيد محمد نوح

و في ضوء ما قدمنا من أسباب و بواعث للاحتقار أو الانهزام النفسي، يمكن وصف العلاج بل الوقاية، و ذلك على هذا النحو:

1- شغل أوقات الفراغ، و القضاء على البطالة بكل ما هو نافع ومفيد، وميادين الحياة باتساعها وتنوعها تجعل لكل واحد في الناس وظيفة وعملًا، ومن لا يصلح لهذا العمل يصلح لذاك، وهكذا كانت سيرته ﷺ مع أصحابه، لا يدعهم في بطالة أو فارغين من العمل، ويحرص أن يكون كل واحد في العمل الذي يتناسب مع جهده، وطاقاته، وإمكاناته، وبهذا حماهم من الاحتقار أو الانهزام النفسي. 

2- تجنب انتقاص الآخرين، وتحقيرهم ما أمكن كي نغلق الباب بذلك في وجه من يسولون أو يزينون للمرء الاحتقار أو الانهزام النفسي.

 3- الانسلاخ من الوسط المعروف بالاحتقار والانهزام النفسي، ثم الارتماء بين الوسط المعروف بالقوة، والشجاعة، والثقة بالله، وبمنهجه، وبرسوله، وبالنفس، فإن ذلك من شأنه، أن يعين على التخلص، بل الوقاية من الاحتقار أو الانهزام النفسي.

4- العمل بكل وسيلة ممكنة على إخراج حب الدنيا من القلوب ولا بأس أن تصير هذه الدنيا في اليد،  ما دامت من حلال، وما دامت بعزة نفس، ويغير تكالب، وما دام تعاطيها وسطًا بين الإسراف والتقتير، ولا يضيع حق الله فيها، فإن المرء إذا نجح مع نفسه في هذا الباب، سهل عليه التخلص بل الوقاية من الاحتقار أو الانهزام النفسي.

5- مواجهة من يعملون على إضعافنا والنيل منًا، بالعمل الدءوب مع الإتقان والجد تجنبًا للفشل والإخفاق من ناحية، ومقابلة للوسيلة العملية المتقنة عند هؤلاء بمثلها من ناحية أخرى.

6-منح الناس حقهم في التعبير عن آرائهم، وعما بداخلهم، وتقديم ذلك على الطعام، والشراب، واللباس، والسكن، فإن هذا من شأنه أن يقضي على الاحتقار أو الانهزام النفسي، و ربما أسهم في غرس الثقة في النفوس من جديد، وما ذلك على الله بعزيز.

7- التعرف عن قرب على الله، وعلى رسوله، وعلى منهجه، بدوام النظر في آيات الله المنظورة، والمسطورة، فإن هذا من شأنه أن يزرع الثقة في النفوس، بعد أن يخلصها من الاحتقار أو الانهزام النفسي.

8- استشعار نعمة الله في الكون، وفي النفس الظاهر منها والباطن، الدقيق منها والجليل، والقرآن الكريم يقودنا عمليًا إلى ما ينبغي أن نستشعره ونبصره من هذه النعم، بل يقودنا إلى الثمرة المرجوة من وراء ذلك، وهي معرفة الله، والثقة به، وبمنهجه، والنزول على حكم هذا المنهج في كل شيء عن طواعية ورضي.

9- الاحتراز من المعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، مع الحرص على الإنابة، والتوبة عند اقتراف شيء منها فإن هذا من شأنه أن يطهر النفس، ويزكيها، ويمنحها الثقة والقوة.

10- دوام النظر في قصص النبيين، وخاتمهم محمد ﷺ وإتباعهم من الدعاة والمجاهدين، وحسبنا قصة موسى- عليه السلام- حين خرج من مصر ومعه قومه من بني إسرائيل، وتبعهم فرعون وقومه وبوغتوا بالبحر، وأصبحوا محصورين بين البحر، وبين العدو حتى قال قائلهم إنا لمدركون، ولكن موسى بقي قوياً ثابتًا بتثبيت الله له معلنًا أن الله لن يتركه، ولن يتخلى عنه لحظة واحدة، وصدق الله ما أعلنه حين قال: ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، (سورة الشعراء آية: 63- 67).            وبقيت محلاً للعظة والعبرة إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة إن (في ذلك لآية ..... ) وحسبنا أيضا موقفه ﷺ له يوم الهجرة حين قال الصديق: «يا نبي الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرأنا»، فرد عليه قائلا: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا» وصدق الله ذلك في قوله: 

﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 40). 

وموقفه كذلك من سراقة بن مالك يوم الهجرة حين قال له: «هل لك أن تكتم عني، وأعدك سواري كسرى وقيصر»؟

ربعي ورستم

وقديمًا لما قدم ربعي بن عامر في بساطته لباساً ومركبًا على الفرس يريد الدخول على رستم حين طلب رجلا نعرف منه ماذا يريد المسلمون دخل في سلاحه يدوس بفرسه البسط إلى أن انتهى إلى آخرها ونزل عنها وربطها بوسادتين، وأراد الدخول على رستم، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال- في عزة وإباء-: إني لم أتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم إلا كما أريد، وإلا رجعت، فأخبروا رستم، فقال ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟

فأقبل يتوكأ على رمحه حتى خرق النمارق والبسط، فلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه، فكلمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج مَنْ شَاء مِنْ عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، و من جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، و رجعنا عنه، و من أبي قاتلناه أبدًا، حتى نقضي إلى موعود الله، قالوا: و ما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، و الظفر لمن بقى، فقال رستم: لقد سمعت مقاتلكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، و تنظروا؟ قال: نعم كم أحب إليكم؟ يومًا، يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا، ورؤساء قومنا، فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند لقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك، و أمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.

فقال رستم: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ 

فقال: ويلكم، لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب)(1).

وما كان ربعي بن عامر فريدا في هذه العزة، والقوة النفسية بل كان كل الصحابة هكذا، وتوارثها المسلمون كابرًا عن كابر، حتى كانت عصور الضعف والإنحطاط، فتغيرت الصورة، وتبدل الموقف، وجاءت الحركة الإسلامية، وإذا العزة تبعث من جديد، وإذا القوة النفسية هي الأصل والأساس في الإنتماء لهذه الحركة.

حافظ عبد الحميد ومسيو سولنت

جاء في مذكرات الدعوة والداعية قول واضعها، ومشيد أركانها: تحت عنوان: «نماذج من تصرفات الرعيل الأول»:

«كان هؤلاء الإخوة مثلًا رائعًا، ونماذج طيبة من التمسك بأحكام الإسلام الحنيف في كل تصرفاتهم، والتأثر بأخلاقه، ومشاعره فيما يصدر عنهم، من قول أو عمل، سواء أكان ذلك مع أنفسهم، أو مع غيرهم من الناس، استدعى المسيو سولنت با شمهندس القنال- يعني قناة السويس بمصر- ورئيس قسم السكسيكون: الأخ حافظ عبد الحميد- أحد الستة الأول الذين كانوا نواة الحركة الإسلامية في مصر - في «ذي القعدة ١٣٤٧ هـ مارس ۱۹۲۸م» ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله، وسأله عما يطلب من أجر، فقال: (130) قرشًا «بالعملة المصرية»، فقال المسيو سولنت: بالعربي- أنت حرامي-، فتمالك الأخ نفسه، وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك، فقال له: لن أخذ منك شيئا، ومع ذلك، فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرؤوسيك، فإن رأى أنني طلبت منك أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي، أن أقوم بالعمل مجانًا، وإن رأى أنني طلبت ما يصح أن أطلب فأسامحك في الزيادة. 

واستدعى الرجل فعلا مهندسًا، وسأله، فقدر أن العمل يستوجب (200) قرش، فعرفه المسيو سولنت، وأمر الأخ حافظ أن يبتدئ العمل، فقال له: سأفعل، ولكنك أهنتني، فعليك أن تعتذر، وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبًا، وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم، وقال: تريد أن أعتذر لك، ومن أنت؟ لو كان الملك فؤاد نفسه- يقصد حاكم مصر آنذاك- ما اعتذرت له، فقال حافظ في هدوء أيضا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت، فأنت في بلد الملك فؤاد، وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام، وأنا لا أسمح لك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام.

فتركه، وأخذ يتمشى في البهو الفسيح، ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته، وجلس على كرسي، واتكأ على منضدة، وسادت فترة هدوء لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر، وبعد قليل، تقدم من حافظ، وقال له: أفرض أنني لم أعتذر إليك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين، سأكتب تقريرًا إلى قنصلكم هنا، وإلى سفارتكم أولًا، ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس، ثم الجرائد الفرنسية المحلية والأجنبية، ثم أترقب كل قادم، من أعضاء هذا المجلس، فأشكوك إليه، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك، استطعت أن أهينك في الشارع، وعلى ملًا من الناس، وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد، ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لم أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق.

فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع «أفوكاتو- أي محام- لا نجار».

ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس، فكيف تتصور أن أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني، لا في وطنك، وأن مدة إستيلائكم عليها مؤقتة، وستنتهي، ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ وإنصرف الرجل إلى مشيته الأولى. 

وبعد فترة عاد مرة ثانية، وعلى وجهه إمارات الثائر، وطرق المنضدة بيده في عنف مرات، وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء، وقال: متشکر یا مسیو سولنت، وزاول عمله حتى أتمه.

وبعد الإنتهاء أعطاه المسيو سولنت (١٥٠) قرشًا، فأخذ منها (120) قرشا ورد له العشرين، فقال له خذها: بقشيشًا- أي إكراما-، فقالك لا، لا، حتى لا أخذ أكثر من حقي، فاكون «حرامي» فدهش الرجل، وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت: «فاميلي محمد». 

فقال حافظ یا مسیو سولنت كل المسلمين «فاميلي محمد»، ولكن الكثير منهم عاشروا الخواجات، وقلدوهم ففسدت أخلاقهم، فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحًا، قائلًا: متشكر، متشكر، كثر خيرك، وفيها الإذن بالانصراف (2).

الشيخ فرغلي ومسيو فرانسو

وقال تحت عنوان: «الدعوة في جباسات البلاح»: «إتصل بعض عمال الجباسات، الفضلاء بالإخوان بالإسماعيلية، فنقلوا عنهم الفكرة إلى إخوانهم، ودعيت إلى زيارة الجباسات، وهناك بايعت الإخوان على الدعوة، فكانت هذه البيعة نواة الفكرة في هذا المكان النائي».

وبعد قليل طلب العمال إلى الشركة أن يبني لهم مسجدًا إذ كان عددهم أكثر من ثلاثمائة عامل، وفعلا إستجابت الشركة لمطلبهم، وبني المسجد، وطلبت الشركة من الجماعة بالإسماعيلية إنتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة والتدريس.

فإنتدب لهذه المهمة فضيلة الأخ المفضال الأستاذ محمد فرغلي- المدرس بمعهد حراء أنذاك «أحد الذين أعدمتهم ثورة يوليو المباركة في مصر عام ١٩٥٤م بعد حادثة المنشية الملفقة»

وصل الأستاذ فرغلي إلى البلاح، وتسلم المسجد، وأعد له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوي المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى إرتفع مستواهم الفكري، والنفساني، والإجتماعي ارتفاعًا عجيبًا.

 لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة، وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف، والذل، والضعف، والوهن، وإعتزوا بالإيمان بالله، وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة- خلافة الله في أرضه- فجدوا في عملهم إقتداء بقول الرسول ﷺ: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه. 

ثم عفوًا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الراس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية، أو لفظة جافية، أو مظهر من مظاهر التحقير، والإستصغار، كما كان شأنهم من قبل.

وتجمعوا على الأخوة، وإتحدوا على الحب والجد، والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء، وقرروا أنه إذا إستمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه، وجماح العمال..

ظن الرؤساء هذا في الشركة، وفكروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك، وأنها تفكر في إنتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير.

فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن يا مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح، ولو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى مرتبي منهم محولاً عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتبًا، ولا حسابًا، ولا أترك عملي في المسجد، ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي إنتدبتني هنا، وهو أمامكم في الإسماعيلية فاتفقوا معه كما تريدون، وإستأذن، وانصرف، وسقط في يد إدارة الشركة، وصبرت أياما، لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه كان قد إتصل بي في الإسماعيلية، فأوصيته بالتمسك بموقفه، وألا يدع مكانه بحال، وحجته معقولة، ولا شيء لهم عنده.

لجأت الشركة إلى الإدارة، وإتصل مديرها المسيو مانيو بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالاسماعيلية، وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور بقوته وجلس في مكتب المدير. 

وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد، وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر لي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل، ويعود إلى الإسماعيلية.

فأجاب بمثل ما تقدم، وقال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فإنصرف، ولكنك إذا أردت إستخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها، ووصل النبأ إلى العمال فتركوا العمل، في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة، فترك الموقف، وعاد إلى الإسماعيلية، وإتصل بي للتفاهم على الحل.

ولكني إعتذرت له بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر، ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول: إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أي عاطفة منها معنى الغيرة الوطنية، قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصًا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه: إنني صديق لكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدًا كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا أحكامًا عسكرية، كأنه جنرال تمامًا، فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركات تقسو على العمال، وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم، وتقتر في أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها، ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح.

وإتفقنا أخيرًا على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند إنتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميًا من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعني بسكنه، ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي، وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ الشيخ شافعي أحمد، وإستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء باسم الله مجريها، ومرساها (3).

إن مثل هذا القصص يولد في النفس معنى الإقتداء والتأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه، وبمرور الزمن يمكن القضاء على الاحتقار أو الانهزام النفسي

11- النظر بإمعان ودقة في العواقب المترتبة على الإحتقار أو الإنهزام النفسي، الدنيوية والأخروية، الفردية والجماعية على النحو الذي أسلفنا، فربما كان لذلك دور كبير في القضاء على الإحتقار أو الإنهزام النفسي.

12- وأخيرًا الإستعانة بالله، ودوام الضراعة إليه أن يخلصه ويخلص كل مسلم من أفة الإحتقار أو الإنهزام النفسي، وهو سبحانه يعين من يصدق في الاستعانة به، واللجوء إليه، وفي الحديث أنه ﷺ كان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء في الصباح والمساء:

«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم.......» وفي رواية ثانية: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز، والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال» وفي رواية ثالثة: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال« (4).

13- قيام ولي الأمر بواجبه من رعاية نفسه أولًا، وتربيتها على الإسلام الصحيح الذي يمنح العزة، والكرامة، والثقة بالنفس، ثم فتح المجالات وحمايتها، ورعايتها لتربية الأمة جميعًا على هذا الإسلام، فيسهم بذلك في اقتلاع جذور الاحتقار أو الانهزام من داخل النفس، ويغرس مكانها الشجاعة، والقوة، والعزة النفسية.

13- عدم الانبهار بحاضر الأعداء في مدينتهم المادية التي يعيشونها الآن، وعدم تقليدهم كذلك فيما هم عليه من تأخر وانحطاط خلقي، مع اليقين أن هذا الحاضر إلى زوال لأنه مبني على غير أساس صحيح، وما كان كذلك لا يدوم طويلًا، وأن الخير للمسلم أن يعيش حاضره المتميز على أساس من كتاب الله، ومن سنة نبيه محمد ﷺ ومن ماضيه المشرق الزاهر، ومن العمل الصادق الدءوب بالليل والنهار حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فإن لذلك دورًا كبيرًا في القضاء على الاحتقار أو الانهزام النفسي، ثم بناء النفس من جديد على معنى القوة والعزة الإسلامية.

الهوامش

1- أنظر حياة الصحابة للكاندهلوی۱\۲۲۰- ۲۲۱،  ٣/688 - ٦٩٠ نقلًا عن ابن جرير بتصرف كثير 302 - ص: ۷۸ – ۷۹- ۱۰۸- ۱۱۰ 

4-الحديث بكل روياته تقدم تخريجه في الجزء الثالث ص ۱۳۸- ۱۳۹ .

أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة - جامعة الكويت

الرابط المختصر :