; المجتمع التربوي (1166) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1166)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

مشاهدات 53

نشر في العدد 1166

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

الحركة الإسلامية وأمراض المجتمع

بقلم: علاء حسني المزين «*»

الحركة الإسلامية كيان اجتماعي نشأ عن ظروف تاريخية، وعوامل اجتماعية، ولا يلغي هذا أن نقول أن وجود هذا الكيان كان قدرًا من أقدار الله لهذه الأمة، وسنة من سننه الغلابة التي أقيم هذا الوجود على أسسها، وفي مقدمتها بقاء أهل الحق حجة على الخلق، ومواجهة للباطل والحركة الإسلامية لا تعيش منعزلة عن المجتمع الذي نشأت فيه، ولكنها بحكم النشأة والوجود والوظيفة تتفاعل مع هذا المجتمع تفاعلًا مستمرًا بقصد إحداث التغيير المأمول في حركة هذا المجتمع لتنسق مع المطامع الإسلامية، وتتجاوز به -من ثم- مرحلة التدهور الحضاري التي يحياها إلى مرحلة الريادة الحضارية التي يستحقها عند ذلك.

غير أن هذا التفاعل ككل تفاعل بين كائنين اجتماعيين ينتج أثاره المتبادلة على الطرفين، ولا غرو أن نقول إن الحركة تتأثر بالمجتمع الذي تعمل فيه سلبًا أو إيجابًا كما أنها تعمد إلى التأثير فيه تأثيرًا إيجابيًا بغير شك، أضف إلى هذا أن ظروف النشاة الأولى في هذا المجتمع تطبع الحركة بطابعها، وتحمل إليها بعضًا من ملامح المجتمع الذي نشأت فيه. 

وعلى هذا فإن مقولة إن الميراث الثقافي المجتمع ما تترك آثارها على فكر شخص من الأشخاص، وإن كان عالمًا هذا نجله، ونتخذه -أحيانا- مقياسًا للوعي الإسلامي الناضج أو أن هذا الميراث الثقافي يترك أثاره على حركة أو جماعة ليست مقولة خاطئة على إطلاقها، بل إنها سنة من سنن الله -عز وجل- في حياة البشر.

النقاء الفكري والحركي

ومن ثم فإن «النقاء الفكري» و «النقاء الحركي» لفرد أو جماعة يبقى رهنًا بمدى نقاء عملية التربية الأولى، ويبقى رهنًا بحيوية عملية النقد الذاتي والمراجعة المستمرة التي تضمن نفي الخبث، وإزالة المؤثرات الغربية.

إن هذه الحقيقة البسيطة -على بساطتها- قد تخفي علينا في غمرة الحماس الحركي والانغماس في ممارسة أدوارنا ونشاطاتنا وينشأ عن ذلك مشكلات جمة أخطرها أن يفتقد الفرد أو الجماعة الإحساس بخطورة ما ينتقل إليه من أمراض المجتمع، فتظل -ثمة- سمومها الفتاكة تسري في جسمه لتضعفه وتؤخر الكثيرمن الإنجازات، ومن ثم أحببت أن أبرز هذه الحقيقة لنكون على حذر من مخاطرها.

 إن أمراض مجتمعاتنا الشرقية التي انتشرت فيها خلال حقبة طويلة من الاستبداد السياسي والتخلف الفكري، وهو الوسط الملائم للكثير من جراثيم الأمراض الاجتماعية، قد انتقلت بصورة أو أخرى إلى الحركة أو أبنائها في بعض البيئات، وهم في النهاية أبناء هذه المجتمعات، قد تأثروا بوسائط التطبيع الاجتماعي في مجتمعاتهم بدءًا من الأسرة وانتهاء بوسائل الإعلام، ورغم إيماني -عن معاينة ومعايشة- بجهود الحركة الإسلامية الضخمة في مضمار تغيير هذه النفوس، ورغم يقيني بالنجاحات المتعددة التي أحرزت، والتي تمثلت في هذه النماذج الفريدة من الرعيل الأول وممن عاش في كنفهم، وتضمخ في أريجهم ممن جاء بعدها، رغم هذا فإني لا استطيع أن أخدع نفسي فأزعم أننا برءاء من أمراض مجتمعاتنا.

إن الشعور بالمرض أول الطريق نحو العلاج والتشخيص الدقيق للمرض يوفر الوقت والجهد ويقرب الأمل، واكتشافنا لعيوبنا بأنفسنا وسعينا لمعالجتها خير من أن يكتشفها عدونا فينفذ منها إلى مقاتلنا إن غفلنا عنها.

أمراض ينبغي الحذر منها

فليس من العيب أن نقول إن التعصبات بأشكالها، والاستبداد بأنماطه والتبرم بالنقد والتعلق بالبطل والهشاشة الفكرية والجنوح إلى التبسيط المخل أو التهويل المضل، والاستسهال وحب المظهريات، وضعف التفكير المنهجي وضعف الناحية العملية، وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة.

 إن هذه المظاهر يمكن أن نجدها بيننا هنا وهناك ناهيك عن أمراض الذات التي اصطلح علماء التربية المسلمون على تسميتها بأمراض القلوب، والتي تكتسب عادة بفعل البيئة الخاصة، أو الوسط الأول، ومن أخطرها تأثيرًا في دوائر العمل الجماعي العجب والغرور والرياء أعاذنا الله منها ومن غيرها جميعًا.

ومن غير شك هناك جهود محمودة لتعقب هذه الظواهر، ومعالجتها من خلال الوسائط التربوية المعتمدة، بيد أني أعتقد أن ما يبذل من جهد أقل مما ينبغي بالنظر إلى خطورة الأمراض ودائرة انتشارها. 

إن من الملاحظ أن ظهور وتنامي الحركة الصوفية في القرن الثاني الهجري قد جاء استجابة من قبل علماء الأمة لتحد خطير لمسوه تمثل في تلك الظواهر الخطرة التي تمخضت عن موجة الاندفاع الحضاري للأمة، وما تبعها من عمليات التداخل الثقافي والاجتماعي تلك الظواهر التي تشبه كثيرًا ما أشرنا إليه أنفًا.

وعلى هذا فإن معالجة هذه الظواهر ربما اقتضت حركة ما في الاتجاه ذاته أى التوسع في الاستفادة من تجربة الحركة الصوفية في نقائها الأول، وإن للتصوف المحرر على هدي الكتاب دوره الذي لا ينكر في أدوار تاريخية متعاقبة في التصدي لمثل هذه الأعراض ومعالجتها. 

وإنني لاستبشر خيرًا أن أرصد إقبالًا على تحقيق تراث أعلام حركة التصوف في العصور المتقدمة لتكون في متناول شباب ورجال الحركة الإسلامية المعاصرة، كما أن حركة التصنيف في هذا المضمار تبشر بالخير كذلك، وهي خطوات بتوفيق الله على الطريق الصحيح نسأل الله العلي القدير أن يبارك فيها، وينفع بها.

أهمية المربي

غير أن المؤكد أن الكتب وحدها على أهميتها لا تربي، ولا تعالج تلك الأدواء المستكنة في أغوار النفوس، ومساربها، وإنما يغني معها الغناء الأمثل أطباء القلوب 2XQ توفروا على هذا العلم الرفيع يجمعون دقائقه ويسبرون أغواره بنفوس نقية، وهمم عالية، وقلوب تستحق أن تنزل عليها رحمات الحق وفيوضاته، وتنكشف عنها ظلماتها فترى بعيون البصائر لا أحداق البصر ما لا يراه إلا الصديقون المخلصون.

وكم أؤمل أن نري في كل مدينة إن لم يكن في كل قرية واحدًا من هؤلاء الربانيين الذين يقومون على تلك الثغرة الهامة التي ينفذ منها إلى صفوفنا الشيطان وأعوانه، فيتعرقل السير ويتأخر النصر.

 وبرغم شكوى الإمام الغزالي قديما من ندرة هذا الصنف من البشر في زمانه الأقرب إلى أزمنة الخير الأولى، وهي شكوى قد تلقي بعض اليأس في القلوب، إلا أننا لا نفقد الأمل في رحمة الله الذي يتولى الصالحين ويمهد الدروب بقدرته لنصرة دينه وإعلاء كلمته «وإن الله لمع المحسنين».

 

  • آلام وآمال 

الظلم

بقلم: د.جاسم المهلهل الياسين

يُعرف اللغويون الظلم بأنه: وضع الشيء في غير موضعه

وجاء في أمثال العرب قولهم: «ومن استرعى الذئب فقد ظلم»، وهذا ظاهر في وضع الشيء في غير موضعه إذ موضع الذئب الطرد عن قطعان الغنم، لا جعله راعيًا عليها حتى يفتك فيها كما تهوى غريزته. 

والظلم بمعناه العام قد يكون من ظواهر قسوة القلب بفقدان الرحمة، وقد يكون من ظواهر الانحراف عن الحق.

لقد تحدث القرآن عن الظلم والظالمين والعقوبات التي أعدها الله في آيات كثيرة جدًا، فيما يلي عرض لطائفة من النصوص القرآنية لبيان صور الظلم وما اشتملت عليه. 

 - إن الشرك بالله لظلم عظيم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:31)، حقا إن الشرك بالله لظلم عظيم، وذلك لأن حق الله على عباده أن يؤمنوا به، وأن يعبدوه وحده ولا يشركوا بعبادته أحدا، وأن يطيعوه بالتزام ما يأمرهم به، واجتناب ما يناهم عنه، ويقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٦)، وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: «لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، شق على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس ذاك، إنما هو الشرك..».

۲ - ومن أظلم الظلم الإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، وعدم الاستجابة لله فيما يدعو إليه من الإيمان والواجبات والأعمال الصالحة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ۱۸) . 

3- ومن الظلم تعدي حدود الله وحدود الله شرائعه التي حدد فيها لعباده أبعاد الحلال والحرام والواجبات، قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: (۲۲۹)، وتجاوز حدود الله التي حدها لعباده معصية له، ومعصية الله ظلم لحقه على عبادة.

4- ومن الظلم منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها، بل هذا من أظلم الظلم لأنه صد عن سبيل الله ومنع لعباد الله من عبادة الله، قال الله تعالي: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: ١١٤) 

5- ومن الظلم كتم شهادة الحق، قال تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٤٠).

٦ - ومن الظلم الكذب على الله تعالى لإضلال الناس بغير علم كما هو مشاهد هو اليوم من الفتاوى المنتشرة في الساحة مثل التي تبيح الفوائد الربوية، وتبيح الاختلاط والسفور والتبرج وغيرها مما عظم أمره، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٤). 

7- ومن الظلم ظلم الناس في أنفسهم وأموالهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء:29-30).

 فأكل أموال الناس بغير حق، وقتل النفس بغير حق عدوان وظلم، فظلم الناس في أنفسهم وأموالهم أمره شديد عند الله، وعقابه مخيف، روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» 

فعدل الله لابد أن يلاحق الظالمين بالعقوبة على ظلمهم حتى تؤدي الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، مما في ذلك الحقوق بين البهائم العجماوات هذا هو قانون الله تعالى بين الناس وحتى في البهائم، فما هو القانون الوضعي وكيف حاله؟ 

وأرشد الرسول ﷺ إلى محاسبة المسلم نفسه على الظلم ولو قضى له القاضي بما ليس له فيه حق... روى البخاري ومسلم عن أم مسلمة أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار» وقد أبان الرسول ﷺ أنه يوجد فريق من الناس يستغل بخلقه المنحرف ونفسه الظالمة الأئمة، ما وهبه الله من قدرة للتصرف بوجوه الكلام وإقامة الأدلة والحجج، ليزين باطله فيجعله حقا، وليشوه حق غيره فيجعله باطلًا، إنه لا فرق بين هذا وبين من يستغل قوته الجسدية، أو حيلته الحركية، أو سلطته الاجتماعية في العدوان على حقوق الناس . كما هو حاصل اليوم وسلبهم ونهبهم وظلمهم بغير حق، فكلاهما مجرم ظالم، إلا أن لكل منهما وسيلة يتخذها للوصول إلى ارتكاب وقوع في الظلم.

تنبيهات من الظلم

1 - الظلم ظلمات على صاحبه يوم القيامة، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» والظلمة يوم القيامة يرافقها العذاب، أما الظلمات يوم القيامة فيرافقها ألوان من العذاب.

۲ - روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله : «إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (هود: ۱۱)، وكم يمكر الظالم فيوقعه الله في مكره، وكم يكيد فيرميه الله في مكايده.

3- ودعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب، روي البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ........ إلى أن قال... واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

فعلى الذين تحدثهم أنفسهم بظلم الناس أن يضعوا في حسابهم أن الله لهم بالمرصاد.

 

  • مفاهيم في نصرة المسلمين

لا يمكن الخروج من التبعية للغرب إلا بالانتماء للإسلام قولًا وعملًا وتطبيقًا

بقلم: عبد الناصر شمسين

 إمام الجالية المسلمة في بانكس تاون، أستراليا 

إن الرسول ﷺ منذ أن انطلق بمبادئه وأخلاقه الكريمة وأسس دولة الإسلام العظيم التي أرست قواعد العدل وإعطاء كل ذي حق حقه من أول يوم قامت فيه، فقد جاء الهدي النبوي ليقرر أن المسلمين أمة واحدة تتكافأ دماؤهم وأموالهم، وبنى ذلك الأمر على مبدأ المؤاخاة ليبين أن المسألة ليست مسألة انتماء قومي، أو عرقي، كما يتوهم البعض، ولكنها التحام روحي، وامتزاج نفسي، ووحدة في الشعور ومساواة في تحمل المسئولية.

فكل فرد في الأمة يتحمل من الأمر بقدر ما يستطيع، والمهم في هذا كله المشاركة في أداء الواجب بما هو مقدور عليه، وعدم التخلي عن قضايا الأمة لأي سبب كان، فإن عدم تحمل المسئولية في هذا الدين الحنيف أمر مرفوض في كتاب الله وسنة نبيه وهذا ما أكده النبي الله في أقواله وأعماله، توجيهًا للأمة وتعليمًا لها لرسم الحدود الإيمانية. 

الإيمانية التي ينطلق منها كل إنسان ينطق بالشهادتين، فإن التحام الأمة أمر قرره الإله الخالق وليس لأحد أن يجزئ فيها كما يريد، «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فهي أمة واحدة يجري على كبيرها ما يجري على صغيرها، ويلزم على المستطيع ما يكفي القيام العاجز، ويجب على غنيها ما يسد حاجة فقيرها، وعلى قويها ما يدفع الشر عن ضعيفها، وهكذا الأمر في كل حال ما يناسبه من الواجبات وعليه ما يكفي من الحقوق، فإنها مسألة إيمان أو لا إيمان، حيث تكمن المشكلة في افتراق التابع عن المتبوع حين يقرر النبي ﷺ الأمر بحسم مطلق من غير مواربة فيها ولا تهاون، فإن هذه الأمة لا يكتب لها النجاح إلا بهذا التقرير الرباني المرسومة خطواته المعلومة نتائجه، والذي بنت عليه الكثير من السنن الكونية، والمعادلات المتعلقة بموازين النصر والنجاح، والفوز الكبير للأمة فنجد النبي ﷺ يبين للأمة مخاطرة الافتراق الخطير في حياتها حين يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها»

الوحدة الشعورية

ويؤكد الأساس الذي يجب أن تقوم عليه علاقة الأمة ووحدتها الشعورية حين يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»، وحين يقرر ما يجب أن تكون عليه الأمة من التماسك والنصرة لبعضهم فيقول «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».

ويفصل في ذلك فيقول: «أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن الدم، وتجر بها المعروف لأخيك، وتدفع عنه الكربة»

فحال الأمة اليوم لا يحتاج المتحدث يتحدث عنه، فإننا نشاهد وسائل الإعلام على ما فيها من انتقاص لقيمة الحدث وإهمال لحجم المصيبة تبين أن المأساة كبيرة، والمؤامرة عظيمة، وهنا نعلم أن المشكلة لا تحل إلا بتماسك الأمة وعودتها إلى أصالتها في وحدتها الشعورية لترفع الظلم عن نفسها فيما أصاب أجزاء منها تكاد تفتك بقلبها وتنهي الحياة الأخوية، وتقتل مشاعر المسئولية في عامة جسدها، إنه النداء الإيماني الذي جعل النفوس حية حياة حقيقية لا وهمية، فترى رؤية بصرية وقلبية معًا وليست تلك الرؤية المذمومة في البصر والتي لا تجاوز الأمر لتصل إلى القلب الذي يعي حجم المأساة، ويقدر مسئولية تجاه إخوانه لرفع الظلم عنهم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: ٤٦).

ورب العزة والجلال يهدد ويتوعد من يرى مأساة إخوانه ولا يتهم لرفع الأذى عنهم فيما روي ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لانتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل».

فأين نحن من المظالم التي تقع على عاتق إخوان وأخوات لنا في الله في بلاد شتى من بقاع الأرض، أولئك الذين تحمل كل واحد منهم جبهة يتصدى بها لأعداء الله تعالى مدافعًا عن شرف الأمة وكرامتها في كل ناحية من الأنحاء، فترى شعب الانتفاضة يقف بوجه بني صهيون ليحمي الأمة من شرورهم، وترى شعب الشيشان يقف بوجه المارد الشيوعي مدافعًا عن الأمة من تلك الناحية، وترى الكشميريون يقفون بوجه الهندوس، وترى البوسنيون يقفون بوجه العدو الصليبي المجرم مدافعين عن شرف الأمة بأنفسهم وأعراضهم، وهكذا ترى في كل موطن تتكالب الأمم على الإسلام والمسلمين بسلاح البنادق والمؤتمرات، ويسخر الله لهذه الأمة من يحمل عنها مسئولية الجهاد والتصدي، فكان من واجبنا لهم، ومن حقهم علينا أن نبذل لهم مهج النفوس وما تحب حتى نعوضهم بعضًا من عظيم ضحوا فيه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:۹۲)

وجوب النصرة

ورسول الله ﷺ يقرر فيما يرويه لنا ابن عمر -رضي الله عنهما- قوله: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة، ومن مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله له قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام» (متفق عليه).

فأين نحن من هذه المسئولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا كأمة واحدة تجاه إخواننا هناك؟ وأين نحن من مسئولية الجهاد المفروض على أعبائنا كون العدو المستغرق في القتل والتشريد والاغتصاب في بلاد شتى من بلاد الإسلام، والفقهاء يرددون أن البلد التي يحل بها عدو يتعين الجهاد على أهلها من كل الأجناس فلا يستأذن ولي، ولا زوج، ولا أب ولا سيد، وإذا تعذر دفعه وجب على من جاورهم مساعدتهم لدفعه عنهم وهكذا الأمر ليشمل جميع أفراد الأمة. 

إن مسئولية الجسد الواحد تحتم علينا معاشر المسلمين أن نكون فعلًا لا قولًا أمة واحدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ۲،۳)

ولا يمكن لنا أن نخرج من تبعيتنا التي فرضت علينا للغرب إلا بإعادة انتمائنا للإسلام قولًا وعملًا وتطبيقًا، فيتحمل كل واحد منا مسئوليته تجاه إخوانه الآخرين مستجيبين فيما دعانا ليحببنا به كما أمر رب العزة والجلال بالتعاون على بر المسلمين ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة:۲) 

فليس بر أعظم من عون المسلمين في الحفاظ على وجودهم ودينهم وعرضهم، وليس بر أعظم من التماسك فيما بين المسلمين ومعايشتهم لقضاياهم جملة واحدة إذ الآية عقبت بالنهي عن التدابر والتناحر ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ 

وليس بر أفضل من التراحم فيما بين المسلمين، عن أنس - رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم، قلنا يا رسول الله كلنا رحيم، قال ليس الذي يرحم نفسه وأهله خاصة، ولكن الذي يرحم المسلمين».

وإن البر كل البر في دعم المسلمين بالمال حيث قرر رب العالمين هذا الأمر وعلق عليه الأخوة الإيمانية والتبعية لهذه الأمة ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ (التوبة:11).

وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:٤١)

وقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد:۳۸)

وإن البر كل البر في الدعاء للمسلمين وخاصة من بعد منهم عن أرضه، فقد علق على ذلك الاستجابة للدعاء حين قرر في الدعاء المستجاب «ودعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب»، كما نفذ ذلك النبي في عمله حين كان يقنت في صلاته عندما تنزل بالمسلمين نازلة. 

والبر كل البر في دعم المسلمين بالسلاح لرد العدوان والمحافظة على الأنفس الذاكرة لله تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: ۷۲،۷۳) فهذا واجب النصرة لإخواننا علينا، ومن دونه تكن فتنة وفساد كبير، كما أن في النصرة صدق الإيمان مع الله تعالى حيث يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٧٤)

فالمؤمنون ينصر بعضهم بعضًا ويعين بعضهم بعضًا، ويمد بعضهم بعضًا، وبذلك ينتصرون على عدوهم كما بين الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (الأنفال: ٦٢) فالله تعالى يعد المؤمنين بالنصر وبالمؤمنين. 

فلذلك نجد أن نصرة المسلمين المصابين في أي بلد من البلاد واجبة على كل المسلمين حتى يرتفع الأذى والضرر عنهم، كما قرر الفقهاء الكرام رحمهم الله، وليس من عذر لأي إنسان بعد المسافات، ولا مشقة الأحوال، ولا كثرة الأهوال فمنذ أن تركت الأمة الجهاد ابتليت بالذل، وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ومنذ أن زالت دولة الإسلام، استهان بها كل فاجر وعاهر، واستذلها كل دني وساخر. 

وإن تقاعس المسلمين عن الاستنفار والنصرة لإخوانهم في الدين فإنهم مهددون بالزوال والاستبدال كما بين الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التوبة: ۳۹).        

فهذا الحال لا خيار فيه، فإما الاستجابة والظفر بموعود الله تعالى بالنصر والجنان وإما التقاعس والنيل من غضب الله تعالى والذل والاستبدال. 

ولا حول ولا قوة إلا بالعلي العظيم. 

أسال الله تعالى أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان، ويستر أعراضهم، وينصرهم على من عاداهم.. اللهم أمين 

النافذة التربوية 

علماء ومتعالمون

جلست على شاطئ البحر يومًا لاستمتع بهوائه العليل واستمع الصوت الموج الهادر، ثم تمشيت على الشاطئ وعلى صخوره ورماله فلم أجد سوى الزبد وما حمل موج البحر مما لا ينفع، فقلت في نفسي: سبحان الله، كل هذا الصوت العالي للموج المتلاطم ولا فائدة من ورائه وهناك حيث الهدوء والسكينة والوقار في وسط البحر تقبع الجواهر واللآلئ، حيث كانت مصدر الرزق الأول لأجدادنا.

قلت في نفسي مرة أخرى إن المتعالمين مثل هذا الموج عند الشاطئ تجده عالي الصوت على غير بصيرة نافشًا ريشه كالطاووس دونما سبب، تجده يناطح ويماري السفهاء، وإذا بحثت فيه وفتشت لا تجد شيئًا، ترى أمثال هؤلاء يرغون ويزبدون مثل موج البحر على أتفه الأشياء، ويجادلون الدعاة العاملين في أمور قد اختلف فيها وأشبعها العلماء السابقون بحثًا ودرسًا ليس لسبب سوى أنه يريد إشباع عقدة النقص التي يراها في نفسه، مساكين أولئك لأنهم لبسوا ثيابًا لا تناسبهم وملابس لا تليق بهم ولو أنهم انصرفوا لطلب علم نافع أو درس مفيد لكان خيرا لهم وأجدى.

لقد تزبب أولئك قبل أن يتحصرموا فكان جزاؤهم كما قيل: «من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».

أما العلماء الربانيون والدعاة المخلصون الذين انهمكوا في العمل الدؤوب الجاد بعيدًا عن الأضواء فتجد فيهم هدوءًا ورزانة، يتكلمون الكلمة فلا يضعونها إلا في موضعها الصحيح، إذا جلست إليهم انتفعت بهم، وإذا استشرتهم أفادوك بمثل أولئك ينتفع شباب الصحوة وبأمثالهم تنتصر الدعوات فهم الخير والبركة، وهم ملح الأرض وماء السماء الذي ينتفع به البلاد والعباد ولعله يصدق فيهم قول حسان بن ثابت:

 بيض الوجوه كريمة أحسابهم                    شم الأنوف من الطراز الأول

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ (الرعد:17)

عبد اللطيف محمد الصريخ

الرابط المختصر :