; المجتمع التربوي: المجتمع (1337) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1337)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999

مشاهدات 76

نشر في العدد 1337

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-فبراير-1999

وقفة تربوية

أبكي على عدم الإحساس

     تذكر كتب التربية أن أخًا طرق باب أخيه في حاجة، فلما قضاها له، أغلق الباب، ثم بكى حتى أشفقت عليه زوجته، فسألته عن سبب بكائه، بعد أن ظنت أنه قد تأسف على المال الذي أعطاه لأخيه، فقال لها: ليس على إعطائي أبكي، بل أبكي لأنني لم أشعر بحاجة أخي واضطررته لطرق بابي وسؤالي.

      هذا ما يجب أن تكون عليه الأخوة في الله، شعور متبادل بين الإخوان يشعر الأخ بحاجة أخيه وبمشكلاته، وبآلامه، وبمرضه وفرحه، تمامًا كما وصفهم النبي ﷺ: «كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

      والصديق الذي لا يشعر بصديقه لم يعرف بعد أبجديات الأخوة في الله، وما أروع ما قاله الزاهد الواعظ يحيى بن معاذ «بئس الصديق صديق يحتاج إلى أن يقال له: اذكرني في دعائك» (المستطرف: ۲۱۳).

    فالشعور بالأخ يجعل من الواجب عليك أن تدعو له في ظهر الغيب في غير حاجة منه لا أن يذكرك بذلك، وإلا فبئست الصداقة، وضاع معنى الأخوة.

أبو خلاد

 إلى أين أسير؟

      إلى أين أسير؟ وماذا أريد أن أحقق؟ وما الذي أطمح أن أخرج به من هذه الدنيا؟ يجهل مسلم اليوم الإجابة الشافية، إنها الغثائية التي تملأ حياته، وتجعل منه جزءًا من غثاء عظيم يمثل حال المسلمين اليوم الذي يعيشونه في بلدانهم على هامش العالم، فلا يشاركون في نهضة، ولا يتحكمون في صنع قرار.

     آن الأوان لك أخي المسلم لكي تقف مع نفسك وقفة صادقة مخلصة تحدد من خلالها موقعك وتميز طريقك، وتوضح أهدافك، وتسير بجد إلى مبتغاك غير آبه بما يعترضك، ناظرًا دائمًا إلى المستقبل نظرة فاحصة خبيرة، ليس من المهم أن تكدح في عملك بقدر أن تعمل بجد في الموقع المناسب الذي من خلاله تصل إلى ما تريد بأقصر الطرق، وأقل التكاليف؛ لذا كان من الأهمية أن تنفق الوقت والجهد في الاختيار الذكي قبل أن تبدأ بالعمل.

خالد محمد العرفج- الرياض

بر المربين خلق العابدين (1)

المربون أحق الناس بالبر بعد الوالدين لأنهم مصابيح العلم والعمل

بقلم: عبد الحميد البلالي.

  • تلاشت صنعة التربية حتى اختفت، وأصبحت مقصورة على محاضن الحركة الإسلامية.

  • نخسر كثيرًا عندما نتعجل الخطوات، ونحاول القفز بدل الصعود المتدرج في مدارج السالكين.

      لأن البر هو التوسع بالإحسان لمن قدم للإنسان معروفًا مميزًا، فإن أحق الناس بالبر بعد الوالدين هم المربون الذين يعلمون الآخرين العلم والأخلاق، وهي مهمة تختلف عن مهمة العلماء الذين يمنحون العلم للطلاب، ثم تنتهي مهمتهم عند هذا الحد، بينما يستمر المربي في التعليم والتربية والمتابعة؛ مستهدفًا غرس الأخلاق والسلوك الذي أمر به الله -تعالى- رسوله الكريم ﷺ في شخصية المتربي.

     وفي هذا البحث -الذي ننشره على حلقات- نتناول أهمية بر المربين، وكيف يكون هذا البر بهم عمومًا، وخصوصًا بين أبناء الحركة الإسلامية التي أنجبت وتنجب كل يوم العشرات من هؤلاء المربين النجباء.

     جاء في المعجم الوسيط أن معنى كلمة «البر» التوسع في الطاعة، وبر فلان ربه: توسع في طاعته، وبر والديه برًا توسع في الإحسان إليهما ووصلهما فهو بار (۱) ولأن الوالدين هما أحق الناس بصحبة الإنسان، جاء الأمر ببرهما في الكتاب والسنة، وقرن الله عبادته بيرهما، وجعل رضاه مقترنًا برضاهما، ذلك لما لهما من الفضل بعد الله في تربية الأبناء وتنشئتهم، والسهر عليهم، والإنفاق، وغيرها من الأمور التي يعجز عنها من البشر سواهما.

      والأمر مشابه بالنسبة للمربين (۲) لذلك كان الناس في العصور الخيرة وخاصة الخلفاء والأمراء يستأجرون هؤلاء المربين لتربية أبنائهم بسبب كثرة انشغالاتهم في رعاية الرعية، وتلاشت مثل هذه الصنعة جيلًا بعد جيل، حتى اختفت تمامًا في عصرنا الحالي، وأصبحت محصورة في الحركات الإسلامية، ومحاضنها التربوية.

       فالمربي في الحركة الإسلامية يأخذ على عاتقه مهمتي «التعليم والتربية» وقد يأخذ منه هذا الجهد مع الفرد الواحد ما يزيد على خمس سنوات حتى يتسلم مجموعة أخرى من الأفراد ليبدأ المشوار معهم.

     هذا الجهد الكبير في التربية من هؤلاء المربين الربانيين في الماضي والحاضر- يستحق الإحسان والتوسع فيه، ليس من باب المكافأة بقدر ما هو تكملة للعملية التربوية؛ إذ يكون البر للمربين جزءًا من تربية الأفراد في الحركة الإسلامية على مجموعة أخرى من الأخلاق والسلوك، كما أن عملية بر المربين لون من ألوان الوفاء لمن أسدى إلينا معروفًا، وأي معروف.

     ولقد استعرت كلمة «بر» التي كادت تكون خاصة بالوالدين ها هنا لإعطاء هؤلاء المربين الذين يقومون بهذه المهمة العظيمة حقهم، فيما يقومون به من جهد كبير في صناعة رجال تقوم على أكتافهم مهمات تعجز عنها الجبال؛ حتى تلمس الفرق بين من تربى على أيدي العلماء والدعاة، وتلقى منهم العلم والأخلاق، ومن كانوا بعيدًا عن التربية.

     قال الإمام أبو علي الثقفي: «ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات» (۳)

الصحابة هم السادة: كثيرون هم الصحابة -رضي الله عنهم- فقد كانوا في عام الفتح فقط عشرة آلآف صحابي، ولكن لماذا لم يبرز من هذا العدد الكبير بعد ذلك وحتى وفاة النبي ﷺ إلا أقل من ألف منهم؟

      إنها سنة الله التي جعلت الناس يختلفون في همهم وهممهم، وآلآمهم وآمالهم، لذلك كانت حكمة الله البالغة التي جعلت من الجنة درجات وليست درجة واحدة، وذلك بسبب تفاوت الهمم، فقد كان من الصحابة من لا يفارق النبي ﷺ البتة، إلا إذا دخل بيته، وكان منهم من يصاحبه حتى في خلواته، ويحمل ماءه عندما يقضي حاجته وعند وضوئه، ومنهم من رأه في عمره مرة أو مرتين، وروى حديثًا واحدًا عنه.

     وبين هذا وذاك أصناف كثر، فأقرب الصحابة إليه وأكثرهم احتكاكًا به ﷺ الخلفاء الراشدون؛ لذلك كانوا أبرز الناس، وكانوا هم السادة من بعده، لأنهم كانوا أكثر الناس أخذًا من علمه وأخلاقه وأكثرهم فهمًا لهذا الدين.

      كذلك أولئك الذين برزوا وهم التابعون وتابعو التابعين، بالرغم من أعدادهم التي فاقت أعداد الصحابة، إنما برزوا وسادوا واتخذهم الناس قدوات لهم بسبب احتكاكهم بعلماء الصحابة، ومن تبعهم.

      فعلى مقدار الاحتكاك والاتباع من القدوات والمربين العلماء على مقدار ما يحصل للتابعين من سيادة بين الدعاة وبروز بين الناس من غير أن يطلب هذه السيادة أو ذلك البروز، لكنها النتيجة الحتمية لذلك الاتباع، والتعلق.

     ولهذا كان الإمام الجيلاني يقول لأحد أتباعه من الدعاة: «تعلق بي حتى تعبر» (٤)، وكأن ذلك التابعي الذي يتربى على يد الشيخ لا يتقن السباحة، ولا يستطيع الاعتماد على نفسه في عبور هذا النهر أو البحر، وكأن المربي يحني نفسه له ويقول له «تعلق بي حتى تعبر» فإذا ما وجد في نفسه زهوًا، وظن أنه أصبح عالمًا، ولم يعد يحتاج لعلم من رباه، فتركه ظانًا أنه يستطيع العبور من دونه قبل أن يتعلم من العبور، فإن مآله للغرق، هذا هو الدرس الأول الذي تتعلمه من الإمام القدوة الجيلاني، فلا سيادة إلا لمن يقتدي وأول البر بالمربين هو الاقتداء والاتباع بما صح نقله عن القدوة الأول نبينا ﷺ.

لا تكن كالشاة: لم يسطع نجم لعالم من علماء الدنيا سواء في الدين أو علوم الدنيا، إلا كان من أبرز صفاته التعامل مع ما يقرأ أو يسمع من العلم الذي برز فيه.

     هكذا كان الخالدون من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ما أن يسمعوا لكلمة من النبي ﷺ حتى يتفاعلوا معها بأحاسيسهم، ثم يتحول ذلك الإحساس إلى عمل وسلوك وترجمة واقعية لما سمعوه، فكم من الكلمات والسلوك يقوله ويفعله المربون الدعاة لأتباعهم، ولكن كم من هذه الكلمات والأفعال يتم التفاعل معها؟

      لقد حز هذا الجمود والتبلد في الإحساس والتفاعل في نفس سيد التابعين الحسن البصري فقال لأحدهم: «ولا تكن شاة الراعي أعقل منك تزجرها الصبحة، وتطردها الإشارة» (٥).

       إن جمعًا كبيرًا من أعداد الدعاة يدورون في دوائر الدعوة المباركة، ويرتعون في محاضنها، ويتلقون أطنان الكلمات والعبارات التربوية، ولكنهم یأبون إلا أن تكون شاة الحسن البصري أفقه منهم، في جمود وتبلد في الحس، أقرب إلى الجماد منه إلى من تدب في أوصاله الحياة، ومن الإمام البصري وشاته نتعلم الدرس الثاني في بر المربين عندما تتفاعل مع الكلمة، ونحولها إلى سلوك.

لا تكن لحوحًا: خاصة فيما لا يريد المربي تبيانه لأسباب هو يعلمها، وتخفى على ذلك الطالب الذي يستعجل بحماسه معرفة بعض الأمور التي لا يدركها، ويعلم المربي أنه لم يأن الأوان لتعلمها، فربما كان ضرر معرفتها أكثر من النفع، أو ربما لم يبلغ مستواه من الفهم ما يؤهله لفهمها، لذلك يؤجل إعلامه إياها، ولكنها العجلة التي تجعل بعض الدعاة يلح لمعرفة ما لم يعلم من أمور الدعوة، فإذا لم يعط ما يريد تمرد على شيخه، وترك الدعوة والدعاة، ويا ليتهم يسلمون من لسانه بعد هجرهم.

       لقد اشترط الخضر عندما أراد أن يصحبه موسى -عليه السلام- عدم المقاطعة والإلحاح قبل أن يبين له سر ما يقوم به من الأعمال عندما قال ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (سورة الكهف:٧٠)، لكن موسى -عليه السلام- لم يلتزم بهذا الشرط، واستمر في إلحاحه عند كل أمر وفعل يقوم به الخضر، حتى كان الفراق في نهاية الأمر عندما قال الخضر ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.                                               (سورة الكهف:٧٨)، فكم من الخير نخسر عندما نستعجل الخطوات، ونحاول القفز بدل الصعود المتدرج في مدارج السالكين.

توقير المربين: التوقير جزء من البر والإحسان لمن يسدي إلينا هذا المعروف الكبير من العلم والتربية، وكما أن الإمام البخاري -رضي الله عنه- قد تربى على مجموعة من المربين العلماء، فإنه نقل هذا العلم والتربية لمجموعة أخرى من طلبة العلم، وقد لا يكون الإمام مسلم بن حجاج أحد الذين رباهم الإمام البخاري وعلمهم، إلا أننا نلاحظ أن الإمام مسلم يلتقي الإمام البخاري، وعلى مرأى من الناس يقوم فيقبله بين عينيه، ثم يقول: «دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، ويا طبيب الحديث في علله» (٦)، إننا لا ندعو إلى تقبيل أقدام المربين وأيديهم، ولكنها مبالغة بالتكريم والإحسان لمن يستحق الإحسان والتكريم.

احفظوا هيبتهم: يقول -تعالي- في كتابه الكريم: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة النور:٦٣).

      يقول سيد قطب -يرحمه الله- في ظلاله: «فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول ﷺ حتى تستشعر كل كلمة منه وكل توجيه» وهي لفتة ضرورية، فلا بد للعربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينًا لينًا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم بعضًا، بل يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قراءة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير (٧.)

     يشير سيد -رحمه الله- في خاطرته السابقة إلى سلوك بعض المتربين أو المتعلمين عندما يجدون تواضعًا جمًا من شيوخهم ومربيهم، فيتجاوزون معهم حدود الأدب، ويتجرءون عليهم، ولا يولونهم احترامهم الذي يستحقونه، وينسون في زحمة هذا التواضع والانبساط أنه مربيهم.

     يقول الماوردي: «وليحذر المتعلم البسط على من يعلمه، وإن آنسه، والإدلال عليه وإن تقدمت صحبته» (۸).

الهوامش:

١-المعجم الوسيط ١/٤٨.

٢-كثير من العلماء كان يقوم بمهمة المربي كالأئمة الأربعة.

٣-طبقات الشافعية ٢/١٧٣.

٤- الفتح الرباني ص٤٠.

٥-الحسن البصري ص٤٧.

٦- طبقات الشافعية ٢/٩.

٧-في ظلال القرآن ٤/٢٥٣٥.

 8- أدب الدنيا والدين ٨٦.

 

آفات على الطريق (۱من 2)

رفض النقد والنصيحة

صفة من صفات المنافقين ومكذبي الأنبياء وسبب قوي لهلاك الأمم

بقلم: د. السيد محمد نوح [1]:

[1] أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة جامعة الكويت.

  • تخير أنسب الظروف وأجمل الألفاظ، مراعاة السرية وترك الجدل: أهم العوامل لقبول النصيحة.

  • البعض يجيز تكنية الكافر استنادًا إلى أن دعوة موسى لفرعون إلى الهداية جاءت في صورة العرض والمشورة.

     هذه آفة يكون الوقوع فيها سببًا لعواقب وخيمة ومخاطر جسيمة تكاد تهلك الحرث والنسل، وتحول دون النهوض والتقدم إنها «رفض النقد والنصيحة» وحتى يتحرر منها من ابتلي بها، ويتوفاها من سلمه الله -عز وجل- فإنه لا بد من تنفيذ سلسلة من الأعباء والمسؤوليات تجمعها السطور التالية:

أولًا- تعريف «رفض النقد والنصيحة» لغةً واصطلاحًا:

     «رفض النقد والنصيحة» مركب إضافي مؤلف من كلمتين هما: «رفض» و«نقد» أو «نصيحة» والأمر يقتضي بيان معنى كل على حدة قبل التركيب، ثم بيان معناهما بعد التركيب.

أ- الرفض: لغة: الترك، تقول: رفضه يرفضه رفضًا، ورفضًا تركه (۱).

الرفض: اصطلاحًا: اسم للمعاندة أو القمع، وعند الفلاسفة لفظ مدرسي يستخدمه المحدثون للدلالة على معاندة الإرادة لدافع معين أو قمع فعل على وشك التحقق، إذا لم تقف الإرادة عقبة في سبيل ذلك (٢).

ب- النقد: لغة: يأتي النقد لغةً على معانٍ، منها:

١-نقد الشيء لاختباره، أو لتمييز جيده من رديئه، تقول: نقد الطائر الفخ، ونقدت رأسه بأصبعي، ونقد الدراهم والدنانير، وغيرهما نقدًا، وتنقادًا: ميز جيدها من رديئها، وتقول: نقد النثر والشعر؛ أظهر ما فيهما من عيب أو حسن.

٢- العيب والاغتياب، تقول: فلان ينقد الناس؛ يعيبهم ويغتابهم.

٣-وقوع الفساد في الشيء تقول: نقد الشيء نقدًا وقع فيه الفساد، ونقد الضرس، أو القرن تآكل وتكسر، ونقد الحافر تقشر.

٤-من المناقشة في الأمر، تقول ناقده في الأمر: ناقشه فيه (٣).

ج- النقد: اصطلاحًا: له إطلاقان:

١- الأول: إظهار عيب الشيء وفساده.

٢-مناقشة الأمر لإظهار ما فيه من جودة ورداءة، وحسن وعيب (٤).

 د- النصيحة: لغة: تأتي النصيحة لغة على معانٍ، منها: 

١- تخليص الشيء من شوائبه، تقول نصح الشيء والشيء نصحًا، ونصوحًا، ونصاحة خلص، ونصحت توبته، خلصت من شوائب العزم على الرجوع.

٢- الآلة التي بها يخلص الشيء من شوائبه حسية كانت أم معنوية، كالإبرة مثلًا في حياكة الثوب وإصلاحه، والكلمة أو السلوك في الإرشاد إلى فعل الخير، وتجنب الشر.

٣- الناصح والنصاح، وهو الذي يتولى تخليص الشيء من شوائبه وعيوبه (٥)، ولا تعارض بين هذه المعاني جميعًا، فإنها قيام ناصح بتخليص الشيء من عيوبه وشوائبه بالآلة أو الوسيلة المناسبة.

 ه‍- النصيحة: اصطلاحًا: والنصيحة اصطلاحًا الإرشاد بالأسلوب المناسب والوسيلة الملائمة إلى تخلي المرء عن كل ما فيه من عيب وفساد، مع تحليه ومحافظته على كل ما ينبغي من خير وصلاح، شريطة ألا يتعارض الأسلوب والوسيلة مع الشرع.

قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظ للمنصوح له، ويقال إن هذه الكلمة من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، فإنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة حتى يضم إليها شيء آخر، كما قالوا في الفلاح إنه ليس في كلام العرب أجمع لخير الدنيا والآخرة منه، حتى صار ليس يعدله شيء من الكلام في معناه، ولذلك قالوا: أفلح الرجل: إذا فاز بالخير الدائم الذي لا انقطاع له (٦).

     وواضح مدى الترابط بين المعنى اللغوي للنصيحة، والمعنى الاصطلاحي، حتى قال الخطابي: «يقال إن أصل النصيحة مأخوذ من قولهم: نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، والنصاح: الخيط شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسده من خلل الثوب، ويلأمه من فتوقه، ويجمعه من الصلاح فيه، وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العمل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول والعمل من شوب الغش والخيانة بتخليص العسل من الخلط الذي فيه» (۷).

     وحتى قال المازري: النصيحة تحتمل أن تكون مشتقة من نصحت العمل، إذا صفيته، ويحتمل أن تكون من النصح، وهي الخياطة والإبرة، المنصحة، والنصاح: الخيط الذي يخاط به، والناصح: الخياط فمعناه أنه يلم شعث أخيه كما تلم المنصحة: خرق الثوب (۸).

      وانطلاقًا مما تقدم فإن: رفض النقد والنصيحة يعني: عدم النزول على رأي الناقد والناصح، بل عدم قبول المناقشة فيما عساه يكون فيه من عيب أو خلل حتى وإن استوفى كل من النقد والنصيحة الضوابط والآداب المعروفة.

 ثانيًا- موقف الشارع الحكيم من رفض النقد والنصيحة:

     يعيب الشارع الحكيم من يرفض النقد والنصيحة دون مبرر مقبول، إذ يقول -سبحانه-: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.                                    (سورة الكهف:٥٧).

      يقول ابن عطية رحمه الله: «ولا أحد أظلم ممن هذه صفته: أن يعرض عن الآيات بعد الوقوف عليها بالتذكير، ويطرح كبائره التي أسلفها، هذه غاية الإهمال» (٩).

     كما يحكي عن المكذبين رفضهم النقد والنصيحة في قوله -سبحانه-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. (سورة المائدة:١٠٤)

ويحكي عن صالح خطابه لقومه حين رفضوا النصيحة، وكذبوه، فأهلكهم الله، فيقول: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ َفَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.                                (سورة الأعراف:٧٧-٧٩).      

      ويحكي رفض الماضين للنصيحة التي جاءتهم على ألسنة الأنبياء والمرسلين على الرافضين لها منا يعتبرون، وينزجرون كما  في سورة إبراهيم (٩-١٢)، ويجعل سبحانه رفض النصيحة من صفات المنافقين، فيقول في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.                (سورة البقرة:٢٠٤-٢٠٦)

     وكذلك ورد الوصف نفسه في سورة البقرة الآيات (۱۱-۱۲)، و(النساء: ٦١) (والمنافقون:٥)، وتوعد ﷺ من لا يقوم بواجب النصيحة، ومن لا يقبلها بقوله: «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم، ولا يعلمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون، والله ليعلمن قوم جيرانهم يفقهونهم ويعظونهم، ويأمرونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون، ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة» وأعاد ذلك مرارًا، حتى قال المعنيون بالخطاب أمهلنا سنة ليفقهوهم ويعلموهم، ويعلوهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.                                                     (سورة المائدة:٧٨)، وهكذا تتضافر الآيات والأحاديث على ذم من يوجه إليه نقد أو تسدى له نصيحة فلا يقبلها.

     وقد فهم السلف ذلك، حسبنا قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه اتق الله فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني؟» (۱۱)

ثالثًا- أسباب أو بواعث رفض النقد والنصيحة:

ولرفض النقد والنصيحة أسباب تؤدي إليه، وبواعث توقع فيه، ومنها:

١- خلو النقد والنصيحة من شروط وآداب القبول:

      ذلك أن لقبول النقد والنصيحة شروطًا وآدابًا من: تخير أنسب الظروف، وأحسن الأحوال، وأجمل الألفاظ، وإبراز المحاسن، ودقة التحري والتثبت ومراعاة السرية، وترك الجدل واللحاح، وإرادة وجه الله، ثم الخير للمنتقد أو المنصوح دون الشماتة، والفضيحة، وهلم جرا.

     ويوم أن يخلو النقد أو النصيحة من هذه الشروط وتلك الآداب فإنه يكون محل رفض وعدم قبول.

     ولذا رأينا رب العزة -سبحانه- يقطع الطريق على فرعون حين يوصي موسى وهارون -عليهما السلام- أن يحسنا التعامل معه في القول، فيقول لهما: 

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.                        (سورة طه:٤٤).

      ويقول لموسى -عليه السلام-: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾.           (سورة النازعات:١٧-١٩).

      والمعنى كما يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- لا تعنفاه في قولكما، وأرفقا به في الدعاء، ويتحقق ذلك بعبارات شتى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. (سورة طه:٤٧)، ومنها ما في سورة النازعات، ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾، (سورة النازعات:١٨-١٩).

     وهذا ظاهر غاية الظهور في الرفق في الدعاء فإنه في صورة العرض والمشورة، وقيل كنياه واستدل به على جواز كنية الكافر، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه، وابن عباس رضي الله عنهما أيضًا، وسفيان الثوري، وله كنى أربع: أبو الوليد، وأبو مصعب، وأبو العباس، وأبو مرة، وقيل: عداه شبابًا لا يهرم بعده، وملكًا لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وعن الحسن: قولا له إن لك ربًا، وإن لك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارًا، فآمن بالله -تعالى- يدخلك الجنة، ويقك عذاب النار (١٢)، وعن جرير: رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن يحرم الرفق يحرم الخير» (۱۳).

     وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول ﷺ قال: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (١٤)، وعنها أيضًا أن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١٥).

٢-الإعجاب بالنفس، بل الغرور، والتكبر:

     وقد يكون الإعجاب بالنفس، بل الغرور، والتكبر سببًا من أسباب رفض النقد أو النصيحة ذلك أن المنتقد أو المنصوح يرى نفسه والحالة هذه أرفع وأكبر من أن يوجه إليه نقد أو تسدى إليه نصيحة، ولاشك في أن هذا خذلان وأي خذلان قال -تعالى-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾، (سورة الأعراف: 146).

     وحكى عن صنف من الناس توجه إليه النصيحة أو النقد فتأخذه العزة بالإثم، ولا يقبل (البقرة ٢٠٤-٢٠٦) كما حكى نصيحة قوم قارون له ورده عليهم فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾، (سورة القصص: ٧٦-٧٨).

٣-الخصومات أو العداوات:

     وقد تكون الخصومات أو العداوات من أسباب عدم قبول النقد أو النصيحة، ذلك أن الخصوم أو الأعداء لا يقبل بعضهم من بعض عادة أو بداهة.

     فالمؤمنون لا يقبلون من الكافرين الدعوة إلى الإلحاد أو الشرك والوثنية، والكافرون لا يقبلون من المؤمنين الدعوة إلى التوحيد والتزام الصدق والفضيلة إلا من رحم الله قال -تعالى-: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾،          (سورة البقرة: ١٤٥).

٤-المراء أو الجدل بالباطل:

     وقد يكون المراء أو الجدل بالباطل من بين الأسباب التي تحمل على رفض النقد أو النصيحة؛ ذلك أن المماري أو المجادل بالباطل ليس سهلًا أو ميسورًا عليه أن يقبل النقد أو النصيحة؛ لأنه بذلك يشعر بالانهزام، والحقيقة أنه لا يريد أن ينهزم، حكى الحق -سبحانه- رد قوم نوح عليه في قوله: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾،          (سورة هود:٣٢).

٥- اتباع الهوى:

     وقد يكون اتباع الهوى من بين الأسباب التي تحمل على رفض النقد أو النصيحة، ذلك أن من يتبع هواه إنما يجعل إلهه هذا الهوى، وتبعًا لذلك لا يقبل من غيره أي نقد وإن كان حقًا، ولا نصيحة وإن كانت خيرًا.

    وصدق الله الذي يقول: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، (سورة ص: ٢٦).     

 ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، (سورة القصص: ٥٠).

٦-البيئة التي ينشأ فيها المرء: 

      قد تكون البيئة التي ينشأ فيها المرء قريبة كالبيت أو بعيدة كالمجتمع من بين الأسباب التي تحمل على رفض النقد أو النصيحة؛ ذلك أن المرء إذا لم يعلم في بيته الذي نشأ وتربى فيه قبول النقد والنصيحة، وكذلك إذا كان أترابه وأقرانه الذين يعيش معهم ممن يرفضون النقد أو النصيحة، فإنه ينشأ ويظل هكذا، إلا أن تتداركه معية الله ورحمته.

     ولذلك كان الاهتمام باستقامة وصلاح البيئة التي ينشأ فيها المرء من أهم ما يساعد على استقامة وصلاح هذا المرء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

٧-شعور المنتقد أو المنصوح بدونية الناقد أو الناصح:

     وقد يكون شعور المنتقد أو المنصوح أن الناقد أو الناصح أدنى منه منزلة أو سنًا أو علمًا ونحو ذلك، فيحمله ذلك على رفض النقد أو النصيحة، ولو درى المنتقد أو المنصوح أن الكلمة الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها لقبلها ولو من الصغير، والأدنى منزلة والأقل علمًا.

    ها هو الداخلي شيخ البخاري -وهو من هو علمًا وفضلًا- يقول يومًا فيما كان يقرأ للناس: «سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فيرد عليه البخاري وهو ابن إحدى عشرة سنة قائلًا: يا أستاذ إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهره، فقال له البخاري: «ارجع إلى الأصل إن كان عندك» فدخل، فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقال البخاري: «هو الزبير، وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه وقال: صدقت» (١٦).

     وهكذا كان المسلمون على مر العصور يقبلون النقد أو النصيحة، ولو من الأدنى، مادامت قد استوفت شروطها وآدابها.

٨-ظن المنتقد أو المنصوح تشهير الناقد والناصح وشماتته:

     وقد يكون ظن المنتقد أو المنصوح تشهير وشماتة الناقد أو الناصح من بين الأسباب التي تحمل على رفض النقد أو النصيحة دون أن يكون هناك دليل أو برهان على مثل هذا الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، (سورة الحجرات :١٢)، وقال النبي ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» الحديث (۱۷).

٩-اعتقاد المنتقد أو المنصوح أنه في غنى عن النقد أو النصيحة:

     قد يكون اعتقاد المنتقد أو المنصوح أنه بلغ الكمال فصار في غنى عن النقد أو النصيحة من بين الأسباب التي تحمل على رفض النقد أو النصيحة ناسيًا أو متناسيًا أن الكمال لله وحده، وأنه لا عصمة لأحد من الخلق سوى من ضمن الله -تعالى- لهم العصمة، وهم الأنبياء والمرسلون والملائكة، والعاقل هو الذي يتهم نفسه، ولا يبرئها من العيب أبدًا، وصدق الله الذي جاء في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، (سورة يوسف: 53)، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت» الحديث (۱۸).

١٠- الغفلة عن العواقب المترتبة على رفض النقد والنصيحة:

     أخيرًا قد تكون الغفلة عن العواقب المترتبة على رفض النقد أو النصيحة من بين الأسباب التي تحمل على هذا الرفض وهذا حق، فإن من جهل شيئًا عاداه، والمرء عدو ما يجهل، كما قال الله -عز وجل-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، (سورة يونس: 39).

الهوامش:

(1) القاموس المحيط ٢/٤٨٨-٤٨٩، الصحاح في اللغة والعلوم، ص٣٩٥، مادة: «رفض» بتصرف كثير.

 (۲) المرجع السابق.

(٣) القاموس المحيط ١/٦٤٢-٦٤٣، الصحاح في اللغة والعلوم، ص ١١٩٥- المعجم الوسيط ٢/٩٤٤، مادة: «نقد» بتصرف كثير.

(٤) المعجم الوسيط ٢/٩٤٤، بتصرف.

(٥) القاموس المحيط ١/٥٠٠-٥٠١ الصحاح في اللغة والعلوم، ص١١٧١، المعجم الوسيط ٢/٩٢٥، مادة: «نصح» بتصرف كثير.

(٦) أعلام الحديث ١/١٨٩-١٩٠ وعنه نقل ابن حجر في: فتح الباري ١/١٣٨.

(٧) أعلام الحديث ١/١٩٠ وعنه نقل ابن حجر في: فتح الباري١/١٣٨.

(٨) المعلم بفوائد مسلم ١/٢٩٣ وعنه نقل ابن حجر في: فتح الباري ١/١٣٨.

(٩) المحور الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٩/٣٤٢.

(١٠) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: كتاب العلم: باب في تعليم من لا يعلم ١/١٦٤، وعزاه إلى الطبراني قائلًا: «رواه الطبراني في الكبير» وفيه بكر بن معروف قال البخاري: إرم به، ووثقه أحمد في رواية، وضعفه في أخرى، وقال عدي: أرجوا أنه لا بأس به.

(١١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: كتاب الفتن: باب فيمن يؤمر بالمعروف فلا يقبل ٧/٢٧١، وعزاه إلى الطبراني قائلًا: «رواه الطبراني، رجاله رجال الصحيح».

(١٢) روح المعاني للألوسي ١٦/١٩٥ المجلد السادس.

(١٣) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل الرفق ٤/٢٠٠٣، رقم ٢٥٩٣ بهذا اللفظ.

(١٤) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل الرفق ٤/٢٠٠٣-٢٠٠٤، ٢٥٩٣ بهذا اللفظ.

(١٥) أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل الرفق ٤/٢٠٠٤، رقم ٢٥٩٤، وأبو داوود في السنن: كتاب الجهاد: باب ما جاء في الهجرة، وسكني البدو ٣/٧، رقم ٢٤٧٨، كلاهما من حديث عائشة مرفوعا، واللفظ لمسلم.

(١٦) هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر: باب ذكر نسب البخاري ومولده، ومنشئته، ومبدأ طلبه للحديث ص٤٧٨.

(١٧) سيق تخريجه في: الجزء الثالث، ص١٤، الأفة الخامسة عشر.

(١٨) أخرجه الترمذي في: السنن: كتاب صفة القيامة: باب منه ٤/٥٥٠ رقم ٢٤٥٩، وابن ماجة في: السنن: كتاب الزهد: باب ذكر الموت والاستعداد له ٢/١٤٢٣رقم ٤٢٦٠، أحمد في المسند ٤/١٢٤، كلهم من حديث شداد بن أوس مرفوعًا وتمامه «والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» وعقب الترمذي بقوله: «هذا حديث حسن». 

    

حرروا أرواحكم من شواغل الحياة تسعدوا:

     اجتمعت قريش في دار الندوة تدبر كيدها للنبي ﷺ، وللدعوة التي جاءهم بها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فاغتم له والتف بثيابه، وتزمل ونام مهمومًا، فجاء جبريل -عليه السلام- بشطر سورة المزمل الأول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، (سورة المزمل:١-٢).

  لقد كان اختيار الرسول ﷺ لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له ليهيئه لما ينتظره من الأمر العظيم، ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة، ويفرغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع، وتسبح روحه مع روح الوجود، وما هذه العزلة إلا لإعداده لحمل الأمانة الكبرى، ولتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ فبعد أن جاء التكليف والصدع بالحق علم الرسول ﷺ أنه لم يعد هناك نوم، وأن هنالك تكليفًا ثقيلًا، وجهادًا طويلًا، فما أن قيل لرسول الله ﷺ: ﴿قم﴾ حتى قام، وظل قائمًا بعدها عشرين عامًا، لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه، ولا لأهله، بل قام، وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ، ولا ينوه به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة والكفاح، والجهاد.

      فيا أيها الدعاة تخلصوا من أثقال الأرض وجوانبها، وألقوا عن كواهلكم أوهاق الشهوات وأغلالها حتى إذا خلص هذا الضمير الإنساني مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية؛ بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك مع أعداء الدعوة المتآلبين عليها وعلى المؤمنين بها، الحريصين على قتل هذه الفرصة الزكية في منبتها، فمعركة الضمير معركة خالدة، يعترك معها الداعية طوال حياته فلا يتأثر، بل يجب عليه أن يمضي قدمًا في حياته ودعوته، وحركته، وهكذا قام محمد ﷺ وهكذا عاش في المعركة الدائمة المستمرة عشرين عامًا، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمر منذ أن سمع النداء العلوي الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيبـ جزاه الله عنا، وعن البشرية كلها خير الجزاء.

      لا شك أيها الداعية في أن الاستجابة للنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم بحاجة للإعداد الكامل للقيام بهذا العبء الجسمي من قيام ليل، وصلاة، وترتيل للقرآن والذكر الخاشع المتبتل، والاتكال على الله وحده، والصبر على الأذى، والهجر الجميل للمكذبين.

أيها الأخوة:

     قوموا لأمر الله الذي ينتظركم، والعبء الثقيل المهيأ لكم، قوموا للجهد، والنصب، والكد، والتعب، قوموا فقد مضى وقت النوم والراحة، فالذي يعيش لنفسه يعيش مستريحًا، لكنه يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم؟ فما له والراحة؟  فما له والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟

     ولقد عرف رسول الله ﷺ حقيقة الأمر وقدره، فقال لخديجة -رضي الله عنها- وهي تدعوه لأن يطمئن وينام: «مضى عهد النوم يا خديجة» أجل مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر، والتعب، والجهاد الطويل الشاق، فالله -عز وجل- أعد رسوله لهذا التكليف بالزاد الإيماني العميق في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، (سورة المزمل: 5)، وكما تعلمون فإن القرآن في مبناه ليس ثقيلًا، فهو ميسر الذكر، لكنه تقيل في ميزان الحق في أثره بالقلب وتبعته الثقيلة.

     لا تستطيلوا الطريق فرسولكم ﷺ عاش للدعوة، ومات للدعوة، وترك الراحة والدعة من أجل النداء العلوي الكريم، فاجعلوها قضيتكم وهمكم، قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾، (سورة آل عمران:١٣٩-١٤٠)                                                           

محمد يوسف الشطي.

في امتحان الدنيا: ناجح أم راسب؟

     قد يظن القارئ أنها نتيجة لأحد الاختبارات أو الامتحانات لينظر هل هو قد اجتازها، أم خاب ظنه فرسب فيها؟ لكن مقصدي من السؤال في العنوان هو التأمل في حياة الإنسان بأكملها من يوم أن يوضع عليه القلم إلى أن يلقى مصيره، وهو لقاء ربه، هل فاز واجتاز ونجح في هذا الاختبار والابتلاء، وهل عمل فيه حسنًا؟ أم لم يسعه الوقت وكان من الغافلين عن حياتهم الأبدية الأخروية، وأفاق من سباته لكن في الوقت الضائع؟

      فليعلم كل غافل أنه لا ينقطع به الأمل فييأس، بل يجب عليه التوبة النصوح؛ لأن العبد لا يعلم هل هو سائر إلى روضة من رياض الجنة أم إلى حفرة من حفر النيران والعياذ بالله؟ ذلك أن الموت أقرب إلى العبد من شراك نعله.

       ومصداقًا لذلك هذا هو الصحابي الذي قال عنه الرسول ﷺ: «هو في الجنة» ولم يصل لله ركعة واحدة، ليحذر المرء، وليبادر بالأعمال الصالحة، ويبتعد عن المعاصي، فهذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، كما قال الله -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾  (سورة الملك:٢)، كما وصف -سبحانه- الدنيا بقوله: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، (سورة الرعد:٢٦)، تحقيرًا لما فيها من زخارف ومتاع زائل وفان، فهل يعي كل منا ما في الآخرة من جزاء أو عقاب، ويعمل على استثمار أعماله بحيث تكون كجبال تهامة يوم القيامة بإذن الله؟ ندعو الله أن يوفق إلى ذلك.

  عبد العزيز الجلاهمة

كيف ننقل المدعوين إلى منهج الله؟ 

توضيح أبعاد الرسالة كفيل بكشف زيف الجاهلية.

       تلبية النداء الإلهي مرهون بمدى فهمنا الدقيق للرسالة السماوية، ويتضح ذلك جليًا إذا أدركنا أن الوحي المنزل على سيد الخلق ﷺ ذو وجهين يتكاملان: الوجه الأول: هو الإسلام على حقيقته وشموليته، علمًا بأن هذا الدين قد اكتمل، ولم تعد هناك حاجة إلى التدرج في تطبيق أحكام وشرائعه: ﴿الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾، (سورة المائدة:٣).

فالواجب من نص الآية الامتثال الكلي لأوامر الدين دون تريث أو تأويل.

     أما الوجه الثاني: فيمثل الوسيلة التي تحقق الوجه الأول، أو بعبارة أخرى الأسلوب المتبع لنشر الفكرة الإسلامية، وهذا هو بيت القصيد في مقالنا، ذلك أن الأمة الإسلامية مجتمعة على الوجه الأول في جميع أصوله، بغض النظر عن الفروع التي تشعبت من هذه الأصول، مراعاة لظروف الزمان والمكان والتباين هذا علامة صحية ودلالة قطعية على سعة هذا الدين واستيعابه لقضايا الناس.

       وباعتبار هذه الرسالة عالمية، والأجناس متباينة تشعبت الحلول الفرعية اليومية لما يعترض الناس، وبالتالي فنحن في أمس الحاجة إلى كشف النقاب وإلقاء الضوء على الوجه الثاني من الوحي المنزل، وإزالة اللبس الذي اعترض الكثير من العاملين في حفل الدعوة، وتوضيحًا لما غمض، لعل القافلة تسير على بصيرة وتؤدة، ذلك أن الانزلاق في هذا الوجه دافع لا محالة لاندثار الوجه المقابل أو انكماش فهمه على أقل تقدير.

      فأسلوب العرض ودقته هو العامل الأساسي في نجاح الترويج لسلعة، ونحن كدعاة إلى الله نقدم سلعة لا تضاهيها سلعة أخرى «ألا إن سلعة الله غالية» يتوقف عليها مستقبل الإنسانية في العالمين، ومن هنا بانت الحاجة ملحة لتفادي ما سلف، وتوضيح ما غمض، ورسم المعالم الأساسية التي ينبني عليها أسلوب العرض، فإذا كان الوجه الأول قد اكتمل، ولا يحتاج فيه إلى مراعاة الأولوية والمرحلية، فإن أسلوب الدعوة إلى الله يحتاج منا إلى التدرج بالأفراد والمجتمعات، وهذا يجرنا إلى الحديث عن الكيفية التي يتم بها نقل المدعوين إلى منهج الله.

     فالإقبال على الله، ومعرفة دينه تحتاج في بداية الأمر إلى دعاية، وتبشير، وتعريف معلن إذا سمحت الظروف بذلك، وهذا يحتاج إلى نقلة جذرية توضح فيها الأبعاد الكبرى لهذه الرسالة، ويركز فيها أساسًا على العلاقة التي تربط العبد بخالقه، وهي علاقة مقدسة تنبع منها تصورات لشتى مناحي الحياة، وتترجم إلى سلوك عملي يجسد حقيقة هذه الرسالة، ويمنحها طابعها المميز، فإذا وضحت هذه الحقيقة المقدسة، والمراد منها عقيدة التوحيد، فقد وضح للمدعو جوهر القضية التي من أجلها وجد فوق هذه الأرض، وتكون قد انكشفت أمامه الجاهلية على حقيقتها عارية من لباسها المزخرف الكاذب.

      ولا شك في أن إحداث هذا الانقلاب التغييري يحتاج إلى داعية يستعذب المعاناة الدعوية، ويجد فيها سعادته، علمًا بأن هذا لا يتم عفوًا ولا سذاجةً، وإنما يتم بخطة دقيقة، وبأسلوب ناجع يمهد له بالمعرفة الدقيقة المفصلة لقواعد المجتمع ومنافذه.

      فلا يمكن لداعية نشر فكرته في مجتمع يجهل هذا الداعية أسسه، وأسلوب تفكير أفراده، وأنماط حياتهم المعيشية، والعقائدية، علاوة على التقاليد والعادات الرائجة بينهم.

      فمعرفة الواقع منطلق أساسي، ودونه تفشل العملية الدعوية من أساسها وهنا يكون توفير الجهد أولى من إنفاقه على أرضية غامضة.

  فتح الله نوار

الرابط المختصر :